الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 689 الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات فى الشعر المصرى :, ابن قادوس(١)

Share

هو أبو الفتح محمود بن اسماعيل بن حميد الفهري الدمياطى المشتهر باسم ابن قادوس ، شاعر مبدع من شعراء النصف الأول من القرن السادس للهجرة ، وقد بدت فيه مخابل شاعريته منذ أوائل هذا القرن ، فقد ذكره أمية ابن أبى الصلت في رسالته المصرية ، ونؤء به ، ومعروف أن هذه الرسالة كتبت حول سنة ٥١٠ ه .

وإذا كان ابن أبى الصلت ملكه فى شعراء مصر الذين ارتفع اسمهم ولمع نجمهم في مفتتح القرن السادس ، فإن اسمه أخذ يدوى بعد ذلك كما أخذ نجمه يتألق في المحافل حتى اختير ، لينهض برياسة ديوان الإنشاء مع الموفق بن الخلال فكان هذا الديوان لقى بينهما ، تارة في يد هذا وتارة في يد ذاك ، وما زال يحتل هذا الأفق الرفيع بين الكتاب والشعراء في مصر الفاطمية حتى لبى نداء ربه سنة ٥٥١ ه . ورياسة ابن قادوس لديوان الإنشاء تجعلنا مهيئين لأن نقرأ له أدبا مرصعا بالسجع وفنون البديع على عادة الكتاب في عصره ، وقد روي له صاحب صبح الأعشى نصين من نصوص النثر التي دبجتها براعته ، وهما يشهدان بأنه كان يتفنن في كتابته ويوشيها بمصطلحات عصره الفنية من سجع وألوان يديع ، ولعل هذا ما جعل القاضي الفاضل أكبر سجاع بين الكاتبين في العصر التالى لعصره ، وكان لا يزال في مقتبل حياته الديوانية ، يلزمه ، حتى ليزعم الرواة أنه كان يجرى في ركابه أثناء خروجه من الديوان إلى بيته رجاء أن يقع منه على سجعة بديعة أو يلتقط درة من درر

شعره اليتيمة التي كان يبالغ فى صياغتها ويتأنق في صناعتها . وقد احتفظت ( الجريدة ) بظرف من هذه الدرر ، وإن كنا نلاحظ أن العماد لم يرو لنا شيئا من قصائده ، إنما روي مقطتعات ومنتخبات ، وهي أقرب إلى أن تكون نماذج لتعليم النشء فن الصياغة الأدبية منها إلى أن تكون تاريخا صحيحا للشاعر وشعره أو الشاعر وعصره ؛ وكانت في الشعراء الفاطميين وصمة تجعله يرفض رواية قصائدهم مهما كان نصيبها من الروعة الفنية ، وتقصد وصمة تشيعهم ، إذ كان سنيا وكانوا شيعة غالين ، فرفض رواية قصائدهم وخاصة التي مدحوا بها الخلفاء الفاطميين ووزراءهم ، وقطعها ومثل بها ، فلم يرو منها إلا مقدماتها ، وإلا قطعا من المديح تخلو من كل أثر للتشيع وصلة به .

ومن أجل ذلك لا سبيل إلى أن نقرأ شعر ابن قادوس في الخلفاء الذين عاصرهم وكانوا كثيرين ، إذ عاصر الآمر والحافظ والظافر والفائز ، وكذلك لا سبيل إلى أن نقرأ ما نظمه في كبار الوزراء الذين اتصل بهم من مثل الأفضل ابن بدر الجمالى واحمد ابنه ورضوان بن وخش وعباس الصنهاجى وطلائع بن رزيك ، لا سبيل إلى أن نقرأ شيئا من ذلك إلا أن يكون مقدمة لإحدي قصائده فيهم ، كهذه المقدمة التى قدم بها قصيدة في مديخ الأفضل إذ يقول :

أكرم بقلبى للأحبة منزلا

                  ربعوا به أم أزمعوا مترحـــــــــــلا

جاءته أنواء الدموع فما اغتدى

                  يوما لمئات الحيا متحمـــلا

حفظى أمهد القادرين أضاع لى

                  قلبا أقام غرامه وترحـــــــــــــلا

لا يبعدن زمن مضي لو تشترى

                  ساعاته بالعمر أجمع ماغلا

أيام أغصان القدود ، قطوفها

                 

                                       تجنى ، وأقمار الملاحة تجتلى

ومهفهف لولا سهام جفونه

                 

                                      تضحى لأدرك عاشق ما أملا

كالبدر وجها والغزال تغنا

                                     والخمر ردفا والقضيب تميلا

ويكاد من طيب المفبل ينثنى

                                      عود الأراك من الثنايا مبتذلا

 إن كان يحكى البدر وجها إنه

                                      يحكيه أيضا فى البروج نقلا

ولقد أدبل من الصبابة عمتى

                                    وأشيم من شيمى عليها مضلا

وأصون عقد بلاغة تظلمته

                                 من أن يرى يسوى علاك مفصلا

يامن تساوت فى العلا أقسامه

                                   وسما بهمته فكان الأفضلا

أرض سعت قدماك فيها لاذله

                                   لدوى الممالك قبلة ومقبلا

ونداك . كل مؤمــل ما أملا

                                    إلا تجهم للعفاه وأم لا

ملك يلاقى الطيف مدرعا

                                   حزما ويقتنص الفوارس أعزلا

وواضح ما يحمله هذا الصوت إلى مسامعنا من جزالة وقوة . وابن قادوس موفق فى اختيار هذا الصوت لأنه يمدح والمديح يحتاج الصوت الضخم ، حتى يرتفع عن الصوت العادى ، ويصبح خليفا بهذه الطبقة العالية التي يغنيها مناقبها ، وينشدها فضائلها ، فإذا عرفت أن ابن قادوس لم ينظم هذه القصيدة فى أخريات حياته . إنما نظمها فى أوائلها ، والزهر لا يزال فى برعمه يفوح برائحته إذ نظمها فى الأفضل الذي قتل سنة ٥١٥ ه . إذا عرفت ذلك عرفت أي شاعر كان في جلده كما كان يقول القدماء .

وأنت تراه قد مسح على هذه الآبيات بألوان البديع ، فهو ليس ممن يرسلون أنفسهم على سجيتها في عمل الشعر وصياغته ، بل هو ممن يعنون في شعرهم بتوشيته وزركشته . حتى لكأنه توب في يد فنان يعرف كيف يلونه وينحته .

ويطرز أوساطه وأطرافه بحليات الطباق والجناس والصورة النادرة كصورة صاحبته أو صاحبه الذي لايحكى البدر في جماله فحسب ، بل يحكيه أيضا في تنقله بين البروج .

ولعلك لاحظت حين خروجه إلي مديح الأفضل كيف أن صوته أخذ يتهدج بالانفعال والتأثر ، وإنه ليوشك أن يرتفع به إلى مصاف ورثة الأنبياء فكل أرض تسعى فيها قدماء تصبح قبلة ومقبلا للمالك من حوله . وأكبر الظن أن ذلك ما دعا العماد إلى أن يقطع الصوت ، وينتقل إلى قطعة أخرى ، لعل ابن قادوس نظمها أيضا في الأفضل ، وهى تجرى على هذا الوجه :

عليك تلك الحادثات لعزه

                  يعيد ويبدى والليالى روالهم

وكم كرية يوم النزال تكشفت

                 بحملاته وهى الغواشى الغواشم

تشيد بناء الحمد والمجد بيضه

                 وهن لآساس الهواد هوادن

رقاق الظبا تجرى بآجال ذى الورى

                 وأرزاقهم فهى القواسى القواسم

وهنا نجد نفس الضخامة والجزالة في الأسلوب ؛ ومما لا ريب فيه أن أذن ابن قادوس كانت أذنا جيدة ، ولسنا نقصد الأذن الظاهرة ،  إنما نقصد الأذن الباطنة ، فلكل شاعر أذنه الباطنة التى تقيس كل حركة وكل نبرة في شعره . والشعراء يتفاضلون في هذه الأذن وما يمكن أن ينصب من آثار دقتها وحسها في نغمهم .

على أن أذن ابن قادوس لا تبدو واضحة في مدائحه تماما ، السبب بسيط ، وهو أن المديح ليس موضوعا أصيلا يسقط نغمه من نفس الشاعر ، وإنما هو موضوع عارض ، لا يمس في أغلب الأحيان سوي السطح من هذه النفس ، أما الداخل والجوهر فيظل بعيدا . ومن هنا كانت خصائص الشاعر ، ونقصد خصائص أذنه لا تمثل بينة في مدائحه ، إلا عند من توفروا لهذه المدائح وجعلوها وكدهم في شعرهم ، أما من يمدحون من حين لآخر ، ويعيشون لأنفسهم قبل أن يعيشوا لغيرهم فإن إيقاعاتهم الدقيقة إنما تتراءي في أجلى صورة بأشعارهم الخاصة التي يفنون فيها أنفسهم . واستمع إلى هذه الخمرية لابن قادوس :

قم قبل تأذين النواقيس       وأجل علينا بنت قسيس

عروس دن لم يدع عتقها         إلا شعاع غير ملموس

تجلي علينا باسما ثغرها          فلا تقابلها بتعبيس

مذهبة اللون إذا صفقت       مذهبة الهم والبوس

نار إلي النار دعا شربها         وشردت بالعقل والكيس

لا غرو ما تأتيه من ريبة        لأنها عنصر إبليس

ليس لها عيب سوي أنها        حسرة أقوام مقاليس

في روضة كانت أزاهيرها        كأنها ريش الطواويس  

فاغتنم اللذات في دولة         صافيه من كل تعكيس

بقيت فى عمر فسيح المدى    من كل ما تحذر محروس

ألست تؤمن معى بتوفيق ابن قادوس في أصواته التى ألف منها نغم هذه الخمرية ؟ الحق أنه وفق إلى أبعد حدود التوفيق . ولقد عرف الفرس بخمرياتهم في العربية ، وكلنا سمعنا بأبي نواس الذي كانت تهتز نوادي بغداد لخمرياته . ولكنا لم نسمع لمصر بشاعر يحسن صنع مثل هذه الخمرية التى تقطر خفة والتي تطير عن الأفواه في رشاقة . واستمع إلى أخت لها لا تقل عنها جمالا :

وليلة كاغتماض الطرف قصرها

                    وصل الحبيب ولم تقصر عن الأمل

بتنا مجاذب أهداب الظلام بهــا

                   كف الملام وذكر الصد والملل

وكلما رام نطقا فى معاتبتى

               سددت فاء بطيب اللئم والقبل

وبات بدر تمام الحسن معتنقى

                والشمس فى فلك الكاسات لم تفل

فبت منها ارى النار التى سجدت

                    لها المجوس من الإبريق تسجد لى

راح إذا سفك الندمان من دمها

                  ظلت تقهقه فى الكاسات من جذل

فقل لمن لام فيها إننى كلف

               مغرى بها مثلما أغريت بالعذل

وهل بقى شيء من خمريات أبى نواس ؟ إن الخمر مخلط بالغزل وتمزج به مزجا يعبر عن شغف الشاعر بها وعكوفه على دنائها وعبه من كئوسها وسفكه لدمائها .

إننا أمام شاعر من ذوق أبى نواس ومن نفس أسلوبه فى إيمانه بأن اللذة ولذة الخمر خاصة هى كل شئ فى الدنيا ، فينبغى أن يقبل عليها ، وينسى كل ما عداها ؛ وما نظن إلا أن نوادي القاهرة كانت تطرب لخمريات ابن قادوس وما يصوغ فيها من نفسه ، ويودعها من خواطره وقلبه ، إذ كان يلمس منهم أفئدتهم وموطن الداء من فتنتهم بالخمر وإدمانهم لها ، ولم يكن مولعا بالخمر وحدها ، بل كان مولعا أيضا بالغناء والسماع ، وفى ذلك يقول :

لام العواذل مغرما     فى حب ملهية وقينه

ولو انهن رأين   تأ     ثير الغرام به وقينــــه

وهو لا ينسى صناعته حتى فى هذه المواقف ، فتراه يجانس بين قافيتى البيتين ، ولكنه فى جناسه خفيف ، لأن وراءه تلك الأذن التى أشرنا إليها ، والتي كانت تعرف كيف تجانس مجانسة دقيقة بين الألفاظ وحركات الألفاظ ، ولسنا ندري شيئا عن هذه القينة ، وربما كانت الجارية السوداء التي يقول فيها :

وعادل محتفل          مجتهد فى عذلى

يلومنى فى ظبيه         مخلوقه م كحل

إن السواد علة         من نور هذى المقل

والحجر الأسود لم      يخلق لغير القبل

والنار-مذ كان-وعا    ء السلسبيل السلل

وكان ابن قادوس ماهرا فى مثل هذه الصور والعلل فهو حاول أن يخلع عن السواد قبحه ، ويكسو صاحبته حسنا وجمالا ، ومع ذلك فهذا السواد  إنما يحمل في مثل هذه الجارية وحدها ، أو هو يحمل في النساء أما في الرجال فإنه لا يزال على قبحه ، بل إنه يضيف إليهم قبحا إلى قبح ، فقد تعلق بالرشيد بن الزبير الأسوانى صاحب كتاب ( جنان الجنان ورياض الأذهان ) وكان أسود ، فما زال به حتى قال فيه :

يا شبه لقمان بلا    حكمة    وخاسرا في العلم لا راسخا

سلخت أشعار الورى كلهم    فصرت تدعى الأسود السالخا

وقال فيه :

إن قلت من نار خلقـــــ       ت وقفت كل الناس فهما

قلنا صدقت فما الذى      أطفاك حتى صرت  فحما

وقال أيضا :

ذو عارض كالغراب لونا       وشارب مثل ريش ببغا

وواضح ما في هذا الهجاء من ميل إلى الدعابة ، وهى تتصل بالمزاج المصرى ، غير أنها دعابة تحمل غير قليل من السخرية ، ولعل هذا الشاعر الأسود هو الذي جعله يقول في ذم السواد :

أهون بلون السواد لونا    ما فيه من حجة لناسب

لست ترى حمرة لخد      فيه ولا خضرة   لشارب

وكان ابن قادوس بارعا فى مثل هذه العلل ، فهو إن رضى عن الشئ حسنه ، وهو إن غضب عليه قبحه أو نزل به درجات في القبح . وأنت تراه لا يترك للسواد شيئا يمكن أن يعتمد عليه فى الدفاع عن نفسه أمام البياض ، إلا أن يعود هو فيدافع عنه ، ولكن لا فى صورة الناس . وإنما فى صورة المداد :

مداده فى الطرس لما بدا         قبله الصب ومن يزهــــــــــــد

كأنما قد حل فيه اللمى         أو ذاب فيه الحجر الأسود

ولعل فى هذا ما يدل على أن ابن قادوس كان واسع الحيلة فى صناعة الشعر ، فهو يحسن استخراج الصور النادرة وهو يحسن استخراج العلل ، وهو يمسح على ذلك بالفكاهة والدعابة ، وهو يرسل في هذه الفكاهة والدعابة السخرية أحيانا حين يتحول هاجيا ، وقد لا يرسل سوى الغيظ والحقد فى صورة بشعة على نحو ما نرى فى قوله لبعض من هجاهم :

أثمرت رأسه قرونا طوالا    إن هذا لمن غريب الفلاحه

  وقد يهدأ ، ولكن لا   تزال الكأس التى يقدمها

لخصمه أو مهجوه مرة ، بل لا تزال مشوبة بسمه الزعاف على شاكلة ما نرى فى قوله :

وليس كلاما ما يقول وإنما  

                   يجيب الصدا من رأسه من قراعه

وله فى شاعر لم يكن معجبا بشعره ، بل لعله كان يرى أنه والشعر متضادان لا يجتمعان ، فانبري يسفه شعره قائلا :

لو كان ينصف حين ينـ           شد شعره وسط الملا

صفعوه عدة كل حر              ف فيه لكن مجمــــــــلا

وحساب الجمل كما هو معروف تقدير للحروف الهجائية بأرقام تبلغ مئات فى بعض الأحيان . ويقول فى رجل كان يكبر كثيرا فى الصلاة ، فهو من هذا النوع المشوش

أو الموسوس لا يزال كلما كبر شك في تكبيره فأعاده ، وكلما نوى اتهم نيته فكررها :

مكبر سبعين فى مرة          كأنه صلى على حمزه

وله فى هذا الباب طرف كثيرة ، يحسن فيها تسديد السهم إلى رميته ، فيصبها ، كقوله فى بعض المنافقين لعصره

حوله اليوم أناس         كلهم يزهى برائه

وهو مثل الماء فيهم      لونه لون إنائه

وكأنه أراد أن يلق على هذا المنافق نورا يفضحه فلا يعود إلى نفاقه أبدا . ويقول فى طبيب لم يكن يتقن مهنته :

عليله    منه     على      حالى خسار يحصل

تؤخـــــــــــــذ منه    دية       وبعد هـــــــــــذا يقتل

وعلى هذه الصورة ما يزال يتعرض لمعاصريه مداعبا تارة ، وهاجيا هجاء مرا تارة اخرى ، وهو في الحالين جميعا يحسن ويبدع ، ويسيطر على أدوات الفن سيطرة دقيقة ، وكأنما قلمه كان ريشة مصورة ، فهو يعرف كيف يخلق الصور ، وكيف يبتكرها ، فإذا بنا نقرأ له مثل قوله لا فى الهجاء بل فى المديح :

يقظان ملتهب الندى فكأنه

                     مغرى بإتلاف النضار مسلط

وقوله فى الرثاء :

يا فجعة هى فى الجنان مسرة

          لقدومه تختال فى غرفاتها

إن كان فى الدنيا عليه مأثم

         فأراء عرس الحور فى جناتها

وأكبر الظن أن فى كل ما قدمنا ما يدل على أن ابن قادوس كان شاعرا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ؛ فهو يحسن الضرب على قيثارة اللغة ، ويستخرج منها كل ما يريد من إيقاعات وتلحينات ، وهو يحسن التلوين والتصوير ويستخرج اللوحات النادرة ، إذ كان واسع الحيلة فى هذا الاستخراج وما يطوي فيه من طرافة وإبداع . وفى كل جانب من مختارات العماد فى ( الجريدة ) نجد هذه الحيل وما يندمج فيها من خفة ورشاقة كما نجد روعة الفن وجماله .

اشترك في نشرتنا البريدية