) ليس في مصر من يستطيع أن ينسى الشاعر العالم الدكتور أحمد زكي أبو شادي . فقد كان كما يعرف الجميع رائدا من رواد الأدب والفكر كما كان من رواد العلم والبحث . وكان فوق كل هذا من المخلصين الأوفياء لأسمى معاني الحرية ، وها هو ذا الأستاذ عيسى النامورى يمتعنا بهذه الكلمة التي تفيض صدقا وعطفا . ويسرنا أن نقدمها إلى قراء الثقافة تحية لولد مصر الكبير ( .
يطيب لي أن يكون موضوع حديثي هذه المرة الصديق الدكتور أحمد زكي أبو شادي ، الرجل الذي تعددت مناحي ثقافته ، فكان له مشاركة في العلم وفي الأدب وفي الفن . وهى مناح يندر أن يجتمع معا لإنسان ، فهو في العلم مختص بالأبحاث البكتريولجية ، وبتربية النحل ، وفي الفن رسام ، سيقام قريبا في نيويورك معرض لرسومه الزيتية ، وفي الأدب شاعر صدر له حتى الآن ثلاثة عشر ديوانا ، ولا يزال لديه نحو دووانين جديدين لم يصدرا بعد ، وثائر وباحث وناقد ، يكتب ويذيع كثيرا في دراسة الأدباء المعاصرين ، والأدب المقارن ، وله عدد من المؤلفات النثرية المطبوعة وغير المطبوعة في الأدب وفي نواحي اختصاصه العلمي وفي الصحافة الأدبية والعلمية .
فإذا جمع إنتاج أبي شادي الشعرى والنثري والفني المطبوع والذي في سبيل الطبع القريب كانت لدينا مجموعة كبيرة جدا تدل على نشاط غير محدود ، وعلى إخلاص للعلم وغيرة على الأدب جديرين بالتقدير وأطيب الثناء .
وعلى الرغم من هذا الإنتاج الخصب ، وهذا الإخلاص الكثير ، فالدكتور يشعر بأنه لم يجد في حياته غير العقوق والنكران ، مما جعل حياته في مصر صراعا بين عالم نفسه
النزاع إلي الخير وإلى الخدمة الخاصة ، والعالم الخارجي الذي يميت الحس ويقضي على الإخلاص بعقوقه الكافر . وهذا الشعور هو الذي حمل الدكتور على مغادرة مصر إلى حيث يستنشق رائحة الحرية والتقدير في أميركا ، وكان بوده ان يمضي إليها مع زوجته ، ولكن القدر القاسي الذي حاربه طويلا أبي إلا أن يتم حربه القاسية بسلب زوجته منه وهما على أهبة الرحيل ، وفي ذلك يقول في قصيدته " رثاء زوجتي " وهى من أروع شعره . وأعمقه عاطفة وأنبل معانى
كنا نهيئ للرحيل متاعنا وننسق الآمال غير بطاء
ونهيب بالدنيا لتشهد حظنا ونهش للأيام والأنباء
ونرد عادية الأنام تسامحًا مستغفرين لجاحد ومرائي
متسابقين لنملأ الدنيا سنى بالحب والإيثار والإيحاء
فإذا رحيلك للنوى، ووداعنا للحظ، والباقي الكليم ذمائي
غدرت بي الدنيا، كأنِّي لم أصغ فيها الثناء، فما أفاد ثنائي
ووهبتها كرمًا عزيز مواهبي فجنت علي شهامتي وعطائي
كم كنت أحلم بالهناءة والرضى لك في نهاية عمرك المتنائي
وأعد عمرك وحده عمري وما أرضى سواك من الحياة جزائي
فتناثر الحلم الجميل وأقفرت دنياي من حلم ومن أضواء
ويلاحظ القارئ شكوى الشاعر من حقوق الناس وتنكرهم لمواهبة في هذه القصيدة ، كما سيجد النغمة نفسها تتكرر في عدد كبير من قصائد المنبثة في صفحات ديوانه " من السماء " وديوانه الآخر غير المطبوع " الإنسان الجديد وغالبا ما تكون هذه الشكوى مرافقة لشعره الوطني المعبر عن حنين لهيف وإخلاص شديد لوطنه . كقوله من قصيدة
بعث بها إلى صديقه الشاعر المهجرى نعمة الحاج :
وكن كأخيك الشقي الصبور على بره يستطيب الضرر
يجود بأنفاسه الوافيات لأوطانه فيلاقي البطر
ويرجمه الطغمة الهازلون وقد خادعوا الشعب حتى الفطر
أو قوله من قصيدة بعنوان القلب الباكي " أرسلها في التعبير عن حنينه إلى مصر ، في ذكري عيد ميلاد :
يا مصر لولاك ما فارقت في حُرَقي
أزكى الجِنان ولا عُوقِبت لولاكِ
أهواكِ في غربتي أضعاف ما سمحت
به المقادير في قُربي لأهواكِ
أبت على كفاحى عندما أذنت للغادرين فعاثوا فى حناياك
ما العيد عنديَ عيد في مَباهجه أنا الغريب فعيدي يوم ألقاكِ
على سلام وفي حريةٍ شملت لا أن أعود لأغلال وأشراكِ
الثلج حولي أحنى في تحرُّره على فؤاديَ من ضيم بدُنياكِ
ولعل من أروع الأمثلة على صدق وطنيته ولهفة حنينه القصيدة التى قالها وهو يودع مصر إلى اميركا ، وعنوانها " استقبال أميركا " ويعبر فيها عن عمق شعوره ينكر الناس له في وطنه ، فيقول مخاطبا وطنه الأميركى الجديد :
فأمسي مأتم لفراق أهلي ويومي الحر في نجواك عيد
ولو أني المخلِّف في بلادي معالم حبُّها باقٍ أكيدُ
ولو أنَّ الرجال بها استرقُّوا وفيك تحرر السود العبيد
أردنا أنْ نقوِّمها فآبت وعوقبنا، وصال المستفيدُ
وضحَّينا لعزتها فآذت كرامتنا، وبش لها الحسودُ
وعاث بها الدخيل فبجَّلته وفدَّاها ابنها وهو الطريدُ
وأبرز ما نبوح الشكوى في قصيدة من ديوانه الإنسان الجديد " بعنوان لم ارتحلت يقول فيها :
سألوني ، لم ارحلت ؟ كأني لم أجبهم بسيرتي نصف قرن
شاديا بالطليق من شعري الباكي
أغني لمجدهم ما أغني
وتبلغت بالعذاب وبالبؤس مرارا ، وكل حظي التجني
وكأن وحدي المسئ بإحساني لعصري ، أو أنه لم يسعني
ما كفاهم أني اضحي بروحى حينما عز من يضحي ويغني
ماكفاهم أني تناسيت نفسى فوق نسيانهم حقوق وأيني
ما كفاهم هذا وهذا فنادوا بعقوقى . وما يرعوا في سني
فترحلت حيث يحترم الأحرار حيث الهواء طلق لذهني
وأظل الوفي رغم اغتراب لبلاد ما غيبت قط عنى
إن هذا الشعور الأليم الذي يعبر عنه شاعرنا الدكتور في عدد كبير من قصائده . لهو مدعاة إلى الخيبة واليأس ، من هذا العقوق الذي هو المزية البارزة لشرقنا الذي لا يعرف قيمة المخلصين العاملين من أبنائه . ولكن هؤلاء الأبناء لا تزيدهم المكاره والاغتراب إلا حبا لوطنهم وإخلاصا له . وقد عبر أبو شادي عن هذا الحب وهذا الإخلاص في عدد كبير من قصائده المنشورة في ديوانه " من السماء " وفيا نظمه بعده ، كقصيدته ، نداء الحرية ، المنشورة في جريدة والسائح " إبان معارك الحرية الأخيرة في قنال مصر
بعد هذا ننظر في شعر أبي شادي من ناحيتة الفنية وفي أرائه الخاصة في الشعر وطرائفه . لان هذه الآراء هى التي تسمح لنا بالحكم في شعره
) للبحث بقية (
