- 3 - شعر الطبيعة وشعر القصص
أما شعر مطران في الطبيعة فسيماه الحب العميق الذي يحسه الشاعر نحو الطبيعة الخالدة إلى حد التفاني فيها والامتزاج معها ، فلا يعود هناك عنصران مختلفان بل شخصان من عنصر واحد أو روحان تتناجيان ، فاستمع إليه يتساءل عن صديق صباه النهر :
والنهر هل هو لايزال كما كنا لذاك العهد نألفه
يسقي الغياض زلاله شيما ويزيد بهجتها تعطفه
يطفي حبال السد أو يجري
متضايقا آلما ومنفرجا متخللا خضر البساتين
متهللا لتحية الشجر متضاحكا ضحك المجانين
لملاعب القسمات والزهر
وهكذا فالطبيعة دائما لديه روح حية يخاطبها وتخاطبه ويحدثها ويتحدث عنها وهي تشركه شعوره وعواطفه :
وفي الهواء حنين تذوب منه الصخور
وللنسيم حديث على المروج يدور
وللأزاهر فكر يرويه عنها العبير
وفي قصيدة أخرى نراه يبعد في الخيال فيتوهم قصة حب بين وردة وزهرة من زهور الزنبق ويرويها في شعر بلغ منتهى الرقة
قطفت على الأزهار في أمن نومها
أنبهها جذبا إلي فتجفل
أحاول سلوانا بتشكيل باقة
فأقتل منها ما أشاء وأثكل
وما كنت من يجني عليها خلائقا
ضعافا ولكن جنة اليأس تحمل
إلى أن بدت لي وردة مستكينة
كأن دموع الفجر فيها تهلل
لها طلعة الجاه المؤثل والصبى
وفي الوجه تقطيب لمن يتأمل
تلوح عليها للكآبة والأسى
مخايل دقت أن ترى فتخيل
ويكسبها معنى الحياة ذبولها
لدى ناظريها فهي في النفس أجمل
مليكة ذاك الروض جاور عرشها
من الزنبق العاتي مليك مكلل
بنية عفوا عنهما فكلاهما
شقي يود الموت والموت ممهل
فلا تسبقي سيف القضاء إليهما
على أنه يشفيهما لو يعجل
حبيبان سرا ساعة ثم عوقبا
طويلا كذلك الدهر يسخو ويبخل
لقد جاورت هذي العروس أليفها
لدن هو مياس المعاطف أميل
فكان إذا مرت به نسم الصبا
يميل إليها عاشقا يتغزل
يداعبها جهد الصبابة والهوى
وبعرض عنها لاعبا ثم يقبل
ويرشف كل من جبين حبيبه
دموع الذي خمرا رحيقا فيثمل
ولكنه لم يلبث العود أن قسا
فلم تئن عطفيه جنوب وشمأل
فشق عليها بينه وهو جارها
وباتت لفرط الحزن تذوي وتنحل
وقليل في ديوان الخليل الوصف الواقعي للطبيعة كوصفه لصيف الصعيد وحره :
أوقد الصيف في الصعيد لظاه
فأجف الحقول والآجاما
وغدا الناس بين جو كثيف
مترد من الغبار غماما
وفلاة كأنما الرمل فيها
شرر مد لمعة واضطراما
وكأن المياه في النيل تجري
بخطى أبطأت ووجه تعامي
وقد أكثر مطران من كتابة الشعر القصصي، وكان لنا منه فتح جديد في عالم الشعر العربي ، وقد اتخذ هو منه وسيلة للتعبير عن أحاسيسه الإنسانية وعواطفه الصادقة لبني الإنسان ، فاستمع إليه باكيا متفجعا وهو يروي قصة العوادة المتسولة التي ماتت مريضة بعد عام من زواجها في قصيدته ) وفاء ( وذلك على لسان زوجها :
فجعت فؤادي يا زمان بخطبها
فليتك مرزوء الفؤاد بأفجع
عروس لعام لم يتم صرعتها
ولو شئت لم تضرب بأمضي وأقطع
فباتت على مهد الضني ما لجفنها
هجوع ولا جفني يقر بمهجع
وكانت ربيعا لي فأقوت مرابعي
من الزهر والشدو الرخيم المرجع
إن مثل هذا الشعر ينم عن شعور صادق بالمشاركة في السراء والحزن ، وإنك لتجد منه أمثلة كثيرة كقصة ) الجنين الشهيد ( و ) المنتحر ( و ) الطفل الطاهر ( .
وليس كل شعر مطران القصصي أو قصصه الشعري فواجع ومآسي ، بل هناك نواح مشرقة مستملحة أجاد فيها الدعابة الخفيفة الراقية كقصة ) إن من البيان لسحرا ( وهي قصة شاعر عذب الحديث ساحر البيان نهيت الفتيات عن الاستماع إليه ، لكنهن لم يعبأن بالنهي وانسللن إليه خفية فأخذ يقص عليهن من القصص ما سحر ألبابهن وأوقعهن في أسر بيانه :
سر العذارى منبئ عن شاعر للحي زائر
فقصدنه وسخرن من زجر الأميمات الزواجر
ليرين فتنته التي تغوي العفيفات الحرائر
فوجدنه رجلا مليـ حا خلقه حسن الظواهر
لا شئ يفتضح النهي فيه كما ادعت النواهر
فسألنه إنشاد شئ من بدائعه الحواضر
فأطاعهن ومن ترى يعصي الجميلات الأوامر
فعقدن فيما حوله عقدا فريدا من جواهر
وتناول الرجل الربا ب وفكره في الغيب ناظر
وأثار في الأوتار تغـ ريدا كأن العود طائر
ثم انبرى يروي روا يته وتتبعه الخواطر
ثم انثنين مكفكفات دمعهن عن المحاجر
متلفتات نحو من هو مثله غزل وشاعر
كل تقول بلحظها يا قيس إني بنت عامر
تالله أنصفت النوا صح ليس هذا غير ساحر
ولقد وسعت شاعرية مطران الفياضة كل فنون الشعر المنوعة ، فله في الوطنية قصائد كثيرة ، كان دائم الحنين إلى وطنه الأول الشام والفخر به :
إيه آثار بعلبك سلام
بعد طول النوى وبعد المزار
ووقيت العفاء من عرصات
مقويات أو آهل بالفخار
ذكريني طفولتي وأعيدي
رسم عهد عن أعيني متواري
أهل فينيقيا سلام عليكم يوم تفنى بقية الأدهار
لكم الأرض خالدين عليها بعظيم الأعمال والآثار
خضتم البحر يوم كان عصيا لم يسخر لقوة من بخار
وركبتم منه جوادا حرونا قلقا بالممرس المغوار
وهو يردد هذا الشعور في كثير من قصائده لاسيما إذا أحس آلام الاغتراب :
فذكرت مغتربي فتيا عن عشيري الأوفياء
بولاء طفل لم يذق ألم الفطام من الولاء
ولقد كان لا ينسى واجب الوفاء لوطنه الثاني الذي أحبه وأخلص في حبه الولاء :
يا مصر دار السعد والهناء
ومهبط الأسرار والإيحاء
عليك من هذا المحب النائي
سلام قلب ثابت الولاء
يهواك في السراء والضراء
ولم يكن مطران متخلفا عن عصره ، بل كان يجد مادة شعره فيما حوله من بيئة وأحداث ، ولذا فقد سجل تاريخ حقبة من الحياة بكل ما فيها حتى مخترعات العلوم .
ولا شك أن الكشف عن أشعة ) رنتجن ( كان حدثا في العلوم خطيرا . وقد سجله مطران في شعره حيث قال :
فحدثتها عن ضياء عجيب يسر برؤيته الزائر
له زرقة الماء لكنه شرار من النار مطاير
كمنتشر من غبار الزمر د يحمله لهب ثائر
كأن به للعيون عيونا فكل خفي به ظاهر
يرينا الجسوم أضالع جفت وزايلها حسنها الناضر
هياكل محكمة شادها لطيف لما شاءه قادر
وإذا أضفنا إلى شدة حساسية الخليل عمق وفائه للأصدقاء علمنا السر الكامن وراء هذه القوة الخارفة لمرائيه وهذا التفجع الصارخ فيها :
لقد قال يرثي أنطون الجميل :
يدعوك معتل وأنت بعيد
بالأمس كنت تعوده وتعيد
عز العزاء على السقيم يلج في
نسماته التصويب والتصعيد
أأبا المروءة إن خطبك خطبها
أو لم تفارقها وأنت شهيد ؟
رزئتك طائفة يحار محبها
أنى يعزيها وأنت فقيد
وكان مطران إذا بلغه نبأ وفاة صديق من أصدقائه زلزل كيانه للنبأ وبكى صديقه بالدمع السخين قبل أن يرثيه بالشعر الرصين ، وهو يحس ألم الفراق لما سيفقده في الصديق الراحل من صداقة ومن عشير يشعر معه بدفء العاطفة الذي يجد في طلبه المغترب ويحرص عليه ، وهو ما تحسه إذ تطالع رثاءه لنقولا نوما :
وقف الزمان فما لوعدك موعد
وعفا المكان فما لعهدك معهد
هي طلعة لك في الحياة وغيبة
كالظل إذ يبدو وإذ يتبدد
بالأمس كنت وأمس في أفق التقى
شق الحجاب فكان منك المولد
مات الودود الأريحي ولم يخب
يوما لديه الصاحب المتودد
في غربة فقراء ثم يلمم به
سكن هناك ولم يعده العود
يا رب سلمنا وإن قطرت أسى
منا حشاشات وشقت أكبد
أما رثاؤه لمصطفى كامل فقد غلبت عليه الروح الوطنية وأحس بفقده كخسارة وطنية كبرى للشرق العربي قبل أن يفقده كصديق :
أعلي مكانتك الإله وشرفا
فانعم بطيب جواره يا مصطفى
اليوم فزت بأجر ما أسلفته
خيرا وكل واجسد ما أسلفا
وجزيت من فاني الوجود بخالد
ومن الأسى الماضي بمقتبل الصفا
فوردت وردك في الخلود منعما
والأرض مائدة عليك تأسفا
لم تلف قبلك أمة في مشهد
يذرو الرجال به المدامع ذرقا
يمشون من حول الجنازة ضائفا
بهم الرحيبب من المسالك مصرفا
بحر من الأحياء نعشك فوقه
فلك بيظلله اللواء مرفرفا
يبكون في آثاره العلم الذي
آثاره من رفعة لا تقتفي
جزع النصارى واليهود لمسلم
هو خير من والي وأوفى من وفي
بكوا المرجى في خلاف عارض
ليزيل ذاك العارض المتكشفا
واشتد رزء المسلمين وحزنهم
لما مضيت ولست فيهم مخلفا
من بعد كاتبهم وبعد خطيبهم
يعلي لهم صوتا وينشر مصحفا
قف أيها الناعي عليه جموده
فلقد تجاوزت الهدى متفلسفا
مصر العزيزة قد ذكرت لك اسمها
وأرى ترابك من حنين قد هفا
وكأنني بالقبر أصبح منبرا
وكأنني بك موشك أن تهتفا
مصر التي غسلت يداك جراحها
بصبيب دمعك جاريا مستنزفا
مصر التي أحببتها الحب الذي
بلغ الفداء نزاهة وتعففا
حتى مضيت كما ابتغيت مؤلفا
من شملها ما لم يكن ليؤلفا
من كان أقدر منك تصريفا لما
يعي الحكيم مديرا ومصرفا
من كان أطهر منك خلقا جامعا
فيه مهيب الطبع والمستظرفا
من كان أزهد منك إلا في الذي
يجدي البلاد فنبتغيه ملحفا
لهفي على فخر الصبي هادي النهى
عالي اللواء حمي المروءة والوفا
يا من نعى تلك الفضائل والعلى
أغدت معالمهن قاعا صفصفا
لا لا وحقك يا شهيد وفائه
ورجائه كذب النعي وأرجفا
ما أنت بالرجل الذي يمسي وقد
ملئ الوجود به ويصبح قد عفا
والآن نحن لدى تراك نحجه
متلهبين تشوقا وتشوفا
نثنى وهل يوفي ثناؤك حقه
ويأي ألفاظ المحامد يكتفي
لقد أطلت الوقوف على هذا الرثاء لما يبدو فيه من روح الخليل السمحة التي تعالت على الصغائر ، ولما فيه من تسجيل رائع لشعور المصريين عامة لفقد مصطفى كامل ، وما فيه من دفاع مجيد عن الفقيد وآرائه ورد على خصومه وشانئيه ، وإثبات لحقائق تاريخية من تاريخ مصر كدنا أن ننساها .
بقي كلمة أخيرة في الحديث عن شاعرية الخليل ، وهي أن الخليل عندما تقدمت به السن قل في شعره جموح العاطفة . وغلب عليه التعقل والهدوء ، اللهم إلا أن تثير شجنه ذكرى سانحة أو زهرة باسمة حتى قال في آخر عهده :
فاعذروا ضعف شاعر يتغنى
بتراجيع من بقايا الليالي
ولذلك قلت استعارته المفاجئة وتشبيهاته الغريبة وتحليقه الجامح في سماوات الخيال ، واستحالت النظرة الابتداعية المتشائمة إلى ابتسامة فيلسوف يرقب أحداث الحياة ويسجلها ومع ذلك ، فقد ظل مولعا بالتصوير الشعري يقدمه في مرائيه في نوع من الواقعية العجيبة التي يسمو بها الفن سموا عظيما لما يصاحبها من خيال خصب فسيح المدى كقوله في رثاء الشيخ عبد العزيز البشري :
شخص قليل ظله طاوي الحشى
يمشي فلا تتوازن الكتفان
حفت ملامحه بمسحة أدمة
هي من " منا " إن شئت أو عدنان
وبعارضيه الهابطين ولمة
شعثاء لم تلمم من الثوران
