الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 697الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات فى الشعر المصرى :, ابن هانىء الصغير

Share

-2-

وابن هانئ الصغير فى حقيقة الأمر مثال طريف لمن يتابعون تأثر الشعراء بعضهم ببعض فى العالم الإسلام ، فهو يتأثر جده ، وهو يتأثر أكبر شاعر أندلسى فى عصره . وبلغ منه التأثر والاحتفاء أن يظن قارئه فى كثير من الأحوال أنه يقرأ للجد أو يقرأ لابن خفاجة أو يقرأ لهما جميعا .

ومع تأثره ومبالغته فى التقليد كان يحاول جاهداً أن يشق لنفسه طريقاً بين الشاعرين . واستعرض ما احتفظ به، العماد له من مقدمات قدم بها قصائده . وهى مقدمات يتشعبها الغزل والخمر ووصف الطبيعة ، فستجده فى هذه المقدمات جميعا يحاول الامتياز وإن كان يسير على نفس المسالك والدروب التى سار عليها جده ومعاصره ابن خفاجة .

واستمع إلى هذا الغزل :

مفسرن ووجه الصبح يلتاح (١ )مسفرا

فكن من الإصباح اسنى وانورا

ومسن كأغصان الخمائل بدلت

من الزهر الفينان وشياً محيرا

ابحنى لعشاق خدوداً دوامياً

ولكن حماها كل وسنان أحورا

وجردن حمر اللثم عنها وإنما

عففن عن الورد الشقيق المعصفرا

وكم نم عنها فى الدجى نفس الصبا

فبتنا نخال الليل مسكا وعنبرا

فإنك تحس بصوت الشاعرين الكبيرين ، وتشعر أن الشاعر ينقل عنهما ، وهو تارة يرتفع فى هذا النقل فيحكمه ويزيد فيه لوناً من ألوان الابتكار ، وتارة يصيبه العجز عن

التحليق فى أجوائهما ، فيسف ، ولكن فى نفس المحيط أو فى نفس الأفق ، من كثرة الصور وحشدها ومحاولة النفوق من حين إلى حين .

وقد نعجب الآن من شيوع هذا الذوق من التصوير بين شعراء الأندلس ، ولكن القوم اصطلحوا عليه واتخذوه آية البراعة الفنية . وعم هذا الذوق بين الشعراء هناك بحيث يحس الإنسان بغير قليل من التكلف دائما فى كل ما ينظمون ، فهم لا يطلقون أنفسهم على سجيتها ، وهم لا يعيرون شعرهم فسحة من التعبير الوجدانى على نحو ما نعرف عند كثير من شعراء مصر أمثال ابن الكيزانى وابن سناء الملك والبهاء زهير.

وكأن الشعر الأندلسى كله - إذا استثنينا ابن زيدون - نظم ليرضى العين الباصرة ، لا ليرضى الأذن والوجدان . والقياسان قد يختلفان فى الإقليمين لما قلناه من أن التفاصل بين الأقاليم غير صحيح ، إنما هذه ملاحظات فى جملتها مقيدة بشعراء تصادف أن قرأناهم وأن اشتهرت أسماؤهم بيننا .

على كل حال يمتاز شعر ابن هانئ الصغير بازدحام الصور الحسية فيه ، فهو فى شعره مصور يعنى بالتشبيات والأخيلة ، وما يزال يصوغ شعره فى هذا المجال الفنى ، وكأنه عاهد نفسه ألا ينطق ببيت إلا وفيه صورة ، حتى الغزل نراه يملؤه بالصور . واستمع إلى قوله فى بعض صواحبه :

حجبت فى نورها وجنتها

فرأيت الشمس للشمس حجابا

وجنة حمراء تندى هرفا

مثلما رقرقت ألواح الحبابا

نفخت ريح الصبا جمرتها

فانبرت تظهر فى الماء التهابا

وجري الصدغ على أولها

مثلما طرزت بالسطر الكتابا

والبيتان الأولان فيهما صورتان جميلتان ودقيقتان . وقد تكون الصورة الثالثة مفتعلة ، وكذلك الشأن فى الصورة الأخيرة ، لكنه على كل حال مصور يحسن التقاط المشابهات وإحداث المقابلات والمشاكلات . واستمع إلى قوله :

ومهفهف أبدى الشباب بخده

صدغا فرفرق ورده فى آسه

تتلهب الصهباء فى وجناته

فتسير من عينيه فى جلاسه

حتى إذا ملأ الزجاجة خده

نوراً وفاح الخمر من أنفاسه

خال الرجاجة أفممت بمدامة

فدنا لنشرب نوره من كاسه

فإنك تراه يسترسل فى صورة الخمر ويطبقها بكئوسها ومن يصونها على وجنات صاحبته أو صاحبه وأنفاسه وخده وهو فى ذلك كله يحكم التشبيه إحكاماً دقيقاً . ومثل هذه الصورة يشهد له رغم تقليده بأنه كان يسعى نحو الامتياز والتفوق . واستمع إلى قوله فى إحدى خمرياته:

ولحمد زجاج من بنانى نجاده

لسيف مدام لايمان ولا هندى

نجرد منه كل ماض مخضب

وما سفحت منه دماء على حقد

إذا حال فيه جوهر من حبابه

وسل كما سل النجار من الوغد

نقلناه للأجسام منا كأنما

تضايق فى غمد فرد إلى غمد

وأنت تراه يتخيل الكأس غمداً لسيف ماض ، وقد ذهب يدخل الصورة فى عقولنا بكل ما أوتى من حيلة على الإقناع ، فالسيف ليس يمانياً ولا هندياً ، وهو لا يسفح دماء على حقد ، وكأن هذا السيف امضه غمده القديم فطلب مخلصاً منه ، وسرعان ما رد من غمد إلى غمد .

ولا ريب فى أن هذا عناء فى التصوير . ونحن لا نلوم الشاعر من أجله ، فقد كان يريد التفوق على أقرانه بمثل هذه الصورة الغريبة التى مد فى تفاريعها وفى أذيالها وأطنابها ، حتى يظهر جمالها وحتى ينال من سامعه كل ما يريد من إعجاب واستحسان .

وعلى هذه الشاكلة ما يزال يبحث عن الصور النادرة أو الغريبة ، وما يزال يكمل فى الصور القديمة ويستخرج منها كل ما يستطيع من رسوم جديدة ، وهو فى ذلك لا ينسى جده ولا معاصره ابن خفاجة . واقرأ له هذه القطعة :

وليل ركبنا منه أدهم حالكا

فصار بنور الفجر أيلج أشفرا

إلى أن أطل الفجر فيه كأنه

حسام تلالا أو خليج تفجرا

وففض نور الصبح يبر نجومه

فدرهم للظفاء مرطاً مدثرا (1)

ولغزنة الوطفاء دمع كأنما

يمد على البطحاء بالنور أعقرا (2)

وخلنا لشخص الريح راحا وأثملا

نحوك على زرق المياه السنورا

فإنك تشعر شعوراً واضحاً بأن أسلوبه لا يكاد يفترق فى شئ عن أسلوب ابن خفاجة . ويظهر أن تأثيره فيه كان أعمق من تأثير جده ، ولعل ذلك ما جعله يردد ذكر الليل والبرق مدمجاً ذلك فى شئ من الصبابة والتواجد كأن يقول :

أهوي ببغداد من بالحيف منزله

فالحب مني حجازى عراق

والصلة واضحة بينه وبين ابن خفاجة فى كل جانب من شعره ، وخاصة من حيث العناية بالصور وأن تصبح القصيدة أو القطعة كأنها متحف للرسوم . والشاعر يجمع كل ما يستطيع من هذه الرسوم كأنها شئ يراد لذاته . وكثير منها مسبوق ، ومع ذلك قد نعثر من حين إلى حين على صورة طريفة كقول صاحبنا فى وصف راقصة :

ولطيفة فى الرقص يعطف فمدها

كتعطف الميزنية السمراء

خفت فلو رقصت بأعلى لجة

ما بل أخمصها حباب الماء

فلا شك أن هذه صورة بديعة ، وهى تدل مع أخوات لها على أن خيال ابن هانئ كان خيالاً لاقطاً دقيق التصوير . ونلتقى فى مختارات العماد له بكثير من الصور الطريفة ، كقوله فى الموفق بن الحلال :

وكم تعيب بزورة ذي نوال

ولو زار الموفق لاستراحا

فبين بنانه والغيض خلف

وما ترجو لحلفهما اصطلاحا

وقد تكون جوانب كثيرة من تصويرات ابن هانئ الصغير هذا ليست جديدة ، بل مستمدة من مخازن الفن والشعر التى سبقته ، ولكنه كان لا يزال يحتال على عرضها فى معارض أنيقة ، حتى تبدو كأنها جديدة أو كأن بها مسحة من مسحات الابتكار ، من مثل قوله فى بعض صواحبه :

حملت جسما خلته مائلا

إذ موجت عطفه لبات

رف به العصب اليمانى كما

رفت على الماء خميلات

وهذه صورة فيها إغراب ، جاءها من أنه كملها وأتمها وأضاف إليها هذه المبالغات ،فبدت تلمع لمعان المبتكر الجديد . ومن بديع ما نسقه وصوره قوله فى وصف سيف :

ومهند سبح العرند بصفحه

وطفا فيحسب مغمداً مسلولا

وقوله فى بعض غزله :

إبهاً لسائل جليها ولثامها

هذا يعانقها و ذاك يقبل

ودائماً ينثر مثل هذه الصور . ودائماً كان يروع معاصريه بجمال ما يعرض عليهم ، من مثل قوله فى الليل والثريا :

وليل دجوحي الجناح كأنما

أمد بموج البحر أو صار سرمدا

كأن الثريا فيه للبدر عاشق

يمد إلى توديع محبوبه يدا

ويخيل إلى الإنسان كأنما تحول ابن هانئ الصغير إلى آلة من آلات التصوير ، فهمه دائما أن يرسم صورة ، وهو يستطيع أن يستخرج من مخيلته مئات الصور ، فهى تسعفه بكل ما يريد من ذلك فى كل موضوع من موضوعات شعره ، حتى الغزل ملأه بالرسوم الحسية من مثل قوله :

سفرت عن بدر تمر فلما

نقبت كان النقاب المحاة

وكأن الحسن آلات خرط

أبرزت فى الصدر منها حقافا

وقد نشعر نحن الآن بشىء من التحجر والجمود فى هذه الطريقة ، طريقة جمع الصور فى الشعر ، حتى لتتحول القصائد إلى ما يشبه صناديق تتبلور فيها الصور وتكدس بعضها فوق بعض . ولكن ذلك كان يعد بدعاً عند القوم ، وكان يقيس به النقاد مقدرة الشعراء وبراعتهم ، فلا عجب أن يتحول ابن هانئ الصغير ، كما تحول جده ، وكما تحول ابن خفاجة معاصره ، وكما تحول كثير من شعراء العصور الوسطى فى الأندلس وغير الأندلس إلى هذه الدوائر الفنية المحدودة . وكان من الممكن أن يطلقوا أنفسهم من عقالها ، وان يحددوا فى موضوعات شعرهم ضروباً مختلفة من التجديد ، ولكن النقاد لم يفسحوا لهم الطريق ، بل ظلوا يطلبون منهم أبياتاً من التشبيه والاستعارة ، وظلوا يقيسون بهذه الأبيات وما يماثلها بلاغة الشاعر وتفوقه فى صناعته . وهذا العماد الأصفهانى أستاذ العصر يقدم لابن هانئ الصغير ، وقد راعته تشبيهاته واستعاراته وازدحام ديوانه بها ، فيقول : " طالعت ديوانه بمصر ، فنقلت منه ما انتقدته ، وعقلت ما عقدته ، ونسخت ما نسخ السحر ، ونسج الزهر ، وانحلت العقود الصحيحة لنسيم شمال أسحاره ، وتمثلت العقول الصاحية لتسنيم شمول عقاره " .

اشترك في نشرتنا البريدية