الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 688الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات في الشعر المصري , طلائع بن رزيك

Share

المع وزير ظهر بمصر في أواخر العصر الفاطمي وهو من اصل أرمنى ، ولكنه صنع لنفسه نسباً في غسان كان شعراؤه يمدحونه به . وقد تولي الوزارة للخليفة الفائز ( ٥٤٩- 555 ه ) ثم أول عهد الخليفة العاضد من بعده ، إذ سرعان ما توفي سنة ٥٥٦ ه .

وكان طلائع شيعباً على مذهب الإمامية ، ويقولون إنه كان رافضياً . وليس هذا ما يلغتنا منه ، وإنما بلغتنا أن القاهرة لعهده أصبحت كعبة للقصاد من شعراء البلاد العربية أمثال أسعد بن المهذب الموصلي وعمارة اليمنى ، إذ كان مكرماً للأدباء ممدحاً للشعراء . وجد عصره من ابهج

العصور الأدبية في تاريخ مصر الوسيط ، ويكفي أن العماد الأصفهاني في ( الخريدة ) ادار كثيراً من تراجمها عليه وعلى مدائحه ، إذ كان محور الشعراء وقبلتهم في العصر الفاطمي كما كان القاضي الفاضل محورهم وقبلتهم في العصر الأيوبي ، أو قل إنه كان الفلك الذي تدور فيه نجومهم .

وافتتح الرشيد بن الزبير كتابه ( جنان الجنان ورياض الأذهان ) بترجمته ، وبدأه بفصل تحدث فيه عن مدائح الشعراء له . من ذلك أبيات وردت في قصيدة أرسلها له نور الدين بن زنكي صاحب الشام ، منها :

هو المك الميمون والصالح الذي

                             له الملك بعد الله والعز والفخر

اياديه بيض ما تزال كعرضه

                        وأسيافه حمر وأكنافه خضر

وألف الشريف الجليس بن الحباب صاحب دواوين الإنشاء لعهده كتاباً رصعه بمدائح الشعراء له . ونسق عمارة اليمنى كتابه( النكت العصرية ) على أخباره وحوادثه إلا قليلين عرض لهم . وأشاد به العماد في ( الخريدة ) أيما إشادة ، ومن قوله فيه : " ملك مصر ، واستولي على صاحب القصر ، ونفق في

زمانه النظم والنثر ، واسترق بإحسانه الحمد والشكر ، وقرب الفضلاء ، واتخذهم لنفسه جلساء ، ورحل إليه ذوو الرجاء . وأفاض على الداني والقاصي بالعطاء . . ثم عرض لوفاته وما أصاب مصر من بعده فقال : " انكسفت شمس الفضائل الزاهرة ، ورخص سعر الشعر ، وانخفض علم العلم ، وضاق فضاء الفضل ، واتسع جاه الجهل ، وانحل نظام أهل النظم . وانثر عقد ذوي النثر ، واستشعر القافة الشعراء ، وعدم البلغة البلغاء ، وعد الفضل فضولا والعقل عقولا فلم نزل مصر بعده منحوسة الحظ ، منسوخة الجد . منكوسة الراية ، ممكوسة الآية .

وواضح من وصف العماد له أن وزارته كانت صفحة مشرفة زاهية في تاريخ العصر الفاطمي وهي صفحة معطرة بحروبه التى شنها على الصلبيين براً وبحراً ، وما حازه من فتوح وانتصارات ، ومن أجل ذلك لقبه المؤرخون بأبي الفارات .

وليس كل ما يميز هذا الوزير العظيم انه كان شجاعاً رسم لأمته مثلا عالياً من الفروسية والبطولة ، ولا أنه فتح أبوابه واسعة للأدباء والشعراء ، فهناك ميزة لا تتصل جمله الوزاري أو السياسي ، ولكنها تتصل اتصالا مباشراً بالنهضة الأدبية لعهده إذ كان شاعراً مبدعاً ، وقد اتهمه بعض حساده بأن شاعريه المهذب بين الزبير والجليس بن الحباب كانا يعينانه في صنع شعره ، وهي تهمة مزيفة تزيقها أشعاره إذ تطرد فيها الروعة والبلاغة . ويقول ابن خلكان إنه رأي ديوانه . وكان يقع في جزءين ، ويقول العيني إنه رآه وإن اكثره مدح في أهل البيت وفي المرأة ، أى أنه يكاد يذهب كله في التشيع والغزل . وسقط الديوان من يد الزمن ، فلم يصل إلينا إنما  وصلتنا بعض أشعاره في الكتب التي ترجمت له . ولم تحتفظ بشعر يصور تشيعه أو يعبر عنه إلا قليلا ، من ذلك ما رواه العماد :

يا دهر حسبك ما فعلت بنا            أنراك تطلب عندنا إحنا

كم نتقيك بكل سابغة                   وسهام كبدك تخرق الجنتنا

ما تنفع الدرع الحصينة ثمن          عما قليل يلبس الكفنا

كلا ولا الأيام تقبل عن                أرواحنا رخوا ولا ثمنا

لو بالثريا حل معتصم                 منها لكان له الثري وطنا

ولقد يهون ما أصابكم                 فقد الحسين الطهر والحسنا

وبنهم إذ طوحت بهم               أيدي زمانهم هنا وهنا

وأري الأئمة جار دهرهم          في فعله بهم فكيف أنا

لي أسوة بهم الغداة إذا           أصبحت في الأجداث مرتهنا

وليس في هذا الشعر غلو ولا رفض ، وهذا طبيعي لأن العماد أخذ على نفسه في خريدته أن لا يروي من شعر الشيعة إلا ما يقبله أهل السنة ، على أن هذه القطعة يمكن أن تكون مفتاحاً لمعرفة أساس النغم الحزين الذي يوقعه طلائع كثيراً على قيثارته والذي روت كتب الأدب قطعا كثيرة منه ، فمن ذلك ما يرويه الرواة من أنه لما جلس في دست الوزارة انشد على البديهة :

انظر إلي ذي الدار كم         قد حل ساحتها وزير

ولكن تبختر آمناً               وسط الصفوف بها أمير

ذهبوا فلا والله ما              بقي الصغير ولا الكبير

ومثال ما صاروا إلي         ه من الفناء غدا نصير

وليس من ريب في أن هذه نغمة محزنة غلبت عليه في يوم من أيام مجده ، ومردها إلى تشيعه ، فالشيعة محزونون منذ مقتل الحسين . وقد اتخذوا يوما يندبونه فيه هو يوم عاشوراء ، وجعلوا شعارهم السواد ، وهو سواد جلل شعر طلائع في كثير من أبيائه مثل قوله :

أروح إلي أمل كاذب               وأغدو بلا عمل صالح

وأمل أبي غداة الحساب            أسر بميزاني الراجح

أماني يلعب بي متينها              كما يلعب الموج بالسابح

وطبيعي أن يكثر من التفكير في الموت ، وان يغلب عليه لون التشاؤم ، وأن يري الدنيا مفرحة من حوله . فتتحول في نفسه حزناً وشؤما وموتاً من مثل قوله :

مشيك قد نضا صبغ الشباب     وحل الباز في وكر الغراب

تنام ومقلة الحدثان يقظي         وما ناب النوائب عنك نابي

وكيف بقاء عمرك وهو كنز     وقد انفقت منه بلا حساب

وقوله

أيها المغرور لا تغتر         فمرعاك خبيث

سائق الموت وإن طا         ل بنا العمر حثيث

إن من جادت على الحل     ق بجدواه غيوث

أصبح اليوم حديثا وغداً نحن حديث وحدث عمارة اليمني أنه دخل عليه قبل موته بثلاثة أيام فرأي في يده قرطاساً قد كتب فيه بيتين من شعره عملهما في تلك الساعة :

نحن في غفلة ونوم والمو         ت عيون يقظانة لا تنام

قد رحلنا إلى الحمام سنينا         ليت شعري متي يكون الحمام

وعلى هذا النحو صيغ تشيعه شعره بهذا اللون من التشاؤم والحزن ، وما يطوي فيهما من الكآبة والشعور بأن كل شئ فان ، وأن الناس كركب وقوف ، ينتظر كل منهم دوره ، وسرعان ما يأتيه الدور فيرحل مع الراحلين .

وهذا اللون الأسود في شعره نجد بجانبه غزلا تغلب عليه الصنعة ، فهو ليس من هذا الغزل الوجداني الذي ينطلق عن النفس في خفة ، بل هو غزل فيه جهد ومشقة وأثر العناء والتعب من مثل قوله :

قد قلت إذ كتب العذار بخده  

                           في ورده الفية لا لامية

ما الشعر لاح بعارضيه وإنما

                        أصداغه نفضت على خديه

وقوله :

قسما به وبوردة في خده

                     وتمام قامته وسحر جفونه

لو أن ركبا في الغلاة تحيروا

                لسرؤا بضود من هلال جبينه

وربما كان خبر غزلياته ما جاء في فاتحة قصيدة كتب بها إلي أسامة بن منقذ الشيرزي عضد نور الدين وساعده في حروبه مع الصلبيين إذ يقول :

هي البدر لكن الثريا لها قرط

                    ومن أنجم الجوزاء في نحرها يمط

مشئت وعليها للغمام ظلائل

                      تظل ومن نسج الربيع لها بسط

لؤم صرحا في الرجال كأنه

                     من المستقم والأيدي تقلبه خط

فما اخدير ثوب الأرض إلا لأنها

                     عليه إذا زارت بأقدامها تخطو

ولا طاب نشر الأرض إلا لأنه

                              بحر عليه من جلابيبها مرط

ولا طار ذكر الظبي إلا وقد غدا

                            بصد كما صدت ويعطو كما تعطو

من البيض مثلي الصبح ما للظلام في

                                   محاسنها - لولا ذوائها - قسط

إلي العرب الأمحاض يعزي قبيلها

                     وقد ضمها في الحسن مع يوسف شط

ولما غدت كالعاج زين صدرها

                                بحقفين منها قد أجادهما الحرط

وأرسل فوق الحد صدغ مكلل

                             كما أرسلت في الروض حباته الرقط

ذوائب زان الخصر منهن فاحم

                       تحدر لا جعد النبات ولا سبط

وفي الأبيات كثرة واضحة من الصور والرسوم ، وفيها كثير من الطرافة والدقة ، لا من حيث إنه ابتدعها ابتداعا ، ولكن من حيث طريقة عرضه وإخراجه لها . ومع أن القافية صعبة لا يمسح التكلف عليها . وأكثر شعر طلائع يجري علي هذه الشاكلة من السهولة .

وإذا مضينا في قراءة هذه القصيدة وجدنا طلائع يتلوم نور الدين على تباطئه في حرب الصلبيين ، ويزعم أنه يمهلهم ويمانئهم . ويعقد المهادنات والمعاهدات بينه وبينهم ، ويدعوه إلى نقض ما أبرم ، فهم لا يرقبون في المسلمين إلا ولا ذمة ، يقول :

فقولوا لنور الدين ليس لجائف الي

                          جراحات إلا الكي في الطب والبط

فدع عنك تميلاً للفرنج وهدنة

                          بها أبدا بخطى سواهم ولم يخطوا

تأمل فكم شرط شرطت عليهم

                        قديماً وكم غدر به ينقض الشرط

وشعر فإنا قد أعنا بكل ما

                         سألت وجهزنا الجيوش ولن يبطوا

وهو ينهي الآبيات بأنه أرسل الجيوش إلى الصليبين  ليأخذوا من أطرافهم الجنوبية ، وعسى نور الدين يأخذ من أطرافهم الشمالية والشرقية . ويقول العيني : أرسل طلائع

إلى الشام سنة ٥٥٣ ه جيشاً كبيراً بقيادة ضرغام ، فنكل بهم نكيلاً ، وسجل ذلك في إحدي قصائده ، فقال :

تذرنا مسير الجيشي في صفر فما

                          مضي نصفه حتى انثى وهو غانم

خيول إذا ما فارقت مصر تبتغي

                   عدا فلها النصر المبين ملازم

يسير بها ضرغام في كل مأزق

                            وما يصحب الضرغام إلا ضراغم

ولا شك في أن مصر نالت مفاخر وأمجاداً عظيمة في عهد هذا الوزير الذي كانت خيوله تصهل وتلوح أعرافها دائما في ساحات الحرب والقتال بالشام وبفلسطين . وكانت أساطيله ما تزال تجوب سواحل الشام وتفتك بسفن الصليبين ، أو تنزل علي بعض ثغورهم قنديل منها . وقد أغارت على عكا غارة موفقة ذكرها طلائع في بعض شعره إذ يقول :

إن بعض الأسطول نال من الإخ

                        رئج ما لا يناله التأميل

فحوي من عكا وأنظرطوس

                       عدة لم يحط بها التحصيل

هذه نعمة الإله وتعدي

                     د أيادي الإله شيء يطول

وعلى هذا النحو كانت جيوش مصر وأساطيلها لعهد طلائع ما تزال تصبح الصلبيين وتمسيهم ، وتنقص من أطرافهم وبلادهم ، ودائما يستحث طلائع نور الدين أن يزحف شمالا بينما يزحف هو جنوباً ، حتى يقع الصليبيون بين شتي الرحا ، فتدور عليهم الدوائر . يقول في قصيدة لنور الدين :

سارت سرايانا لقصد                  الشام تعتسف الرمالا

تزجي إلي الأعداء جرد                الخيل أتباعا توالي

حتى لقد رام الأعادى                  من ديرهم ارتحالا

فلو ان نور الدين يج                   مل فعلنا فيهم مثالا

ويسير الأجناد جهرا                     كي نتنازلهم نزالا

وبقي لنا ولأهل دو                      لته بما قد كان قالا

لرايت للإفرنج ط                     راً في معاقلها اعتقالا

وتجهزوا للسير نحو                الغرب أو قصدوا الشمالا

ونحن نشرف من هذا الشعر على حقيقة تاريخية مهمة قلما عني بها المؤرخون ، وهي أن مصر أخذت في عهد طلائع مكانتها المرموقة في الحروب الصليبية ؛ فقد تخلفت في هذه الحروب لعهد الأفضل بن بدر الجمالي ومن جاء في إثره من الوزراء ؛ فلما ألقيت مقاليد الأمور إلى طلائع وضع نصب عينيه أن يعبد لمصر مكانها ، فجهز الجيوش وأمدها بالرجال والعتاد والأساطيل ؛ ودائما نراه يهيبب بنور الدين أن يهجم عليهم شمالا ، بينما يهجم هو جنوباً ، وبذلك يأتيهم الفزع الأكبر من أسفلهم وأعلاهم فيمزقون كل ممزق . وبينما كان طلائع يخوض هذه المعارك التمرت به جماعة خائنة ، وامتدت إليه منهم أيد آثمة ، فارتفع البكاء عليه في مصر والأقطار العربية ورثاه الشعراء رثاء حاراً .

وانتهى طلائع ، ولكن بعد أن خلف من وراء سيرة حميدة تعبق بالشعر والفن والحماسة والبطولة والكرم وجزالة النوال ، أو كا يقول في بعض شعره :

خلطنا الندي بالبأس حتى كأننا

                    سحاب لديه البرق والرعد والقطر

وما نرتاب في أن الزمن لو طال به للعب الدور الذي لعبه من بعده صلاح الدين في الحروب الصليبية ، وقدر لمصر حياة اخري وتاريخ آخر .

اشترك في نشرتنا البريدية