الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 672الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات نفسية في الأدرب العربي, بشار بن برد، التفسير النفسي لشخصيته وشعره

Share

-١-

تنفعل نفس الأديب بما يحيط بها ، ويظهر تأثير هذا الانفعال فيما تنتجه من آثار أدبية ، ونحن حين نذكر هذه الحقيقة المقررة المسروقة لا نريد أن تكرر دينا مقررا معروفا ، وإنما نريد ان نلفت الباحثين في الأدب العربي إلي أهمية الدراسة النفسية في فهم شخصيات هذا الأدب . وما انتجته من آثار فنية ، بل نريد ان نلفت هؤلاء الباحثين إلى أن الدراسة النفسية ليست شيئا مهما في دراسة الأدب العربي فحسب ، بل هي القاعدة التى يجب أن تقوم عليها هذه الدراسة . فالأدب والشعر خاصة - ليس إلا تعبيرا نفسيا ليس من اليسير أن يخلص من آثار تلك الموجات النفسية التي تموج بها نفس منتجه . مهما حاول هذا المنتج أن يلونه بتلك الألوان التي تعرفها علوم البلاغة ، ومهما يحاول ان يخضعه لتلك القوالب الصناعية التى يحويها النقد الأدبي .

ومن الحق أن رواة الأدب العربي لم يقدموا لنا المادة الكافية التي تعيننا على تلك الدراسة النفسية ، لأن الزمن قد القدم بهم عن أن يدركوا فكرة " التجربة النفسية ، التي يمر بها الأديب . وأهميتها في فهم عملية " الخلق الفني النماذجه الأدبية ، ولكن من الحق أيضا أن المادة التي بين ايدينا إن لم تكن كافية تماما فإنها على كل حال تضع أيدينا على أطراف الخيوط التي تعيننا على تلك الدراسة النفسية . ومن الحق أيضا أننا لا نعدم في هذا الأدب ، نماذج نفسية تصلح تماما لتلك الدراسة النفسية

ولعل بشار بن برد من أصلح الشخصيات في الأدب العربي لتلك الدراسة النفسية ، فإن العوامل التي أثرت في شخصيته وشعره - سواء اكانت عوامل خارجية تتصل

بمجتمعه أم عوامل داخلية تتصل بنفسه - واضحة وضوحا كافيا يهيء لنا تلك الدراسة .

ومن الممكن أن نرد هذه العوامل إلي مجموعتين مجموعة اجتماعية ، ومجموعة نفسية ، أما المجموعة الاجتماعية  فهي تلك البيئة التي وجد فيها بشار ، وأما المجموعة الأخرى فهي تلك النفسية التي كان بشار يعيش بها .

عاش بنشار في تلك الفترة التي اصطلح مؤرخو الأدب العربي على تسميتها فترة مخضرمي الدولتين ، فقد ولد في أواخر القرن الأول للهجرة ، سنة ٩٥ على الأرجح وشهد انهيار الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية سنة ١٣٢ ، وامتد العمر حتي قتل في خلافة المهدي . ومعنى هذا أن بشارا قضى أيام حياته في فترتين مضطربتين : أواخر أيام الدولة الأموية ، وأوائل أيام الدولة العباسية ، أدرك من أيام الدولة الأموية تلك الفترة التى أخذت أمورها فيها في الاضطراب ، وأدرك من أيام الدولة العباسية تلك الفترة التى لم تكن أمورها فيها قد استقرت بعد وكل ما أدركه بشار من العهد الأموي كان مضطربا لا استقرار فيه ، ويكفى أن نعرف أنه أدرك تلك الفترة التى كان دعاة العباسبين يعملون فيها على تقويض أركان الدولة الأموية ، هذا إلى جانب ما كان يثيره الخوارج في أرجاء الدولة الإسلامية من شغب واضطراب ، وما كانوا يبثونه فيها من مبادئ ثورية واراء متطرفة ، ثم حدث الانقلاب السياسي والاجتماعي بسقوط الدولة الأموية العربية وقيام الدولة العباسية الفارسية ، ولكن قيام هذه الدولة لم يكن معناه استقرار الأمور ، وإنما كان معناه مرور فترة من الزمن حتى تستقر الأمور وتأخذ طريقها الطبيعي في ظل السلطان الجديد ، وأدرك بشار من أيام هذه الدولة أياما

مضطربة غير مستقرة ، شهد فيها خروج أعوان الأمويين على السفاح في الشام والعراق ، وشهد فيها الثورات تنتشر في أنحاء متفرقة من الدولة على أثر مقتل أبي مسلم الخراساني ، وشهد فيها عبد الله بن على عم الخليفة المنصور يشق عصا الطاعة عليه في الشام وينادي بالبيعة لنفسه . وشهد الشيعة يحملون و محمدا وإبراهيم ابني الحسن يشعلان نار الثورة في المدينة والبصرة ، وشهد الراوندية يثورون ضد الخليفة المنصور ويكادون يقتلونه . وشهد اجتياح أهل الديلم الحدود . واختراق الجيوش البيزنطية الحدود الشمالية للدولة الإسلامية وتوغلهم فيها ، وشهد ثورة عرب البادية ضد الإسلام وتعطيلهم الصلاة ونهبهم قوافل الحجاج في عهد المهدي . وشهد فوق ذلك كله اضطرابا اجتماعيا خطيرا نتيجة لسيطرة الفرس على الدولة العباسية ، فقد أخذت المباديء الإباحية تمتزج بالفلسفة المانوية الفارسية وتنتشر في خراسان وغربي فارس وفي العراق نفسه ؛ وشهد الخليفة المهدي يقاوم هذه الحركة ولكنه لا يستطيع القضاء عليها

فبشار إذا شهد انهيار دولة وقيام دولة وعاش في فترتين مضطربتين اضطرابا سياسيا واضطرابا اجتماعيا ، فلم يكن من الطبيعي أن تمر به هذه الاضطرابات السياسية والاجتماعية دون أن يكون لها أثر في نفسه .

وشخصية بشار نفسها كانت شخصية ثائرة مضطربة تنطوي على مجموعة كبيرة من عوامل الثورة والاضطراب ، فهو قد ولد أعمى وكان فوق ذلك قبيح العمى ، بل إن الأصمعي يصفه بأنه كان أقبح الناس عمى وأفظعه منظرا ، وكان إلى جانب ذلك دميما مجذورا ضخم الجثة ضخامة بشعة . ثم هو كان من الموالي ، وكان قد ولد على الرق ؛ والروايات المختلفة التي تروي عن نشأته الأولى مختلف في بعض تفصيلاتها ولكنها مجمع على أنه ولد علي الرق ثم أعتقته سيدته العقيلية ، ولم يكن بشار راضيا عن هذا الولاء ، بل كان من الموالي الساخطين الناقمين . بل إنه جعل من رسالته في الحياة تحريض الموالي على التمرد .

وإلى جانب ذلك لم تكن أسرة بشار بالأسرة التي يفتخر الإنسان بالانتساب إليها ، فإذا كانت المعلومات التى وصلت إلينا عن أمه معلومات قليلة أو في حكم المعدومة ، فإننا نعرف

عن أبيه أنه كان طيانا يضرب اللبن في البصرة ، وأنه كانت فيه - على ما يبدو - سذاجة وجهل ، ونعرف أنه كان لبشار أخوان : بشر وبشير ، وانهما كانا - على ما حققه الجاحظ أخويه لأمه لا لأبيه ، وأنهما كانا يعملان قصابين ، والأخبار التي تروي عنهما وعن صلة بشار بهما تشعرنا برقة حالهما وقذارتهما وجهلهما .

ومن الطبيعي أن يكون لكل هذه الجوانب من حياة بشار الشخصية أثر في نفسه ، فقد أوجدت فيها مرارة مرة كونت فيها عقدة نفسية مستحكمة ، كانت حياته كلها اثرا من آثارها ، ومحاولة متطرفة في سبيل التغلب عليها ، وعلى ما خلفته في نفسه من الشعور بالنقص .

وقد أصبحت شخصية بشار ، نتيجة لهذا كله ، مضطربة مرتبكة ، متطرفة في الأخذ بمتع الحياة ، والاتصال بالمبادئ المتحررة فيها .

وقد حاول بشار أن يتغلب على ضعة أسرته وهوان منزلتها الاجتماعية ، فلا يجد وسيلة لهذا سوى أن يفتخر بأصوله البعيدة في الفرس ، وفي الروم أيضا ، وهو يعبر عن هذا تعبيرا عاما واسعا فيه ادعاء مكشوف ، ومحاولة واضحة لتجنب الحديث عن أسرته القريبة ، فيزعم أن جده كسري ، وأن أباه ساسان ، وأن خاله قيصر :

جدي الذي أسمو به كسرى وساسان أبي

وقيصر خالي إذا  عددت يوما نسبي (١)

وطبيعي أن هذه ليست أسرة بشار ، أما أسرة بشار القريبة فإنه لا يعرض لها بشيء . على الرغم من أن صاحب الأغاني يذكر له سلسلة طويلة من النسب تضم أكثر من عشرين جدا فارسيا فهم جماعة من ملوك الفرس ، وهذا يجعلنا في شك من صحة هذه السلسلة من النسب ، وخصوصا أن صاحب الأغاني ينقلها عن رجل شعوبي (٢) ومن هنا نستطيع أن نسجل على فخر بشار باسرته أنه فخر بالجنس العام ، لا بالأسرة الخاصة ، بل هو فخر بأكرم من هذا الجنس العام ، وهو فخر لا يتقدم كثيرا بمنزلة بشار الاجتماعية .

ولكن العقدة النفسية التي تسيطر علي نفس بشار لا تقنع بهذا في سبيل محاولة التعويض ، بل تدفعه إلى هجاء العرب فيعقد في هذه القصيدة نفسها ) ١ ( موازنة بين الفرس والعرب يرتفع بالفرس فيها فيجعلهم كلهم ملوكا ، وينزل بالعرب فيجعلهم كلهم بدوا ، وهي موازنة جنسية أيضا ، لم تخرج منها بشيء عن آباء بشار الأقربين ، ثم هي ، إلى جانب ذلك ، تعتمد اعتمادا كبيرا علي السفسطة ، إذ أن طرفي الموازنة ليسا متكافئين ، فليس كل الفرس ملوكا ، وليس كل العرب بدوا ؛ وتعتمد سفسطة بشار في هذه القصيدة على اختياره لزواياه التي يلتقط منها صوره بحيث يتركز الضوء على بعض جوانب الصورة دون بعض ، وكل ما يقصده بشار من هذا هو أن تخرج قصيدته إخراجا معينا في أوضاع معينة تحقق فكرته ؟ ولهذا نلاحظ أن بشارا حين أراد أن يصور الفرس ركز الضوء على قصورهم الفخمة ، فإذا الفرس ملوك تقع التيجان على رءوسهم ، وتلتهب الجواهر على ثيابهم الفاخرة ، يغدون إلي مجالسهم فيركع الناس لهم ، ويحتجبون خلف أستارهم فلا يتطلع أحد إليهم ، والغلمان يسعون لهم بالأواني الذهبية يشربون فيها .

وحين اراد ان يصور العرب ركز الضوء على باديتهم الفقيرة ، فإذا العرب بدو رُحَّل ، يجدون خلف إبل جرباء ، ويأكلون الحنظل والعرفط من الجوع ، ويسعون خلف ضباب الصحراء وأورالها ليتخذوا منها طعامهم ، وإذا ما اشتد عليهم البرد أوقدوا النار بأنفسهم . والتفوا حولها يصطلون وقد باعدوا ما بين أرجلهم .

هكذا كانت سفسطة بشار في سبيل الارتفاع بالفرس والنزول بالعرب ، ومع ذلك فإننا نلاحظ أن بشارا في قطعة أخرى من شعره يفتخر بالعرب ، فيذكر أن فروعه تمت في " الكرام بني عامر " ) ٢ ( ، بل إنه يفتخر بولائه في قيس عيلان ويمدحهم مدحا قويا :

أمنت مضرة الفحشاء أني

أرى قيسا تضر ولا تضار

كأن الناس حين تغيب عنهم

نبات الأرض أخطأه القطار ) ١ (

ولكنه يعود مرة اخري فيتبرأ من الولاء ومن العرب قاطبة ، فيجعل ولاءه ، لله لا للعرب

أصبحت مولى ذي الجلال وبعضم

مولى العُرَيب ، فخذ بفضلك فافخر

مولاك اكرم من تميم كلها

أهل الفعال ومن قريش المشعر

فارجع إلي مولاك غير مدافع

سبحان مولاك الأجل الأكبر ) ٢ (

وهذه أيضا سفسطة من بشار ، فمنذا الذي ينكر أن الله أكرم من العرب جميعا ؛ ولكنه سبحانه أكرم من الفرس أيضا ومن الناس أجمعين .

ونحن نفسر هذا الاضطراب في شعر بشار بأن إحساسه بمنزلته في ذلك المجتمع المضطرب الذي كان يعيش فيه كان احساسا مضطريا متقلبا لم يستطع بشار أن يستقر به إلى ناحية من النواحي . وقد يمكن أن يقال إن هذه الآبيات اختلفت تبعا لاختلاف المقامات التي قيلت فيها ولكن أليس اختلاف المقامات مرجعه إلى اضطراب نفسية بشار في ذلك المجتمع المضطرب ؟

) للبحث بقية (

اشترك في نشرتنا البريدية