-4- المرأة فى شعره
لقد عاش مطران حياته عزبا ، وبرغم ذلك فقد كان للمرأة أعمق الأثر فى حياته وبالتالى فى شعره ، لأنه عرفها ودرسها ، وأشاد بمكانتها بجديد تكاد لا نرى مثله فى الشعر العربى من قبله إلا نادرا .
والشعر العربى القديم فى المرأة لم يكن يعنى غالبا إلا بمفاتن جسدها ، وأنت لا تكاد تميز بين جميلات الشعر القديم لأنهن كلهن ذوات وجوه كالبدور أو الشموس ، وشعر كالميل ، وجبين كالصبح ، وخد كالورد .. الخ هذه الأوصاف الغامضة الموحدة .
والمرأة فى الشعر القديم غالبا ما تكون متهمة ، لأنه ( ليس مخضوب البنان يمين ) ، أو كما قال المتنبى مشبها الدنيا بالمرأة :
فهى معشوقة على القدر لا تحفظ عهدا وللا تتمم وصلا
شيم الغانيات فيها فما أدرى لذا أنث اسمها الناس أم لا
أما مطران فقد رد للمرأة العربية كرامنها واعتبارها ، وأشاد بمكانتها من المجتمع فى شعره حتى قال :
إن لم تكن أم فلا أمة وإنما بالأمهات الأمم
وأول ما يلفت النظر فى شعر مطران أنه يعنى بخصال المرأة قبل جسدها ، ويهتم بجمال عقلها قبل جمال جسمها ، وما أروعه فى ذلك حين يقول :
أذاك الجبين وبلوره يمثل أفكارها الخاطره ؟
أتلك العيون وأنوارها مراء لأخلاقها الباهرة ؟
أتلك الشفاه وماقبلتها سوى الأم واللدة الزائرة ؟
أذاك القوام ومن حسنه تميل الغصون له صاغره ؟
أذاك العفاف ومما صفا تقر به المقل الناظرة ؟
أو قوله فى أخرى :
فاتنى من جمالها الوجه طلقا
لا يباهى والقد لدنا رغبيقا
فاتنى عقلها الذى يبدع الخا
طر روحا وهيكلا وعروقا
فاتنى نظمها القريض كما
تنظم عقدا فى جيدها منسوقا
فاتنى لطفها الذي ينعش الوج
د ولو شاء أنعش التوفيقا
ثم هو ارتقى بالمرأة من المثالية المشوهة الغامضة فى وصف الجمال إلى واقعية فنية واضحة المعالم دقيقة الخطوط ، فتراه يقول :
لها شعر كالخيل يجلو سواده
بياض نهار يبهر المتوسما
وعينان كالنجمين فى حلك الدجى
هما نعمة الدنيا وشقوتها هما
وأهداب أجفان تخال أشعة
مصففة غراء تعكس عنهما
ومنفرج عن خالص العاج مازن
كأن الهوى قد بث فيه تنسما
وخصر إليه ينتهى رحب صدرها
وقد دق حتى خبل بالثوب أبرما
فإن أقبلت فالغصن أثقله الجنى
فمال قليلا واستوى متقوما
وقد عرف مطران المرأة عن الطريق الطبيعي . . طريق الحب . . لقد أحب مطران مخلصا ، وملأ الحب شغاف قلبه وفراغ حياته ، وصبغ تفكيره ولون شعره ، حتى إنه ليخيل إلى أن الحب كان أساس حياة مطران وأن حياة مطران لم تكن إلا دعوة متصلة للمحبة . وهو القائل :
سوي الحب لا يشفى الفؤاد المكلما
ولا يهنئ العانى وإن كان مؤلما
وما زال ذو القلب الخلى من الهوى
كظمآن لا يروى له مورد ظما
هو الدهر كالتيار يكتسح الورى
بليل من الأحداث أعكر أهما
فما أسعد الروحين أن يتلاقيا
ويقتسما فيه الأسى و التنعما
كما يتلاقى فى طريق مخوفة
غربان نالت شقة السير منهما
وكم عاشق يسلو رزاياه بالهوى
وقد يجتلى وجه الهناء توهما
كسالك وعر راقه حسن كوكب
فأرجله تدمى وعيناه فى السما
ولعل قلب مطران قد هفا لكثيرات من النساء فقال فيهن شعرا ، لكنه لم يتعلق سوى واحدة ، ولاشك فى أنه عرف غيرها ، لكنه لم يحب سواها ، ولم يخلص الهوى إلا لها .
وقصة هذا الحب طويلة ، وحوادثها منتشرة فى ديوانه ، ولو أنه أفرد لها فى الجزء الأول قسما خاصا بعنوان ( قصة عاشقين ) ، لكنى أعتقد أن هذه القصة أطول بكثير من هذا القسم المحدد من الديوان . . إنها الشعلة التى تأججت فى صدره يافعا حين التقى بهذه الحبيبة ، وقد لسعتها نحلة فقال :
أفتدى من لسعتها نحلة تطلب وردا
ظنت الوجنة وردا فأتت ترشف شهدا
وسعد بجوارها دهرا قصيرا له أثر فى حياته كبير ، وذكرى لم تمحها الأيام . . ذكرى ذلك الحب الساذج واللهو البرىء :
هل تذكرين ونحن طفلان
عهدا بزحلة ذكره غنم
إذ يلتفى فى الكرم ظلان
يتضاحكان ويأنس الكرم
هل تذكرين بلاءنا الحسنا
حين اقتطاف أطايب العنب
تعطى ابتسامات بها ثمنا
وبنا كنشوتها من الطرب
لكن الدهر لم يغفل عن هذه السعادة ، فاختطف هذى الحبيبة سريعا وخلف لمطران لوعة وأسى صاحباه ما بقى من العصر ، وكأنى بالدهر قد غار من هذه السعادة كما يقول مطران :
كنا كغصنى دوحة نبتا
بل زهرتى غصن تعانقتا
بل حبتين بزهرة نمتا
وتساقتا لما تعاشقنا
نار الغرام مع الندى العذب
نمت سعادتنا على قدر
قسطت عليها غيرة القدر
أودت معا بالعين والأثر
واستبقت الباقى من الخبر
ذكرى وتبصرة لذي لب
ماتت وكل ضاحك جذل
ما للورى ولموت من جهلوا
لا قلب يبكيها ولا مقل
بل نيلها واللطف والأمل
وشبابها وطهارة القلب
وقد هاجر مطران من موطنه بسبب هذا الرزه ، كما يشير فى قصيدته (( مشاكاة )) :
أرى مثل سهدى فى الكوكب
أحل به مثل ما حل بى ؟
يهيم هيامى من وجده
ويهرب من مهده مهربى؟
وتجتاز هذا الفضاء الرحيب
إلا بنا فهو لم يرحب
وتأججت نيران هذه الشعلة بفعل الفراق ، فالهبت مشاعر مطران ، وأشقته دهرا طويلا ، حتى داخل نفسه اليأس ، واصطبغت نظرته للحياة بصبغة التشاؤم ، وعظم حزنه على حببته ، حتى خال كل الوجود حزينا . . فانظر إليه يصف الغروب الذي تغنى به الفنانون والشعراء :
يا للغروب وما به من عبرة
للمستهام وعبرة للرائى
أو ليس نزعا للنهار وصرعة
للشمس بين جنازة الأضواء ؟
أو ليس طما لليقين ومبعثا
للشك بين غلائل الظلماء ؟
أو ليس محوا للوجود إلى مدى
وإبادة لمعالم الأشياء؟
بل حتى الموت تمناه لنفسه فقال :
من بالمنون لزال صب
ذاكى الأضالع مقلق الجنب
ليت الرزيئة فيك أودت بى
فنجوت من ألمى ومن كربى
وفزعت من نفسى إلى ربى
وهو يردد نفس المعنى فى قصيدة أخرى :
إن لى فى الغيب إلفا قد تأبى عنى نحورا
حجبت منه الليالي عنى الصبح المنيرا
فإذا أدركه أطفأ ت من وجدى السعيرا
واتحدنا فأغتدينا تزج روحين سرورا
وظل مطران حافظا لعهده ، ذاكرا لحبه ، وإذا كان حزنه قد تناقص مع الأيام إلا أن شعلة الحب بقيت مضيئة فى قلبه تنعكس أشعتها على أشعاره رقة وعذوبة .
أعماله
قال الخليل :
ويظل المرء في دنيا من شغل إلى شغل
يجد منى ويخلقها على الأعوام كالحلل
ومن سنة إلى سنة يعاودها بلا ملل
فمن أمل إلى يأس ومن يأس إلى أمل
ولا سعد ولا سلوى ولا يجد سوى العمل
ولقد تمثل الخليل ما قال ، وعاش حياته مجدا فى العمل ، فأنتج كثيرا فى الشعر والأدب برغم مشاغله فى دنيا الصحافة والمال وميادين الاقتصاد المختلفة وإدارة المشاريع المنوعة .
استطاع الخليل برغم هذه المشاغل أن يهدى الأدب العربي ترجمة العيون من أعمال أدباء الغرب ( كليالي ألفريد دى موسيه) ورواية ( هرنانى ) لفيكتور هيجو ، وترجم لكورنى مسرحيات ( السيد ) و (سبنا ) و ( بولكيت ) ، وترجم لراسين رواية l'incomparable berenice ولشكسبير رواياته الخالدة ( عملت ) و ( ما كبث ) و ( عطيل ) و ( تاجر البندقية ) و ( الملك لير ) وغير ذلك من التراث كما أصدر كتابه ( مرآة الأيام )
وكتب فى غير الأدب فترجم (( تعليم الإرادة )) لبايو و (( التاريخ الطبيعى )) لفيكتور ديرى و (( الموجز فى علم الاقتصاد)) و ((الأحوال الزراعية فى القطر المصرى )) .
وأخيرا أصدرت لجنة تكريم الخليل ديوان شعره كاملا ، فما أحرى الخليل أن يوصف بقوله :
أبقيت ذكرك في القلوب كريما وقضيت حبا وارتحلت مقيما

