الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 112الرجوع إلى "الرسالة"

دراسات في الأدب الإنكليزي، ٤ - وليم وردزورث

Share

تتمة

الحركة الإبتداعية

أما أبطال هذه الحركة فهم: الفيلسوف الشهير كانت في  ألمانيا، والكردينال وسلي في بلاد الإنكليز، وروسو في  فرنسا. ولا غرو في أن الأخير كان فارس هذه الحلبة وسيد زعمائها في مختلف البلدان. فقد نادى بالرجوع إلى الطبيعة، وبسيطرة العاطفة على أعمال الإنسان؛ ونظريته في التربية  تتلخص فيما يلي: (ترك غريزة الإنسان وجسمه وقواه  العقلية  تنمو في مجراها الطبيعي، وذلك بنبذ قيود المدنية الحاضرة،  والتقرب من الطبيعة)

وبعد مرور نحو ربع قرن على وفاة فيلسوف الثورة رجع  شاعرنا صدى صوته في إقليم البحيرات، وأصبح حامل اللواء   (الرومانتيكي)  في بلاد الإنكليز. وتمتاز هذه الحركة بسمو مقام  الرجل العادي، فقد أصبح موضوع الأدب بدل الرجل  الأرستقراطي؛ وهذه الميزة تظهر بجلاء في قصص سرولتر  سكوت، ودكنز، وفي معظم قصائد شعراء القرن التاسع عشر،  وتشجع هذه الحركة حب الأطفال وتقليدهم لأنهم - كما أسلفنا - أقرب إلى الفضيلة من الشيوخ. ولقد رأينا شيئاً من هذا في  أشعار وردزورث، وظهر شيء منه في نثر   (لامب)  وخصوصاً  فصله المشهور:   (أطفال الحلم) ، وفي أشعار سونبرن أحد شعراء  القرن التاسع عسر المتأخرين. وتمتاز أيضاً بالولع بالحيوانات  الأهلية منها والبرية، وبحب القصص التي تدور حوادثها على  الحب والحرب، خصوصاً ما كان منها شائعاً في العصور الوسطى؛  والتي بطلها الرجل العادي لا الأرستقراطي. ومن أهم مظاهرها  شيوع الدين والتقوى، والتأمل والبحث في أسرار الكون،  والخروج على العادات المألوفة، والتمرد على الهيئة البشرية. ولقد  اتُخذ الأدب سلاحاً لمحاربة سخائف الحضارة وقيودها، ومن

أهم أبطال هذا المظهر بيرون وشلي وكيتس. وتتميز هذه الحركة  أيضاَ بالتقرب إلى الطبيعةوانتزاع الموضوعات الأدبية منها،  والابتكار في اختيار الموضوع، والتفنن في التعبير عنه، لا النسج  على منوال الأقدمين كما هو شائع في العصر الكلاسيكي

وإذا ما ألقينا نظرة على شعر وردذورث ألفيناه يمثل الأدب   (الرومانتيكي)  أصدق التمثيل، وما يصدق على شعره يصدق على آرائه ونزعاته، وخاصة في مستهل جهاده الأدبي، حينما كان من أنصار  الثورة الفرنسية التي كانت ثمرة فلسفة روسو بطل الحركة الإبتداعية

زواجه، كهولته، منتهى حياته

تزوج وردزورث سنة ١٨٠٢م من ماري هتشنسن، من  تلك العائلة التي كان يكثر من الترداد عليها. ويُروى أنه أراد  أن يغتفر زلّته مع خدينته   (أنيت فالون)  قبيل إقدامه على  الزواج، لهذا شرع في استرضائها بشتّى الوسائل، والظاهر  أنه نجح في ذلك. والذي نعلمه أن   (أنيت)  هذه لم تلاق جفاءّ ومضضاً في عيشتها، وأن ابنتها زُوجت من أحد السراة. وفي  قصيدة للشاعر موضوعها   (على الشاطئ قرب كاليس)  يخاطب  ابنته هذه ويرخّم بها بكل وداد وتحنان. على أن هذه القصة  لا تزال طيّ الخفاء ولم ينكشف لنا منها إلا الشيء القليل.

والباحث في ترجمة حياة وردزورث وتحليل عبقريته يود لو أنه  ذكر لنا تلك الحادثة بالتطويل شارحاً بذلك عواطفه نحوها وحبه  لها قبل وبعد وقوعه في الجرم. لو فعل الشاعر ذلك لوفّر على  الباحث الشيء الكثير من الحدس، ولأنار لنا هذه الناحية المهمة  من حياته غير تارك مجالاً لتقوّل المتقولين، وإشاعات المشيعين

ولقد وجد في زوجته امرأة سامية الخلق عالية المدارك  شديدة العطف والإحساس، لا تقلّ بذلك عن أخته دوروثي.  فلا عجب أن رأينا دوروثي تخلد إلى الراحة بعد أن أدت واجبها إلى أخيها ونحو الأدب بكل أمانة وإخلاص، إذ رأت في امرأة أخيها  خير خلف لها. ولقد خلّد الشاعر اسم زوجته هذه في قصيدة موضوعها   (هي مثال الرضا)

وفي سنة ١٨٠٨ ورده نعي أخيه يوحنا، فقد مات غرقاً في  أحد المراكب التي كان يتولى إدارتها. فكان ذلك باعثاً للحزن  والأسى في نفسه. وعلى أثر موت شقيقه نظم قصيدة خالدة عنوانها   (أخلاق المجاهد السعيد)   مشيراً فيها إلى أخيه وحياته الحافلة بجليل الأعمال؛ ولهذه القصيدة  

من الشهرة ما جعل الإنكليز والأمريكان يتلونها في مآتمهم،  فيجدون في ذلك ما يعزّي النفوس ويسرّي عنها الأحزان

وفي تلك السنة أيضاً انتقل الشاعر وامرأته وأولاده الأربعة  إلى ألان بارك إلى بيت رحب الفناء جميل الشكل حيث أتم  قصيدته:   (النزهة) . هنالك افترق الشاعران الصديقان كولردج ووردزورث، وذلك على أثر تعريض وردزورث بصديقه ووصمه  إياه بالجنون الناتج عن إدمانه الأفيون، فكان لهذا أثر بليغ في  نفس كولردج لم يطق بعده العيش معه، وبانتهاء صداقتهما انتهت حياتهما الأدبية الخصبة، ويندر أن تجد بين عيون قصائد وردزورث واحدة نظمت بعد ذلك الافتراق

وفي سنة ١٨١١ انتقل شاعرنا إلى بيت مجاور لإحدى  الكنائس حيث توفي اثنان من أولاده، إلا أنه لم يمكث هناك  طويلاً، بل رحل سنة ١٨١٧ إلى بيته الجميل في   (كدل ماونت)  حيث أتيح له أن يلقى شخصيات ذات أدب جم ومكانة اجتماعية سامية؛ ولقد قام برحلات شتى أهمها إلى أواسط أوربا، وأخرى  إلى سكوتلندا، وعلى أثر رحلته الأخيرة نظم خمس عشرة قصيدة  تفيض بذكريات الطفولة وأحلام الشباب، منها قصيدته المشهورة  (الحصاد المنعزل)

ولقد لبث طيلة هذه المدة مكلوم الفؤاد، حزين النفس، لما  حل به من المصائب والويلات العديدة، ولما كان يلاقيه من جفاء وخصومة في الأوساط الأدبية. غير أنه حدث في سنة ١٨٣٩  ما طيب نفسه وسرى عنه شجونه وهمومه، وشجعه في مبدئه،  فقد عرّفه كيبل أحد كبار أساتذة كمبردج إلى إحدى  الشخصيات الكبرى في البلاط، وأشاد بذكره أمام ذوي  المناصب السامية، فذاع صيته بين الخاص والعام، وأحرز مركزاً  رفيعاً في الأدب لا يقل عن مركز ملتن

وفي سنة ١٨٤٢ منحته الدولة مرتباً سنوياً مقداره ٣٠٠  جنيه تشجيعاً ومكافأة له؛ وبعد موت روبرت سذى سنة ١٨٤٣  عرض عليه منصب شاعر الدولة، فرفضه في بدء الأمر لبلوغه  الرابعة والسبعين، وقيل لأنه رأى صعوبة وعناء في نظم قصيدة في  كل سنة يلقيها في عيد ميلاد الملكة كما جرت العادة قبله، غير أن  رئيس الوزراء سر روبر بيل عاد وبعث إليه بكتاب نقتطف منه ما يلي: (لما كانت صاحبة الجلالة توليك ثقتها الغالية فبادر بقبول  هذا المنصب، وكن عند أملها فيك. وإنها لتتوخى بعملها هذا

أن ترفعك إلى المركز الذي يليق بمقامك الأدبي والاجتماعي، ما دمت في رأيها ورأي الجميع سيد الشعراء الأحياء على الإطلاق؛  فلا ترفض هذه النعمة)

وبعد ما اطلع وردزورث على هذا الكتاب الرقيق قبل  هذا المنصب فتوح باكليل من غار ، وأصبح خليفة ملتون  الأوحد ، ولم ينتج بعد تبوئه هذا المركز الرفيع شيئا خالدا ،  بل استولى عليه الخمول منذ زواجه ، ومنذ بدأت الحكومة   تمده بمعاش سنوى كاف . ومن القصائد المشهورة التى نظمها  بعد ذلك الأوان واحدة ضمنها ولاءه وشعوره نحو صاحبة الجلالة  قدمها إليها مع نسخة من ديوانه

وفي سنة ١٨٤٧م تُوفيتْ ابنته   (دورا)  فعجلت بذلك  وفاته. وكانت وفاته في الثالث والعشرين من أبريل   (في اليوم  الذي توفي فيه شكسبير)  من سنة ١٨٥٠م. وهكذا خمد ذلك النفس الذي كان يلتهب عاطفة وعطفاً على الفقراء وولعاً بالطبيعة ولقد دُفن جثمانه في كنيسة في   (قراسمير)  - حسب طلبه -  في حضن ذلك الوادي الذي نشأ فيه وترعرع، وبه تغّنى،  وبذكره أشاد

ولقد أقيم له نصبٌ تذكاري من رخام في مقبرة الشعراء في    (وست منستر أبى)  تحيط به أنصاب تذكارية لكبلْ وأرنلد  وكنجزلي وموريس، ونقش على هذا النصب الكلمات التالية: (لذكرى وليم وردزورث الشاعر الملهم والفيلسوف الكبير  الذي وُهبَ عقلاً نيّراً، ولساناً غنياً، ليتحدث إلى الطبيعة  والبشر، الذي لم يألُ جهداً في نشر الفضيلة والكمال، والذي  تغنّى وأشاد بذكر البسطاء والفقراء، فذاع صيته بين العام  والخاص، وأصبح رسول الحقّ وربّ الشعر. لذكراه يشيد  أصدقاؤه والمعجبون بأدبه هذا النصب التذكاري، لينطق بنبوغه  على مدى الأيام)

الكرك - شرقي الأردن

مصادر هذا البحث

1 George Harper's W. Wordsorth, Life, Work and Influence 2 Zeitlin's Hazlit on Eng. Literature: ch. X 3 Wordsworth's Poetical Works: Students Camb. Edition 4 Goss' English Literature; VOL IV 5 Cazamian's Eng. Literature; P. 1034 ff 6 Oliver Elton's Survey of Eng. Literature; Vol. II; P. 49 ff 7 Moody and Leavit's English Literature, P. 273 8 Wordsworth's Preface to Lyrical Ballads

اشترك في نشرتنا البريدية