الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 677الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات نفسية فى الأدب العربى :, بشار بن برد، التفسير النفسى لشخصيته وشعره

Share

- والشئ الذى يلفت نظر الدارس النفسي لشعر بشار لفتاً شديداً هو تأثير فقده لبصره فى معانيه وتعبيراته . فقد كان بشار شديد الإحساس بهامته ، وفى أخباره إشارات كثيرة إلى هذا الإحساس الشديد (١) ، وقد انفعلت نفس بشار بهذا الإحساس انفعالاً قويًا ، ولما كان التعبير الأدبى صدى نفسياً لما تنفعل به نفس الأديب . فمن الطبيعى أن يظهر انفعال بشار بهذا الإحساس فى شعره .

ويعبر بشار عن هذا الانفعال فى أسلوبين : أسلوب مباشر ، وأسلوب غير مباشر .

أما الأسلوب المباشر فيظهر حينما يحس بشار هذا النقص إحساساً واعيا يصدر عن عقله الواعى الذى يدرك أنه فعلا بنقص عن المبصرين شيئاً ، وانه مهما يحاول أن يهون من شأن هذا النقص أمام الناس (٢) فإن هذا لا يغير من الحقيقة الواقعة شيئاً ، فيتحدث عن هذا النقص حديثاً مباشرا صريحاً ، ولكنه يحاول أن يدافع عنه ؛ وهو يدافع عنه عادة دفاعاً عقلياً منطقياً ، يخاطب به عقول الناس ليقنعهم برأيه . ولا يحاول أن يستمر عطفهم عليه عن طريق مخاطبة عواطفهم ، حتى ليشعر المرء أن بشاراً فخور بهذا النقص مرتاح إليه . فهو قد عمى جنينا ، هذه حقيقة لا يحاول إنكارها ، ولا يجد ضيراً عليه من أن يصرح بها ، ولكن هذا العمى لم يضره شيئاً ، بل إنه أفاده . إذ أنه قد كان سبباً فى ذكائه ، وتعليل ذلك عنده أن ضياء عينيه قد انتقل إلى قلبه يحمل له العلم والعرفة ، ومن هنا جاء نابغة عبقريا :

عميت جنينا ، والذكاء من العمى

فجئت عجيب الظن للعلم موئلا

وغاض ضياء العين للعلم رافدا

القلب إذا ما ضيع الناس حصلا (١)

وهذا التعثر الأسلوبى الذى نلاحظه على البيت الثانى يرجع - فيما أعتقد - إلي صراع نفسى بين عقل بشار وعاطفته حول هذا الدليل الذى يدافع به عن عاهته .

وأكثر ما يتحدث بشار عن هذه العاهه فى غزله ، حيث يتجسم إحساسه بها تجسما قويًا ، فإذا هو حريص كل الحرص على أن يدافع عن نفسه ، ودفاعه هنا أيضاً دفاع عقلى منطقى ، تدور معانيه دائماً حول فكرة واحدة ، هى أن العين ليست الوسيلة الوحيدة للحب ، وهو يستغل هذه الفكرة استغلالا واسعاً ، ويعبر عنها بأشكال متعددة ويستخلص منها كل ما يمكن استخلاصه من معان ، فيقول أحياناً إن العين فى حالات الحب ليست هى التى تبصر ، وإنما الذى يبصر هو القلب ، والقلب وسيلة الحب الأساسية " فباقلب - لا العين - يبصر ذو الحب " (٢) والعملية الفنية هنا - وهى التى يسميها علماء البلاغة " القصر " - ليست ، من وجهة نظر الدارس النفسى ، إلا محاولة نفسية ، يحاول بشار بها إقناع نفسه وإقناع سامعيه بهذه الفكرة التى بدافع بها عن موقفه . ولكن بشاراً لا يكتفى بهذا ، وإنما يحاول أن يثبت هذه الفكرة وأن يقيم الدليل عليها ، فيذكر فى موضع آخر من شعره أن القلب هو الوسيلة الأساسية للحب لأنه يرى ما لا تراه العين ، " والقلب راء ما لا يرى البصر " (٣) ، أو " إن الفؤاد يري ما لا يرى البصر " (٤)

ثم يستمر بشار فى استغلال هذه الفكرة الأساسية فيستخلص منها مع آخر ، فإذا كانت العين وسيلة من وسائل الحب . فإن هناك وسيلة أخرى مثلها هى الأذن : قالوا : بمن لا ترى تهذى ؟ فقلت لهم : الأذن كالعين توفى القلب ما كانا (١) وهو ما يعتمد على طريقة من طرق الجدل الخطابى وهى أن يسلم الناس ما يعتقدون على أن يسلموا له مما يعتقد . وهو يعبر عن هذا التى بطريقة أخرى ، فالعين وسيلة من وسائل الحب حقاً ، ولكن إذا فقدت هذه الوسيلة فإن الأذن تقوم مقامها ، فيقول متحدثاً عن صاحبة له :

بلغت عنها شكلا فأعجبنى    والسمع يكفيك غيبة البصر (٢)

بل إن الفكرة تصل عنده فى بعض الأحيان إلى ذروتها ، فإذا الأذن لا تعشق كما تعشق العين فحسب ، وإنما قد تعشق قبلها أحيانًا :

يا قوم أذنى لبعض الىي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانًا (٢)

وبراعة بشار فى هذا البيت تعتمد على قوله " أحياناً " . فهو لم يذكر هذه الكلمة ليكمل بها بيته لأن القافية أعوزته كما يتبادر إلى الذهن . وإنما ذكر هذه الكلمة ليقطع الطريق على معارضيه . حيث وضعهم فى موضع لا يمكن فيه الرد عليه ؛ وهذه براعة جدلية من بشار اكتسبها - بدون شك - من اتصاله بالمعتزلة أصحاب الجدل البارع فى التفكير الإسلامى . ولكن بشاراً لا يقنع بهذا ، وإنما يعود مرة أخرى إلى فكرته الأولى وهى فكرة أن القلب هو الوسيلة الأساسية للحب ، وكأنه يخشى - كما يخشى أصحاب الجدل - أن يتهم بالتناقض فى قوله . فيذكر أن الأذن ، وإن تكن وسيلة من وسائل الحب ، فإن القلب هو الوسيلة الأساسية فى هذه الحالة ، حالة " الحب السمعى " ، كما انه هو الوسيلة الأساسية فى الحالة الأخرى . حالة " الحب البصرى ".

فما تبصر العينان فى موضع الهوى

ولا تسمع الأذنان إلا من القلب (٤)

وهو هنا أيضاً يعتمد على " القصر " فى سبيل إقناع نفسه وإقناع سامعيه بفكرته . ولكنه يحدث أحياناً أن يتحدث بشار عن عاهته دون أن يحاول الدفاع عنها ، وإنما يصرح بما تحسه نفسه من مرارة نتيجة لها ، دون محاولة منه لإفائها أو التقليل من شأنها ، فحين ينهاه الخليفة المهدى من الغزل يعلن فى شعره أنه ترك الغزل مرغماً إطاعة لأمر الخليفة ، وإن يكن فقد النساء عنده كفقد عينيه . كلاهما مر فى نفسه :

هجرت الآنسات ، وهن عندى

كماء العين ، فقدهما سواء (١)

كأنه يستعطف الخليفة أن يترك له المتعة الباقية فى حياته ، متعة النساء ، بعد أن حرم المتعة الأخرى ، متعة النظر ، والتفسير النفسىى لهذا البيت هو أن بشاراً . حين منعه الخليفة من الحديث عن قدرته على إصباء النساء وإلهوائهن أحس أنه قد حيل بينه وبين محاولة التعويض ، وانه قد جرد من سلاحه الذى كان يستخدمه فى هذه المحاولة ، وإذاً فلا مفر له من أن يرفع راية التسليم ، ويعترف بأن فقد عينيه نقص فيه .

وأما الأسلوب غير المباشر الذى يعبر فيه بشار عن إحساسه بعاهته فيظهر في إلحاحه على وصف الحديث وتأثر نفسه به إلحاحاً شديداً ، ولكن الشئ الذى يلفت النظر هو أن بشاراً ينفل ما يسمع إلى ما يرى ، فيحول الأحاديث التى تسمع بالأذن إلى مناظر ترى بالعين . فحديث صاحبته ، عنده ، أحياناً قطع الرياض الزاهرة :

وكأن رجع حديثها  قطع الرياض كسين زهر (٢)

وهو أحيانًا أخرى أثمار الحداثق الشهية :

ودهاء الهاجر من معد  كأن حديثها ثمر الجنان (٣)

وهو أحياناً أخرى للبرود الوشاة :

ولها مضحك كغر الأفاحى

وحديث كالوشى ، وشى البرود (٤)

بل إنه يحرص على تسجيل الألوان فى هذه المناظر التى يشبه بها الأحاديث . كأنه مبصر يرى هذه الألوان المختلفة :

وحديث كأنه قطع الرو    ض زهنه الصفراء والحمراء (١)

والعملية الفنية هنا وفى مثل هذه الأبيات عملية معقدة تتم على مرحلتين : مرحلة تعتمد على السمع ، ومرحلة تعتمد على البصر . فبشار يسمع أولا ، ثم يصور ما يسمع بما يرى . ولكن بشاراً لا يرى شيئاً وإنما اعتماده فى تصوير ما يرى على السماع أيضاً ، وإذاً فبشار يسمع ثم يصور ما يسمعه هو بما يسه من غيره . وواضح أن هذه العملية الفنية المعقدة إحدى مرحلتيها ، وهي المرحلة الثانية ، تجربة كاذبة. لا يصدر بشار فيها عن نفسه ، وإنما يصدر عن غيره .

ولكن يبدو أن بشاراً كان يرتاح إلى هذه التجارب الكاذبة كأنما يجد فيها اطمئنناناً نفسياً إلى أنه لا ينقص شيئاً عن المبصرين من حيث إحساسهم بالمرئيات ، ومن هنا كثرت هذه التجارب الكاذبة فى شعره .

ومن هذه التجارب الكاذبة أيضا استعماله لما يسمعه من تعبيرات شائعة فى عصره او لما استقر فى ذهنه من تعبيرات من سبقه من الشعراء ، كما لا يصلح إلا لقيصرين ، فيتحدث بهذه التعبيرات كأنه شخص مبصر ، فهو يذكر مثلا أنه إذا نظر إلى أحبابه بكى :

ألا حي ذا البيت الذى لست ناظراً

إلى أهله إلا بكيت إلى صحبتى

وإن نال منى الشوق واجهت بابها

بإنسان عين ما يفيق من السكب (٢)

والعجب هنا أن بشاراً يكذب ويستمرئ الكذب ، فيذكر أنه نظر إلى أحبابه . وتحلو له الكذبة فيؤكد أنه واجه باب صاحبته بإنسان عينه !!

وهو يذكر فى قصيدة أخرى انه رأى منظراً جميلاً فى وجه جارية جميلة فأعجبه :

يا منظراً حسناً رايته   من وجه جارية فديته (٣)

ويذكر فى قصيدة أخرى أن عينه تشتفى بالنظر إلى صاحبته :

أنت التى تشتفى برؤيتها    وهن عندى كماء غير مشروب (٤)

والأعجب من هذا أن بشاراً يخاطب صاحباته كثيراً بقوله " يا نور عينى " !!

نور عينى أصبت عينى بسكب

يوم فارقتنى على غير ذنب (١)

أو يخاطبهن بقوله " يا قرة عينى " :

ليتنى مت قبل حبك يا قر

ة عينى أو عشت فى غير حب (٢)

حدثينى فأنت قرة عينى

هل تحبينى ، فهل نلت حبى (٣)

ولسنا ندرى أكانت صاحبات بشار يرتحن إلى مثل هذه المغازلات ويجدن فيها إرضاء لغرورهن أم أنهن كن يضقن بها ويضحكن من صاحبها ؛ العلم عندهن !!

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية