- 1 -
المازنى ... تلك البسمة الساخرة التى ارتسمت على فم الأدب العربى زهاء أربعين عاما ، وذلك الصوت المدوى الذى تجاوبت أصداؤه فى أنحاء العالم العربى ثائرة مستثيرة حقبة من الزمان ، ما كان ينقضى فيها يوم دون أن نطالع للمازنى مقالا أو يخرج علينا بكتاب ، وما نكاد نمسك مجلة إلا وتجد فيها للمازنى حديثا أو مقالا .
- وكان المازنى من الرعيل الأول الذين تقدموا الصفوف وحملوا مشاعل التجديد فى مجتمعنا الشرقى وأدبنا العربى ، محتملين كل تضحية ، معرضين لكل نقد وتجريح ، صابرين على كل أذى ومكروه فى سبيل تبليغ رسالتهم وتأدية أمانتهم . وقد أعانته طبيعته الثائرة وما اكتسبه من جلد وصبر فى مغالبة ظروف الحياة القاسية على الاضطلاع برسالته واحتمال أعبائها ؛ وكأنى بالقدر كان يعده لهذا العمل العظيم الذى قام به ، لأن المازنى قد ولد فى الحادى عشر من يناير سنة ١٨٨٩ فى حى الدرب الأحمر من أحياء القاهرة القديمة ، وكانت أسرته من الأسر المتدينة الحريصة على آداب الدين والتقاليد ؛ فللأخ الأكبر احترامه ومقامه فى البيت لمرتبته فى السن ، وللوالد منزلته التى تقارب التقديس .
وكان والده من أصحاب الطريق أو مشايخ الطرق ، لأن المازنى يحدثنا عن وجود مصلى وميضأة بالمنزل ، وغرف للأتباع والتلاميذ والمريدين على جانبى المدخل .
وقد ألحق المازنى بالكتاب ، لكنه هرب منه لقسوة الشيخ والعريف ، فأدخل المدرسة الأولية ، ثم مدرسة القرية ، وكانت بحى الدرب الأحمر قريبة من منزله ، لكن أباه توفى بعد التحاقه بها بأشهر قليلة ، وكان لم يتجاوز السادسة من عمره .
وهنا بدأت ظروف الحياة تقسو على هذه الأسرة الفقيرة حتى اضطرت إلى الاستغناء عن كثير من ضرورات الحياة ، ويسهب المازنى فى الحديث عن هذه الفترة ويبرز أهمية الدور الذى لعبته أمه فى حياته .
فهى التى وقفت فى وجه أخيه وأقاربه عندما أرادوا توظيفه بعد أن نال الشهادة الابتدائية ، فأبت عليهم ذلك وأصرت على إتمام تعليمه ، ودفع نفقات هذا التعليم ولو بيع أثاث البيت ، وهكذا أكمل المازنى تعليمه الثانوى فى المدرسة الخديوية ، ثم التحق بعدها بمدرسة المعلمين .
ولا شك فى أن إصرارها على تعليم ولدها وقيامها بأداء هذه المهمة السامية عمل جليل فى ذاته ، وكان له أثر بليغ فى حياة هذا الوليد ، لكنى لا أرى لهذه السيدة الطبية أثرا فى حياة ابنها أبعد من هذا ، ولو أن المازنى يحاول إفهام الناس فى بعض أحاديثه خلاف ذلك لما يشعر به من عظيم فضلها عليه بتعليمه .
ولقد التحق المازنى بعد أن تخرج فى مدرسة العلمين عام ١٩١٠ بمهنة التدريس فعمل فى المدرسة السعيدية ، ثم ترك التعليم الأميرى للتعليم الحر ، ثم آثر بعد ذلك الصحافة على عالم الوظائف بعد أن كان اسمه قد بدأ يلمع - وهو فى وظيفته - فى مجلة البيان وغيرها .
وأول عمله فى حقل الصحافة كان مع المرحوم أمين بك الرافعى فى مجلة الأخبار ، ثم اشتغل بعد ذلك فى الكشاف والسياسة والسياسة الأسبوعية والبلاغ والاتحاد ( ١ ) . أما فى أيامه الأخيرة ، فكانت مقالاته لا تكاد تخلو
منها مجلة ، فهو يكتب فى جميع صحف دار الهلال (( المصور والاثنين والهلال )) وأخبار اليوم وآخر ساعة ومسامرات الجيب والنداء ، وقد كان إلى جانب هذا النشاط المنقطع النظير عضوا عاملا فى مجمع فؤاد الأول للغة العربية ، يعد له من البحوث ومواضع الدرس فى كل دورة الشئ الكثير . وقد ظل المازنى يكتب وهو على فراش المرض حتى اللحظات الأخيرة من حياته لم تفتر همته ، ولم تخب ابتسامته الساخرة من الحياة ، فكان يداعب طبيبه قبل وفاته بساعات قليلة قائلا : (( أتخشى أن أموت ، فيقال إنك أمت المازنى ؟ )) .
وهكذا لقى الموت مستهزئا به ساخرا منه فى مساء العاشر من أغسطس سنة ١٩٤٩ .
اعتداده بنفسه
كان المازنى شديد الاعتداد بنفسه إلى حد بعيد ، شاعرا بتفوقه وامتيازه شعورا قويا ، وهو لا يفتأ يذكر الناس بذلك فى كل سانحة تسنح له ؛ فانظر إلى مقدمة كتابه ( حصاد الهشيم ) تطالع قوله : (( لست أدعى لنفسى فيها - المقالات - شيئا من العمق والابتكار أو السداد , ولا أنا أزعمها ستحدث انقلابا فكريا فى مصر أو فيما هو دونها ، ولكنى أقسم أنك تشترى عصارة عقلى وإن كان فجا ، وثمرة اطلاعى ، وهو واسع ، ومجهود أعصابى ، وهى سقيمة ، بأبخس الأثمان )) , ثم يقول بعد ذلك : (( واعلم أنه لا يعنينى رأيك فيه - الكتاب - نعم يسرنى أن تمدحه كما يسر الوالد أن تثنى على بنيه ، ولكنه لا يسوؤنى أن تبسط لسانك فيه ، إذ كنت أعرف بعيوبه ومآخذه منك ، وما أخلقنى بأن أضحك من العائبين ، وأن أخرج لهم لسانى إذ أراهم لا يهتدون إلى ما يبغون وإن كان تحت أنوفهم )) . بل إنه يختم كتابه بتلك الصفعة الأليمة يوجهها إلى جمهور قرائه : (( إنى مستغن عن رضى النقاد المتحذلقين عن كتابى هذا . وقانع باستحسان أمثالى من الأوساط المتواضعين ، وهم بحمد الله كثيرون فى هذا البلد الأمى ، بل أكثر مما يلزم لى )) .
وكأنى بالمازنى كان يشعر بتفوقه وعظمته كأى عظيم ، لكنه شعور زاده عمقا إحساسه بأنه يكتب - وكان ذلك فى أوائل العشرة الثالثة من القرن الحالى - إلى أقلية ضئيلة جدا من المتعلمين وأقلية تافهة من أنصاف المتعلمين الذين عبر عنهم بالأوساط المتواضعين ، وأنه وجد فى بلد أمى لن يقدر نبوغه وعبقريته ، ولهذا فهو يائس من هذا البلد ، ويملأ اليأس فراغ قلبه ويردده بين حين وآخر فى صيحات يرسلها على الناس لتنبههم من غفلتهم ؛ فتراه يقول لقراء كتابه حصاد الهشيم : (( هذه مقالات مختلفة فى مواضيع شتى كتبت فى أوقات متفاوتة وفى أحوال وصروف لاعلم لك بها ولا خبر على الأرجح ، وقد جمعت الآن وطبعت وهى تباع المجموعة بعشرة فروش لا أكثر .. وتعال نتحاسب . إن فى الكتاب أكثر من أربعين مقالا مختلف طولا وقصرا وعمقا وضحولة ،
وأنت تشترى كل أربع منها بقرش ! وما أحسبك ستزعم أنك تبذل فى تحصيل القرش مثل ما أبذل فى كتابة المقالات الأربع من جسمى ونفسى ومن يومى وأمسى ومن عقلى وحسى " .
تأمل ! إنه يحاسب قارئه عن القرش وعن المنفعة المادية لا المتعة الروحية ولا الفائدة العقلية . وكأنه يستبعد على هذا القارئ أن يفهم ما يكتب المازنى أو يعيه أو يقدر قيمته .. قد يعترض معترض بأن المازنى اعتاد أن يركب الناس بدعابته , لكن هذا الاعتراض مردود ، لأن أقل تأمل يدرك منه المرء أن المازنى كان جادا فى سخره أقسى الجد وأعنفه ، وإنه ليسخر من قراء عصره وثقافتهم ، ويمضى فى هذه السخرية قائلا : (( ثم إنك تشترى بهذه القروش العشرة كتابا ، هبه لا يعمر من رأسك خرابا ولا يصقل لك نفسا أو يفتح عينا أو ينبه مشاعر ، فهو - على القليل - زينة على مكتبك ، والزينة أقدم فى تاريخنا معاشر الآدميين النفعيين من المنفعة وأعرق ، والمرء أطلب لها فى مسكنه وملبسه وطعامه وشرابه وأكلف بها مما يظن أو يحب أن يعترف . على أنك قد لا تهضم أكلة مثلا فيضيق صدرك ويسوء خلقك وتشعر بالحاجة إلى التسرية والنفث ، وتلقى أمامك هذا الكتاب ،
فالعن صاحبه وناشره ما شئت ! فإنى أعرف كيف أحول لعناتك إلى من هو أحق بها ! ثم أنت بعد ذلك تستطيع أن تبيعه وتنكب به غيرك ... أو تفككه وتلفف فى ورقه المنثور ما يلف ، أو توقد به نارا على طعام أو شراب أو غير ذلك .. أفقليل كل هذا بعشرة قروش ؟ ))
ويرجح لدى أن هناك أسبابا أخرى لهذه المبالغة فى الاعتداد بنفسه ، ولعل أهم هذه الأسباب شعوره بالنقص ... نقص مرجعه البيئة أولا ، وقد كان المازنى من بيئة محافظة متدينة لا تريم عن التقاليد الموروثة والعادات القديمة والآداب الدينية ، بينما اندفع هو فى ثورة على هذه المواضعات وأخذ نفسه بتعاليم الغرب ، وكأنه كان يخشى النكسة فكان يبالغ بالتظاهر بعربيته .
والسبب الثانى لهذا الشعور هو قصر قامته قصرا جعله يريد أن يوهم الناس جميعا أنه عملاق .. عملاق فى الأدب أو عملاق فى الأثر ، وقد كان شعوره بقصره فادحا ، وليس أدل على عمق هذا الشعور من هذه الحادثة التى يرويها عن نفسه ، وهى أنه كان أستاذا فى إحدى المدارس الثانوية - وكان التلاميذ حينئذ فى مدارسنا الثانوية رجالا ذوى شوارب وأجسام ضخمة - وقد لمحه الناظر ذات مرة واقفا فى فناء المدرسة فى وقت الدرس فحسبه تلميذا فاقترب منه وصفعه على قفاه صفعة أطارت طربوشه ... والمازنى يروى هذه القصة وما زال يذكرها برغم اتهامه نفسه بضعف الذاكرة .
ثم هذه الضائقة المالية التى أصابت أسرته بعد فقد أبيه وما عانته هذه الأسرة من شظف العيش ومن ضروب الحرمان ، وما خبره فى هذه الفترة من جحود الناس وانعدام روح الخير بينهم حتى قال : (( وأحسبنى من أسوأ الناس ظنا بالناس ؛ ومن طول ما وطنت النفس على معاناة الشر والأذى والمتعبات والمنغصات صرت لايروعنى حادث مهما جل ، والذين يعرفوننى يظنون هذا جلدا ، ولكنه ليس من الجلد فى شئ , وإنما هو ثمرة ما تقرر فى نفسى من سوء الظن بالدنيا والناس )) .
وطبيعى أن المازنى إزاء هذه الظروف كان مضطرا للاعتماد على نفسه وعلى مقدرته على مغالبة الحياة ومجاهدة ظروفها ، مستقلا برأيه مستغلا مواهبه الخاصة وحيويته ، غير منتظر معونة من أحد من الناس .
وقد نجح المازنى فى حياته المستقلة هذه ، وكان من الطبيعى بعد ذلك أن يعتز بشخصيته ويترفع عن الناس ، لا سيما من كان يرجو العون عندهم إبان ضعفه فوجد عندهم الإعراض ، فلم يتوان هو عندما اطمأن إلى مكانه فى معترك الحياة عن الإعراض عنهم واحتقار شأنهم حتى قال يوما : (( فى الهند طائفة يحقرها بقية الهندوكيين ويعدونها من المنبوذين .. وأنا لا احتقر أحدا ، ولكن ذوى الألقاب عندى منبوذون - أعنى أنى أنفر منهم وأكره مجالسهم وأتقى مخالطتهم وأوثر عليهم البسطاء الفقراء بل حتى الجهلاء والأميين ، وأرى لى عطفا عليهم وحبا لهم وفهما وإدراكا لأساليب تفكيرهم وسرورا بحديثهم وإن كان تخليطا ( ١ ) )) . وقال مرة أخرى معبرأ عن اعتزازه بنفسه وطريقته فى الحياة فى معرض حديث عن المجتمعات الراقية وحفلاتها التى كان قلما يجيب الدعوات إليها : (( إنها مجتمعات حافلة بمظاهر التصنع والرياء والنفاق والتكلف الثقيل ، كلا ياسيدى ( يفتح الله ) إنى بجلبابى الفضفاض وجلستى الهادئة البسيطة أنعم بما لا ينعم به إنسان )) .
وكان المازنى مؤمنا برسالته فى الحياة معتقدا أنها أسمى من كل رسالة أخرى فى الوجود ، محبا لها . ولاسيما لما منحته من حرية فى التفكير والحياة ، ولذلك كان ينفر من الأحزاب السياسية ، ولا يطيق فكرة الانضمام إليها ، وقد قال عندما طلب منه ذلك : (( لقد تركت وظائف الحكومة لأنى لا أطيق القيود ؛ فكيف أقيد نفس بأغلال الحزبية الثقيلة ؟ إنى اليوم حر أكتب ما أشاء ، وأقول للمحسن أحسنت ،
وللمسئ أسأت ... فدعنى بالله من هذه القيود وتلك المظاهر )) ( ١ ) .
والكتابة عنده أسمى وأرفع من أى وسيلة أخرى من وسائل خدمة المجتمع ، ولذلك كان يأبى أن يرشح نفسه للنيابة أو أن يسعى إليها ، وقد قال يوما : (( لقد خلقت كاتبا وسأظل كاتبا أخدم بلادى عن طريق الصحافة ( ٢ ) )) عندما ألح عليه سكان حيه فى ترشيح نفسه عنهم .
وأظن أن المازنى قد بلغ بذلك أقصى حدود الاعتداد بالنفس والإخلاص لرسالته فى الحياة .
* مدرسة المازنى
هل كان للمازنى مدرسة ؟ . إذا كان المقصود بالمدرسة مذهبا جديدا فى الأدب أو الفلسفة ؛ فلا أظن أن المازنى قد جاءنا بجديد فى هذا الباب ، وإنما كان المازنى قائد جيل من الأدباء .
وقد عاصر المازنى فترة انتقال خطيرة فى تاريخ الآداب العربية ، وكان على المازنى وزملائه كالعقاد وطه حسين أن يقودوا ثورة على القديم وأن يحطموا الأصنام المعبودة والمقاييس الجامدة التى أحيط بها الأدب العربى ، وأن يزلزلوا عقائد معاصريهم فى قدسية كل قديم ، ولذا كان العمل الأساسى هدما وتمهيدا لما بعده ، وكان على المازنى أن يكون معول هدم أولا ليستطيع أن يبنى ، وقد كان يدرك دوره ويشعر به ويحسه ؛ فهو يقول فى حصاد الهشيم ( ص ٢٦٤ ) فى معرض حديثه عن الآنسة مى : (( وأنا أيضا أكتب وأقرض الشعر ، فما مصير كل هذا الذى سودت به الورق وشغلت المطابع وصدعت القراء ؟ إنه كله سيفنى ويطوى بلا مراء ؛ فقد قضى الحظ أن يكون عصرنا عصر تمهيد وأن يشتغل أبناؤه بقطع هذه الجبال التى تسد الطريق وبتسوية الأرض لمن يأتون من بعدهم ؟ ومن الذى يذكر العمال الذين سووا الأرض ومهدوها ورصفوها ؟ من الذى
يعنى بالبحث عن أسماء هؤلاء المجاهدين الذين أدموا أيديهم فى هذه الجلاميد ؟ )) .
وبرغم إشفاقه من الفناء وعدم خلود الذكر إلا أنه يمضى قدما فى رسالته ويدعو إلى التمرد على الأوضاع القديمة ويلتمس لنفسه العذر من هذا التمرد فى حديثه عن ابن الرومى فيقول : (( وعذره من هذا التمرد عذر كل فرد حساس مصقول النفس مثقف العقل ، تصطدم عنده الآراء والعقائد بمظاهر الحياة وواقع الحال ، وليس أقسى من أثر ذلك فى النفس ولا أوجع ، ولسنا نحتاج أن نرجع إلى عصره بصفة خاصة ؛ فإن الحياة كانت قديما وما زالت إلى الساعة ، وستظل إلى آخر الزمن إن كان له آخر ، صراعا دائما وجهدا متواصلا ؛ وما نظن الحياة الإنسانية خلت قط من بواعث السخط ودواعى التذمر ، وما كان المرء ليهتدى إلى جانب هذا - أو قبله - بحدود قدرته وباحتكاكه بما يجاوز هذه الدائرة أو يحدد هذا المجال ، وقد يعين الجهل أو البلادة على الرضى وإشعار النفس الراحة الحيوانية ، فلا يرى المرء فيها يحيط به ويضيق عليه إلا عدلا مقنعا وضرورة لا مهرب منها ولا خير فى التبرم بها )) .
فهو هنا يعرض بهؤلاء المستسلمين للواقع القانعين بالدون من الحياة ، لكنه هو أحيانا يستشعر التعب من طول عنائه فى إفهام الناس أغراضه وأهدافه من كتاباته التى لم يرم بها إلا إلى الإصلاح ، فتراه يقول : (( رأيت عجبا أيام كنت أنشر هذا النقد ، من ذلك أنى كنت إذا قلت إن حافظا أخطأ فى هذا المعنى أو ذاك ، قال بعضهم :( لم يخطئ حافظ وإنما تابع العرب وقد ورد فى شعرهم ( ١ ) أشباه ذلك ) كأن كل ما قال العرب لا ينبغى أن يأتيه الباطل ولا يجوز إلا أن يكون صحيحا مبرئا من كل عيب ... إلى غير ذلك مما يغرى المرء باليأس ويحمله على القنوط من صلاح هذه العقول ! )) . (( وإذا فرضنا أن العرب أصابوا فى كل ما قالوا أفترى ذلك يستدعى أن نقصد قصدهم ونحتذى مثالهم فى كل شئ ونحن لا نحيا حياتهم ؟ ألسنا الوارثين لغتهم وللوارث حق
التصرف فيما يرث ؟ هل تقليدك العرب وجريك على أسلوبهم يشفعان لك فى خطأ نحوى أو منطق ؟ كلا ! ١ إذا فكيف يشفع لك فى غير ذلك مما لا يصح فى العقول ولا يتفق مع الحق ؟ وكيف نتحاكم إلى العقل فى الأولى ولا نستقضيه فى الثانية ؟ )) .
(( لا ننكر ما لدراسة الأدب القديم من النفع والفائدة وما للخبرة ببراعات العظماء قديمهم وحديثهم من الفائدة والأثر الجليل فى تربية الروح ، ولكنه لا يخفى عنا أن ذلك ربما كان مدعاة لفناء الشخصية والذهول عن الغاية التى يسعى إليها الأدب والغرض الذى يعالجه الشعر والأصل فى الكتابة بوجه عام )) .
ولعل أهم ما كان يعانيه تشبث القوم باللفظ والتركيب واستخفافهم بالمعنى وكأنه ليس هناك للأدب رسالة فى الحياة سوى تجويد صنعة الألفاظ وإتقان أبواب النحو والصرف لا الترجمة عن معانى الحياة وخلجات النفس .
ولتقرأوا معى هذه الصيحة الصادرة من الأعماق وفيها يبرز المازنى فى أسلوب شعرى جميل - يفصح عن آلام نفسه - أهدافه الأدبية محاولا شرحها للناس : (( وكأنما شاءت الاقدار ان يذيب أحدنا نفسه ويعصر قلبه وينسج آماله ومخاوفه التى هى آمال الإنسانية ومخاوفها ، ويستورى من رفات آلامه شهابا يضئ للناس وهو يحترق ، ثم لا يجد من الناس أخا حنانا يؤازره ويعينه على الكشف عن نفسه وإزاحة حجب الغموض عن إحساسات خياله التى ربما التبست على القارئ لفرط جدتها أو غابت فى مطاوى اللفظ واستسرت فى مثانى الكلام )) .
(( أليس أحدنا بمعذور إن هو صرخ وبه من سانح اليأس خاطر : يا ضيعة العمر ! أقص على الناس حديث النفس وأبثهم وجد القلب ونجوى الفؤاد فيقولون ما أجود لفظه أو أسخفه ! كأنى إلى اللفظ قصدت ... وأنصب قبل عيونهم مرآة للحياة تريهم لو تأملوها نفوسهم بادية فى صقالها ، فلا ينظرون إلا إلى زخرفها وإطارها ، وهل هو مفضض أم مذهب ، وهل هو مستملح فى الذوق ام مستهحن ؟ وأقضى إليهم بما يعى أحدهم التماسه من حقائق الحياة فيقولون :
لو قلت كذا بدل كذا لأعيا الناس مكان ندك ! مالهم لا يعيبون البحر باعواج شطئانه وكثرة صخوره ؟ ياضيعة ( ١ ) العمر ! )) من هذا ندرك أن المازنى كان يعانى رهقا وشدة فى حمل الناس على فهم مذهبه ، وكان من أهم أسلحته - كما أسلفنا فى نضاله الهدم وتحطيم الأصنام وزحزحتها عن قواعدها ، فبدأ بنقد شوقى وحافظ - وكذا فعل العقاد وطه حسين - وكان ذلك فى أوائل عهده بالصحافة سنة ١٩١٣ ، وعرض شعرهما على الناس وتفس مواضع الضعف فيه حتى يؤمن الناس معه بأن قدسية القديم وهم باطل يجب التحرر منه وبأن الشعر يكون أفضل وأوفى بالغاية إذا عبر عن بيئته واستعمل أدوات عصره .
. وقد جمع مقالاته فى نقد حافظ وأصدرها فى كتاب عام ١٩١٤ ليعلم الناس على حد قوله مبدأ الجديد الذى يدعو إلى الإقلاع عن التقليد والتنكب عن احتذاء الأولين فيما طال عليه القدم ولم يعد يصلح لنا أو نصلح له .
ومع ذلك لم يكن عمل المازنى هدما كله . بل إنه نصب نفسه أستاذا لجيل من الأدباء والناس ، يعلمهم ماهية الشعر وماهية الخيال ويسمعهم للمرة الأولى فى العربية أن المجاز (( وهو نقل لفظ مما وضع له فى الأصل إلى غيره مما يشاركه فى بعض صفاته أو خصائصه ، فالروح فى اللغة العربية أيضا أصل معناها النفس )) مخالفا بذلك ما عرفوا وما طالعوا فى كتبهم ، وهو إذ يتصدى لكتابة ترجمة عظيم من العظماء يحاول أن بشرح لقرائه أولا أصول النقد وما يجب أن يأخذ به نفسه من تصدى لتاريخ الناس ودراسة حياتهم .
وهكذا نرى صنعة الأستاذية أو مهنة التدريس تغلب فى كتاباته دائما أو هى ضرورة المناسبة وملابسات العصر الذى عاصره حتمت عليه أن يقوم بدور الأستاذ لتلاميذ الأدب فى هذا الجيل ... دور الأستاذ الذى يريد أن يحرر تلاميذه من قيود التقليد ويأخذ بيدهم إلى طريق تكوين الشخصية الأدبية وجودهم الاستقلال بالرأى والابتكار والتجديد .

