يعتبر " كتاب الروضتين فى تاريخ الدولتين النورية والصلاحية" ، لأبى شامة المقدسى من المصادر الهامة لتاريخ الحروب الصلبية . وقد اتصل المؤرخون الأوربيون بهذا المصدر منذ عصر مبكر، وكان طليعتهم فى هذا " دى ساسى" (de sasy) فى سنة ١٨٠٩ فى مناقشته لكلمة (assassins) من الناحية التاريخية ومحاولته إثبات صلتها بكلمة " الحشاشين" التى يطلقها أبو شامة بصراحة على بعض فرق الباطنية وقد نجح " دي ساسى " فى إثبات هذه الصلة مستعينا بنصوص صريحة من كتاب الروضتين تؤيد رأيه، ووضع بهذا حدا لنقاش طال أمده حول هذه النقطة، ومنذ ذلك الحين وضحت أهمية " كتاب الروضتين " لدى المستشرقين كمصدر عظيم القيمة للحروب الصلبية وبخاصة فى عصرى نور الدين وصلاح الدين .
وكتاب الروضتين واحد من بضعة مؤلفات لعبد الرحمن ابن اسماعيل بن إبراهيم المعروف بأبى شامة المقدسى ، الذى
اشتهر بكتابته التاريخية رغم تعدد إنتاجه وتنوعه حتى شمل الحديث والفقه الشافعى واللغة والنحو والعروض والقراءات وغيرها من العلوم التى كانت تدرس فى مصر والشام فى عصرى نور الدين وصلاح الدين ومن بعدهما من الأيوبين بصفة خاصة، والتى اصطلحت على تشجيعها المدارس السنية المختلفة . أما علوم الفلسفة والنطق فليس لأبى شامة فيها إنتاج ولا تعرف أنه درسها أو اهتم بها، وليس إعراضه عنها إلا مظهرا من مظاهر الدراسة السنية التى أهملتها وتجنبت - إلى حد كبير - من اشتغل بها من العلماء .
والواقع أن كتب التراجم التى تتحدث عن أبى شامة لا تعنى بإبراز أهميته كمؤرخ عنايتها بالنص على براعته فى الفقه أو الحديث أو الإقراء أو النحو، وإن كان المترجمون يذكرون مؤلفاته فى التاريخ مع غيرها فى الفنون الأخرى، فنجد الكتبى صاحب " قوات الوفيات" يقول فى صدر ترجمته له : " الإمام العلامة ذو الفنون شهاب الدين المقدسى الأصل الدمشقى الشافعى القرئ النحوى" . ويتحدث عنه السيوطة فة بغية الوعاة قائلا : " اعتنى بالحديث وأتقن الفقه ودرس وأفتى وبرع فى العربية ". وليس هذا إلا مظهرا آخر للإتجاه العلمى فى ذلك العصر، ذلك الاتجاه الذى عبر عنه أبو شامة بصرراحة حينما اعتبر التاريخ مادة مساعدة تكمل الثقافتين الدينية والعربية، إذ يقول فى مقدمة الروضتين : " . . أما بعد فإنه بعد أن صرفت جل عمرى ومعظم فكرى فى اقتباس الفوائد الشرعية واقتباس الفوائد الأدبية، عن لى أن أصرف إلى علم التاريخ بعضه، فأحوز بذلك سنة العلم وفرضه" . وليس هذا التعبير فى الفقرة السابقة مجرد خضوع للسجعة، إذ أن الدراسة التحليلية لإنتاج أبى شامة فى التاريخ والأدب تؤكد أن هذه النظرة قصد بها أبو شامة
- متأثرا بالطابع العلمى لعصره - وضع التاريخ فى مرتبة تالية لدراسة الدين والعربية .
ولد أبو شامة فى دمشق سنة ٥٩٩ ه ( ١٢٠٣ م ) وبقى بها حتى وفاته فى سنة ٦٦٥ ه ١٢٦٧، عن ست وستين عاما، لم يفارقها إلا فى مناسبات أربع ولمدد قصيرة : للحج مرتين، ولزيارة القدس مرة استغرقت أربعة عشر يوما، ولزيارة مصر استزادة من العلم، وقد كانت غيبته عن دمشق فى زيارته العلمية لمصر أطول هذه الغيبات الأربع، إذ مكث فيها سنة كاملة تنقل فيها بين دمياط والقاهرة ومصر (القسطاط) والإسكندرية. ومن الملاحظ أن هذه الرحلات الأربع تمت فى فترة شبابه وقبل بلوغه الثلاثين، فقد حج فى سنتى ٦٢٢،٦٢١، وزار القدس فى سنة ٦٢٤، ورحل إلى مصر فى سنتى ٦٢٨-٦٢٩، وبعد عوده من رحلته الأخيرة انصرف إلى الدرس والمحاضرة والتأليف؛ وهكذا كان الشطر الأول من حياته فترة تكوين وتثقيف عاميين مهدت لما وقف عليه نفسه فى شطر عمره الثانى من نشاط إنتاجى أثبت مقدار استفادته مما تمثلته نفسه من فنون العلوم، كما تشهد له بذلك كتب التراجم التى تحدثت عنه وعددت مؤلفاته .
والواقع أن استعراضا معجلا للشطر الأول من حياة أبى شامة يدل على استعداده الفطرى للتعلم وعلى رغبته فى المعرفة، فهو يحدث عن نفسه أن والده لم يشعر إلا وقد قدم عليه يخبره بإتمامه حفظ القرآن، وكانت سنه إذ ذاك عشر سنوات، ثم انصرف بعد هذا إلى مصاحبة العلماء والاستفادة بهم حتى برز فى القراءات وعد من أعلامها المشهورين، وقد ألف فيها شرحين كبيرين للقصيدة الشاطبية بالإضافة إلى دراسات أخرى صغيرة، كما أنه برع فى الإفتاء وفى الفقه الشافعى حتى قال فيه الفزارى : " عجبت لأبى شامة حيث قلد الشافعى "و " عجبت لأبى شامة كيف بلغ رتبة الاجتهاد "، وإن اشارة لبعض الأساتذة الذين تنفذ لهم أبو شامة لكافية فى الدلالة على سيره وحسن استعداده للاستفادة والتعلم، فقد صحب السخاوى الذى تخصص فى القراءات واعتنى منها بالقصيدة الشاطبية فشرحها، واتصل بالإمام ابن عساكر الصغير ودرس معه الفقه الشافعى، ولعائلة ابن عساكر نشاط علمى فى دراسته وفى دراسة
الحديث أشهر من أن يحتاج إلى تعريف، كما صحب الإمام عز الدين بن عبد السلام الذى يترجم له السبكى قائلا إنه شيخ الإسلام بلا منازع، ولم تقتصر صحبته لهؤلاء الأعلام الثلاثة على مجرد التلقى العلمى، بل كان لهم تأثيرهم المؤكد فى تكوين شخصيته ومثله الاجتماعية، ويكفى أن نعرف أنه أنهى دراسة القراءات مع الإمام السخاوى سنة ٦١٦ . ومع هذا ظل ملازما له فى روحانه وغدواته حتى توفى السخاوى سنة ٦٤٣ . والسخاوى هذا هو الذى يقول عنه ابن خلكان إن الناس كان لهم فيه اعتقاد وإنهم كانوا يجتمعون حوله للقراءة فلا يتأتى لأحدهم ذلك إلا بعد طول انتظار . أما عز الدين بن عبد السلام فهو الذى يقول عنه السبكى: " شيخ الإسلام والمسلمين، وسلطان العلماء، وإمام عصره بلا منازع، لا يستطيع أحد رآه أن يدعى أنه رأى مثله فى العلم أو فى الشجاعة فى الدفاع عن الحق " . وهو نفسه الذى وضعت وفاته حدا لقلق الظاهرى بيبرس البندة ارى على ملكه خشية أن يثور الناس لقضيته ، وقد عبر عن هذا بقوله وقد بلغه نبأ وفاته ( اليوم سلم لى ملكى ) .
أما الشطر الثانى من حياة أبى شامة، فيدل على اعتزازه بنفسه، واعتداده بشخصيته، وتطبيقه الصحيح لما أخذه عن أساتذته الثلاثة أنفة وكرامة . كان كثير من العلماء يتولون التدريس بالمدارس التى أنشأها السلاطين والوزراء والحكام وغيرهم من ذوى النفوز أو الجاء وكانوا يرتزقون من وراء هذا ويجمعون الثروات الطائلة . وسبيلهم سهل ميسر على أمثالهم : التقرب إلى ذوى السلطان . تحكى كتب التراجم عن الشيخ زين الدين بن نجا الواعظ أنه خلف ثروة كبيرة، وترك وراءه عشرين جارية للفراش خاصة .
ويحدث المترجمون أن ابن خلكان ولى منصب قاضى القضاة وأضيف إليه النظر فى أمر سبع مدارس، والتصرف فى أوقافها صرفا وإيرادا، حتى عيب عليه ذلك، وقيل فيه شعر كثير . وغير هذين تمتلئ بهم كتب التراجم والتاريخ .
أما أبو شامة فقد تحاشى هذا كله ولم ير متقربا من ذوى السلطان، اللهم إلا مرة واحدة، ذكر فيها اسمه مقترنا باسم الملك المعظم عيسى صاحب دمشق، وبدل النص على أنه " حج فى المحمل السلطانى ولا شئ وراء هذا . والمناصب الحكومية التى تولاها لم تتجاوز منصب عدل من عدول
دمشق، وهو منصب قضائى قليل الأهمية إذا قورن بمنصب القاضى . كما أنه اشتغل بالتدريس الحكومى قبل وفاته بست سنوات - أى عندما بلغ الستين - فى المدرستين : الركنية والأشرفية بدمشق، وإن كان قد ألقى كثيرا من المحاضرات - تطوعا قبل هذا بجامع دمشق وبالمدرسة العادلية بها .
والواقع أن أبا شامة كان يتعفف عن الالتجاء إلى أموال الأوقاف لبرزق منها أو ليستغلها فى جمع الثروة . وقد كتب قصائد عدة يعيب فيها على العقاد مسلكهم فى هذا الشأن . وحث طلاب العلم على الكد والكدح ففيهما حفظ الكرامة وعزة النفس، وطهارة اليد . ومن بعض ما قاله فى هذا مخاطبا طالب العلم :
اتخذ حرفة تعيش بها يا طالب العلم إن للعلم ذكرا
لا تهنه بالاتكال على الوق ف فيمضى الزمان ذلا وعسر
إنما تحصل الوقوف لشريـ ر وتذل من العلوم مبرا
أو لمن يلزم الأكابر لايبـ رح فى خدمة لهم ومدح وإطرا
طالبا جاههم مجيبأ إلى كـ فى أمور لهم مكونا مبصرا
فترى قاضى القضاة ومن يذ كر درسا يرعاه سرا وجهرا
قاصدا قربه فيصغى إليه فاعلا ما يريد نفعا وضرا
والضعيف المشغول بالعلم يلقى
من ولاة الأمور تحجرا وهجرا
وهى قصيدة طويلة فى عشر ومائة من الآبيات .
وكتاب الروضتين نفسه ليس إلا دليلا آخر على اتجاه أبى شامة الاستقلالى فى حياته . وثمرة لسلوكه الاجتماعى الفذيين أمثاله من علماء العصر، كما تثبت ذلك مقارنته بكثير منهم. فابن الأثير - مثلا - كتب " الكامل فى التاريخ " وأبقاء فى صورة مسودة حتى رجاء أصدقاؤه وتلاميذه أن يحاضرهم فيه، فاعتذر بقصوره وبحاجته إلى الراجعة والتنظيم . وتكرر رجاؤهم بعد مدة، وتكرر تعطله بنفس الحجة ؟ ثم جمع بدر الدين لؤلؤ الملك الرحيم صاحب الوصل يحبر الكتاب، فطلب منه نثره . فأسرع فى إخراجه تحقيقا لهذه الرغبة، إذ صدرت عمن " طاعته واجبة وكلمته نافذة" وقد كتب ابن الأثير كتابا آخر فى التاريخ قصره على تاريخ أتابكة للوصل، ولكنه كتبه ليهديه إلى أحد سلاطينهم اعترافا بفضل أجداده على عائلة ابن الأثير وتوجيها له إلى مواصلة هذه الرعاية . وهكذا كان الدافع إلى كتابته
" تاريخ الأنابكة " ونشره للتاريخ الكبير التقرب من ذوى السلطان والتودد إليهم . وكذلك فعل غير ابن الأثير بكمال الدين بن واصل الذى كتب " مفرج الكروب " لأحد ملوك حماه .
أما أبو شامة فقد تأثر بفترة الاضطراب والتزاع الداخلى الذين سادا فى عصر الأيوبيين بعد الوحدة والتكتل والجهاد ضد الفرنج فى عصرى نور الدين وصلاح الدين، ذلك الجهاد الذى لم يشغل السلطانين عن الالتفات إلى صالح الشعب والعمل على ترقية مستواه : اجتماعيا بإلغاء الضرائب الجائرة وتنظيم الإدارة المالية والأوقاف، وعلما بنشر المدارس وتشجيع التأليف والنشاط العلمى، ودينيا بتقديم العلماء والاعتماد عليهم أحيانا كثيرة فى إدارة شئون الدولة والمساهمة فى تيسير دفة الحكومة - انفعل أبو شامة بهذا كله وقارئه بالفوضى التى سادت حكم بنى أيوب فى زمنه . وأراد أن يقدم لهم المثل الصالح للحاكم المسلم الذى يهتم بشئون الدولة والدين معا، وأراد أن يكون هذا المثل الصالح من بين الملوك المعاصرين، فوجده فى نور الدين وصلاح الدين، فدون تاريخهما المجيد فى " كتاب الروضتين " مشيرا إلى هذا الدافع الإصلاحى فى مقدمته قائلا : " . . فلعله يقف عليه من الملوك، من يسلك فى ولايته ذلك السلوك؛ فلا يبعد أنهما حجة من الله على الملوك المتأخرين . وذكرى منه - سبحانه - فإن الذكرى تنفع المؤمنين؛ فإنهم قد يستبعدون من أنفسهم طريقة الخلفاء الراشدين، ومن حذا حذوهم من الأئمة السابقين؛ ويقولون نحن فى الزمن الأخير، وما لأولئك من نظير . . " ورغم هذا فقد استمر الأيوبيون فى قتفهم، بل تحالف بعضهم مع الفرنج، وسلم الملك الكامل مدينة القدس لإمبراطورهم فردريك الثانى فى الوقت الذى واصل فيه حروبه ضد ابن أخيه صاحب دمشق . ويبدو أن أبا شامة يئس من صلاح الحال، فتغير هدفه من كتابة التاريخ وتواضع، وجاء كتابه " الذيل " صورة لهذه الروح المتعبة، فكتبه مسجلا فيه من يموت " من الأصدقاء والمعارف، لعلى أجد بمطالعتهم قلبا على الآخرة يداعف " وكانت خاتمة حياة أبى شامة فى سنة ٦٦٥ ه ( ١٢٦٧ م ) خاتمة لكتابه الذيل
ولنا عود إلى هذا فى القريب إن شاء الله .

