الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 675الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات نفسية في الأدب العربي :, بشار بن برد، التفسير النفسي لشخصيته وشعره

Share

-٢-

وكما اضطرب بشار في إحساسه بمنزلته الاجتماعية ، اضطرب أيضا في عقيدته ؛ فقد كان في أول أمره متشبعا من شيعة إبراهيم بن الحسن بن علي ، ثم اتصل بعد ذلك بالمعتزلة وأصحاب الكلام ، وكان يجتمع بهم فيتجادلون ويختصمون ، وقامت بينه وبين واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد زهيمى المعتزلة في عصرهما صداقة قوية ، ولكنه مع ذلك ظل مضطريا ، أو كما يقول صاحب الأغاني " بقى متحيرا مخابطا(١)" . ثم انتهى به تحيره وتخليطه إلى التمرد على أصحاب الكلام وهجاء صديقه القديم واصل بن عطاء أو " عنق الزرافة " كما يسميه(٢) ، وتتابع على واصل ما يشهد بإلحاد بشار ، فكفره ، وخطب في الناس معلنا أنه ملحد بل حرض الناس على قتله ليتخلص العالم من " هذا الأعمى الملحد(٣) ، وفسدت الصلة بينهما فسادا شديدا ، واستطاع واصل ، بما كان له من مكانة وكلمة . أن يكون سببا في نفي بشار عن البصرة ، ولم يستطع بشار دخول البصرة إلا بعد وفاة واصل ، ولكن عمرو بن عبيد كان له بالمرصاد ، فنفي مرة أخرى عنها ، ولم يستطع دخولها إلا بعد وفاة عمرو .

- ثم انتهي الأمر ببشار ، بعد فساد ما بينه وبين رجال الدين ، إلى الزندقة والأخذ بالمانوية التي تجعل للعالم إلهين : إلها للنور ، وإلها للظلام ، ويذكر الجاحظ عنه أنه كان يدين بالرجعة ، أى رجعة الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة وأنه كان يكفر جميع الأمة ، ويفضل النار على الطين .

ويصوب رأي إبليس في أن النار خير من الأرض(١) ، وليس هذا تحاملا من الجاحظ على بشار ، فقد كان شديد الإعجاب به من الناحية الفنية ، دائم الثناء عليه(٢) . وهذه الآراء الزائفة التى رواها الجاحظ عن بشار إنما هي أصداء لما كان يتردد في مجتمع بشار حول عقيدته الدينية ) وقد روي الجاحظ(٣) قصيدة طويلة لشاعر معاصر لبشار هو صفوان الأنصاري ، يهجوه بها ، وينشر على الملأ معتقداته الفاسدة الضالة ، ويصفه فيها بأنه " أبعد خلق الله عن طرق الرشد " . ويروي المعري في " الغفران " (٤) يتبين من شعر بشار يفضل فيهما إبليس على آدم ، المناور على الطين . ويصفه في موضع آخر منها بأنه أحسن في مقاله وأساء في معتقده(٥) ويرسم له صورة فنية رائعة وهو في الجحيم " في أصناف العذاب ، يغمض عينيه حتى لا ينظر إلى مانزل به من النقم ، فيفتحهما الربانية بكلاليب من نار(٦) ويذكر ابن القارح أن المهدى قتله على الزندقة(٢) ، وإن يكن الرواة مختلفين في سبب مقتله .

ويشك بعض الباحثين المحدثين في صحة كثير مما يروي عن زندقة بشار(٨) ويميل آخرون إلى ما يشبه مذهب الإرجاء الذي كان يذهب إليه بعض أهل الكوفة فيتركون المسألة لله مادام بشار لم يصرح بكفره(٩) ، ولكننا ، مع

إيماننا بأن الدين في لا نستطيع أن تجاريهم فيما يذهبون إليه من شك أو إرجاء لا لأننا نأخذ كل ما يذكره القدماء قضية مسلما بها ، ولا لأننا نجد في أخبار بشار ما يؤيد اتهامه بالزندقة ، ولكن لأن نفسية المضطربة القلقة وما كانت تنطوي عليه من عوامل التمرد والسخط والاجتراء على التقاليد كفيلة بأن تدفعه إلى هذا الجانب اليساري في عقيدته . لأنه يجد في هذه الزندقة التي كان الخلفاء في عصره يصفونها بالطرف ( ١ ) مجالا للتعويض عما كان يعانيه من احساس بالنقص وشعور بالضمة ، لأنها - ولا شك - ستلفت إليه الأنظار ، فالتفسير النفسى لشخصية بشار هو الذي يحل لنا - فيما أعتقد - هذه المشكلة

وعلى كل حال فالأمر الذي لاشك فيه هو أن بشارة كان مضطربا في حياته ، متحيرا في طريقه فيها . ونحن لا نذكر هذا استنتاجا ، وإنما نذكره لأن بشارا نفسه ذكره فهو يصرح في أبيات له بأنه حائر في حياته ، عاجز عن فهمها :

طبعت على مالي غير مخبر

         هواي ولو خيرت كنت المهذبا

أريد فلا أعطي ، واعطي ولم أرد

               وقصر على أن انال للمغيبا

فأصرف عن قصدي ، وعلمي مقصر

           وأسس وما أعقبت إلا التعجب ( ٢ )

فهو يصرح في هذه الأبيات الرائعة بتلك الخبرة النفسية التي كانت تسيطر على نفسه ، والتي حاول أن يجد لها تفسيرا يستقر إليه . فكان قصاري ما استقر إليه - إن صحت عبارة الاستقرار هنا - هو ان يرد كل شئ في حياته إلي فكرة " الجبر " وهي فكرة أغلب الظن انها تسربت إليه من اتصاله بالمعتزلة وهو يستسلم لهذه الجبرية ، التي فرضت عليه سبيله في الحياة . لأنه يجد فيها حلا لمشكلاته النفسية . وانظر إلى قوله " ولو خيرت كنت المهذبا" كيف يعبر تعبيرا نفسيا قويا عن تلك العقدة التى ضاقت بها نفسه ، وكيف يفسرها تفسيرا نفسيا أغلب الظن أن نفس بشار

قد رضيت به على أنه حل المشكلة التى طالما حيرتها .

والطريف أن بشارا ينقل هذه الفكرة ، فكرة الجبرية ، إلى ميدان آخر من ميادين حياته ، وهو الميدان الغرامي ، فيصور حبه لصاحبته على انه قضاء مقضى لا يستطيع أحد دفعه

لم تنلها يدي بحولي ، ولكن

قضيت لي ، وهل يرد القضاء ( ١ )

ومع أن بشارا قد تمرد على اصحاب الكلام ، وثار عليهم . وهجا أئمتهم . فإنه لم يستطع أن يتخلص من تأثره بطريقتهم في التفكير ، ومذهبهم في البحث ، فهو يكثر في شعره من التعليل والتدليل والاحتجاج العقلي ، وهو يعرض أفكاره عرضا عقليا دقيقا ، فيه المقدمات والنتائج ، وفيه الأسباب والمسببات ، والأمثلة على ذلك كثيرة في شعره ( ٢ ) . ومن هنا كثر في شعره ما يسميه علماء البلاغة " الفصل الاستشافي " الذي يقوم على شبه كمال الاتصال بين الجملتين حيث تكون الجملة الثانية بمثابة جواب عن سؤال متوهم اقتضته الجملة الأولى ، وهو ما يصح أن نسميه " الأسلوب الجدلي في العملية الفنية .

والطريف - مرة أخرى - أن بشارا يستخدم هذا التدليل العقلى أو هذا الاحتجاج المنطقي في غزله ، فيتحدث في بعض قصائد ( ٣ ) إلى صاحبته عبدة حديثا منطقيا ليقنعها بألا تستمع إلى ما يقول فيه أعداؤه ، فإن كل إنسان يقال فيه ، وليس فينا من لا يعاب ، وهو رجل كريم لا ينكث العهد ، لأن نكث العهد من الكريم شئ عجيب ، فلتطمئن صاحبته إليه . ولتعد إليه ، فإن الحياة قصيرة لا تحتمل هذا الصدود وهذا الهجر .

ومما يتصل بهذا تطور الفكرة عنده إلي فكرة عقلية دقيقة ، فهو يأخذ الأفكار القديمة البسيطة فيطورها إلى أفكار جديدة معقدة عميقة ، فهو مثلا يعرف أن الشعراء القدماء يقولون : إن ممدوحيهم يعطونهم لأنهم يطمعون في ثنائهم أو لأنهم يخشون هجاءهم . ولكن هذه فكرة

بسيطة لا يقنع بها عقل بشار المتأثر بتلك المذاهب الكلامية السائدة في عصره ، وإذا فلابد له من أن يطور هذه الفكرة البسيطة إلى فكرة عميقة ، فإذا الممدوح عنده يعطي سائليه لا رغبة في ثنائهم ولا رهبة من هجائهم ، وإنما لأنه يلذ طعم العطاء . فالعطاء عنده للعطاء لا لأي شيء آخر .

ليس يعطيك للرجاء ولا الخو

         في ، ولكن يلذ طعم العطاء ( ١ )

وهو مثلا يعرف أن الشعراء القدماء يذكرون أنهم يقصدون ممدوحيهم فيعودون بالغني والثراء ، ولكن هذه الفكرة الساذجة لا ترضي عقل بشار العميق ، فلابد له من أن يطورها إلى فكرة عميقة معقدة ، فصلته بممدوحه لم تعد عليه بالغني ، وإنما عادت عليه بالفقر . وذلك لأنه لمس كفه يبتغي منه الغنى ، فأعداء كرمه ، فإذا هو مسرف متلف ما عنده :

لمست بكفي كفه ابتغي الغني

            ولم أدر أن الجود من كفه يعدي

فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغني

     أفدت ، وأعداني فأتلفت ما عندي ( ٣)

ونحن نفسر هذا التأثر من بشار بأصحاب الكلام رغم تمرده عليهم وانفصاله عنهم ، بأنه " رد فعل لا واع " لفساد الصلة بينه وبينهم ، كأنه يريد أن يثبت لهم أنه لا يقل عنهم مقدرة عقلية على الجدل والتعليل العقلي والاحتجاج المنطقي . * وقد عملت العقدة النفسية المستحكمة في نفس بشار ، من ناحية ، وذلك الزندقة التي كان يأخذ نفسه بها لتلفت إليه الأنظار ، من ناحية اخري ، عملهما في شخصية بشار ، فاتجهنا بحياته إلى الإباحية المكشوفة ، والاستهتار المفضوح ، وتقول " المكشوفة " و " المفضوح " لان بشارا ثم يكتف بأن يكون إباحيا أو مستهترا بينه وبين نفسه ، وإنما كان حريصا أشد الحرص على أن يعرف الناس عنه أنه إباحي وانه مستهتر ، وعلى أن ينتشر على الناس صفحات حياته الحمراء الماجنة ؛ هذا الحرص من بشار على أن تكون إباحيته مكشوفة واستهتاره مفضوحا ، هو الذي يجعلنا نقف أمام ذلك الجانب من حياة بشار فنفسره تفسيرا نفسيا على أساس

أنه " محاولة للتعويض " يثبت بها بشار لأولئك الذين ينقصونه أن هذا النقص الذي بروته عيبا فيه لا تأثير له في حياته ، وانه يستطيع أن يستمتع بحياته متعة لا ينالها كثير من المبصرين المترفين الحسان الوجوه ( ١ )

وعلى هذا الأساس النفسي نستطيع أن نفهم السر في إلحاح بشار على التصريح في شعره بتلك الحياة المتحللة التي كان يحياها ، تلك الحياة الخارجة على التقاليد . المستهترة بما تعارف عليه المجتمع من قيم أخلاقية ، تلك القيم التي تفرض على الإنسان ألا يغسل ثيابه القذرة أمام الناس ، كما يقول المثل الإنجليزي .

ولكن بشارا كان حريصا علي أن يغسل ثيابه القذرة أمام الناس ، بل كان حريصا على أن ينشر ثيابه القذرة على الناس دون غسل ، فقد جعل مذهبه في الحياة هدم الحرص على شعور الناس في سبيل الوصول إلى متعة الحسية ، وهو يصرح بهذا المذهب في بيت من شعره يقول فيه :

من راقب الناس لم يظفر بحاجته

         وفاز بالطيبات الفائك اللهج

فهو يجعل وصوله إلى متعه الحسية ظفرا وفوزا ، ويصف هذه المتع الحسية بأنها " الطيبات ويجعل الحرص على شعور الناس ومراعاة تقاليد المجتمع مراقبة يضيق بها صدره ، ويجعل سنته في الحياة الفنك والإلحاح . والحق أن بشارا قد أودع في هذا البيت خلاصة تجاريه في الإباحية والخلاعة . وسجل فيه فلسفته الحسية الماجنة ، وقد بلغ من إعجابه بهذا البيت الذي جعله شعارا لحياته ان غضب غضبا شديدا على سناسر أحد تلاميذه ورواة شعره لأنه سرق هذا المعنى منه ( ٣ ) .

وتستطيع أن تفهم غضب بشار هنا على أساس نفسي . فهو غضب من أجل تلك المحاولة الأساسية التي يحاولها في حياته في سبيل التعويض عن عقدته النفسية . وقد ظهرت هذه الإباحية في شعر ظهورا فاضحا ، ولعل من أقوي الأمثلة عليها رائيته المشهورة التى يقول في أولها :

( البقية على الصفحة التالية )

قد لامني في خليلتي عمر

       واللوم في بعض كنهه ضجر ( ١ )

وراثيته الأخرى التى يقول في أولها حسب رواية الأغاني :

درة بحرية مكنونة

      مازها التاجر من بين الدرر ( ٢ )

ففي هاتين القصيدتين وأمثالهما نلاحظ أن بشارا قد اتخذ مذهبا غزليا جديدا فيه مجون وفيه صراحة مكشوفة ، خارجا بذلك على ما ألفناه من الغزل في الشعر العربي حتى عند امرئ القيس وابن أبي ربيعة .

اشترك في نشرتنا البريدية