الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 682 الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات نفسية في الادب العربى, بشار بن برد، التفسير النفسى لشخصيته وشعره

Share

- ٤ -

وكما اتخذ بشار الغزل وسيلة يعوض بها شعوره بالنقص ، كذلك اتخذ الهجاء وسيلة أخرى لهذا التعويض . وقد عرف بشار بكثرة شعره في الهجاء ، وحدثنا أبو الفرج في أغانيه ) ١ ( أن جماعة انطلقوا إلي بشار يسألونه أن ينشدهم " شيئا من هجائه في حماد مجرد أو في عمرو الفقالمى فأنشدهم قصيدة له " فجعل يخرج من واد في الهجاء إلى واد آخر " والعبارة هنا قوية الدلالة على كثرة شعره في الهجاء فهؤلاء الجماعة يسألونه أن ينشدهم شيئا من هجائه كأن هجاءه شئ كثير . أكثر من أن يتسع الوقت ليستمعوا إليه كله ، فهم لا يطمعون إلا في نماذج قليلة منه ، وهذا الهجاء الكثير في شخص واحد من بين شخصين تركوا البشار حرية الاختبار بينهما ، فهم لا يطلبون نماذج قليلة من هجائه مطلقا ، وإنما يطلبون نماذج قليلة من هجائه في شخص واحد ، ثم يأخذ بشار في إنشاده فيظل " يخرج من وار في الهجاه إلى واد آخر " كأنما هجاؤه صحراء واسعة الأرجاء مترامية الأطراف ، يظل الضارب فيها يخرج من واد إلي واد آخر ، والواقع أن هجاء بشار صحراء شاسعة ذات دروب وشعاب ووديان ؛ ثم أن أكثر شعر بشار قد ضاع ولم يصل إلينا إلا أقله . فإن فصائده ومقطوعاته الهجائية ، فيما بقى لنا من شعره ، كثيرة كثرة تلفت النظر ، وأخباره التى يرويها أبو الفرج في أغانيه تمتلئ بأحاديث بداءته ، وتفحمه على الناس ، وتعرضه لهم بالهجاء ، حتى ليخيل للناظر أن يشارا لم يترك أحدا من المتصلين به . سواء أكان من أعدائه أم من أصدقائه ، دون أن يتعرض

له بما يؤذيه ، وقد شهر بشار لسانه في وجوه الناس يقذف به ثم يقع في مرماه بحجم هجائه البذيء الفاحش ، كما يشهر قاطع الطريق سلاحه يري به من يسوقه سوء حظه إلى ميدان مغامراته . ولم يكن بشار يبالي أصاب عدو بهجائه أم أصاب صديقا ، وفي أخباره مجموعة من أصدقائه صب عليهم سياط هجائه . ولم تفن عنهم صداقتهم شيئا ، وما أكثر ما يقابلنا في أخباره " كان بشار صديقا لفلان وهو مع ذلك بكثر هجاءه ) ١ ( أو " كان فلان صديقا المشار فقال بهجوه ) ٢ ( " أو " هجا بشار فلانا وكان صديقه ) ٣ ( ، حتى لقد قال له بعض أصدقائه بعد أن صب عليه سوطا من سياط بقاءته : عليك لعنة الله ! فما عندك فرق بين صديغك وعدوك ) ٤ (

وقد مضيت إلى هجاء بشار استعرضه . فانتهيت إلى أن أكثر ما وصل إلينا منه كان دفاعا عن نفسه أو انتقاما لها ، فقد انكر عليه واصل بن عطاء بعض شعره فهجاء . وأغضبه أعرابي وانكر عليه أن يقول الشعر وهو مولى فهجاه ، وعبث به هلال الرأي فهجاه وقيل له إن رجلا سبه عند الأمير ووضع منه فهجاه . وتعرض له رجل من بني زيد بما اغضبه فهجاه ، وعاب سيبويه شعره فهجاه . واستمنح العباس بن محمد فلم يمنحه فهجاه ، وسال يزيد بن مزيد أن يذكره المهدى فسوفه فهجاه . ومدح يعقوب بن

داود وزير المهدى فلم يحفل ، ولم يعلمه شيئا فهجاء ومدح الخليفة المهدى فلم يحظ منه بشئ فهجاه ) ١ ( .

وهذه النتيجة التي انتهيت إليها من السهل تفسيرها نفسا على ضوء ما عرفناه عن شخصية بشار ونفسيته فقد رأينا أن بشارا كان يعاني عقدة نفس مستحكمة ، وأن حياته كلها كانت اثر من آثارها ، ومحاولة متطرفة في سبل التغلب عليها وعلى ما خلقته في نفسه من شعور النقص (٢ ) . ومن هنا كان بشار شديد الإحساس بالإهانة . لأن أية إهانة تلحقه فإنما تمس ذلك الوتر الحساس في نفسه وهو شعوره بالنقص ، وتثير فيها تلك الحرارة التي تحاول جاهدا أن يدفنها . وعلى هذا الأساس النفس نستطيع أن نفس ذلك العنب الذي كان يلجأ إليه في هماله . والذي كان يستعين عليه بالبناءة والإفاش ، لأن موقفه في هذه الحالة موقف للمنتقم الثائر لنفسه .

وقد رأى بشار أن هذا الوقف الانتقامى لا يكفي . وإنما يجب عليه أن يتخذ إلى جانب ذلك موقفا احتماليا ، حتى يحمل الناس على خشيته والبعد عنه استكفافا لشره . وحتي يفرض نفسه على مجتمعه الذي كانت نفسه تمتلئ سخطا عليه وتبرئا به ) ٣ ( وهكذا اندفع في هجائه الاعتدائي ،كما اندفع في " هجائه الانتقامي " .

وهو يصرح بمنهجيه هذا في الحياة ، فقد قيل له : لذلك لكثير الهجاء فقال : إن وجدت الهجاء للؤلم أحد بضيع الشاعر من المديح الرائع ، ومن أراد من الشعراء أن يكرم في دهر القثام على المديح فليستمد للفقر . وإلا فليبالغ في الهجاء ليتخالي فيعطى (١) . هذه هى فلسفة بشار في الحياة مجتمع لا يقدره ولا يبالي ، بل محتقره ويسئ

إليه إذا عاش فيه عيشة مسالمة ، لأن ناسه لئام مخالفون ولا يستحون ، وإذا فليغرض نفسه عليه بالقوة ، ولتخذ من الاعتداء وسيلة لتحقيق هذا المذهب القوي في الحياة . وهو يعدل هذه الفلسفة الاعتدالية بأنها وسيلة لبارع الغنى . ولكن الواقع النفسي لبشار يكذب هذا التعليل ، ويري أنه مغالطة ، فليس هدف بشار الأساسي من هجائه هو الغني . وإنما هدفه الأساسي هو فرض نفسه على المجتمع ؛ ومن الحق أن بشارا كان يريد الغني ، ولكن الغني ليس كل ما كانت نفس بشار تصبوا إليه ، وإنما هو بعض ما كانت نفسه تصبو إليه ؛ ومن الممكن أن تعلل هذه المغالطه على أساس نفسي ، فبشار حريص على عدم كشف نفسه للناس ، أو كما يقول عداء النفس على عدم إتاحة الفرصة للناس ليحللوه تحليلا نفسيا . وهو يدرك أن التحليل الصادق لفلسفته هذه ستتيح للناس الفرصة لتحليل نفسيته ومعرفة سر عقدته النفسية ، وإذا فليخفف عنهم التحليل الصادق لهذه الفلسفة ، وليوجه تفكيرهم بعيدا عن سره الدفين الذي يعانيه ، وأبرزهم أن هدفه منها هو الفن ، ولأن يفهم الناس أنه يعاني فقرا ماديا خير عنده من أن يفهموا أنه يعاني فقرأ نفسيا ولم يكن بشار يدرك أن علم النفس سوف يكشف عن سره الدفين بعد حوالى ثلاثة عشر قرنا من الزمان الا غفر الله أعلم النفس ما كشف من سرائر الناس ، وما تضح من أسرارهم ؛

وقد رأينا أن بشارا كان مضطربا في  احساسه بمنزلته الاجتماعية ، وأنه كان يعاني من هذا الاضطراب شيئا كثيرا ، ويقرر أصحاب علم النفس الاجتماعى أن الذين يعانون اضطرابا في إحساسهم بمنزلتهم الاجتماعية . إذا لم يستطيعوا التقلب عليه . توافقهم الاجتماعي the social Adjastment وأن هذه الظاهرة ، ظاهرة اللاتوافق الإجتماعي ، تدفع بأصحابها إلي أحد أمرين : إما إلى اعتزال المجتمع والنفور منه . وإنما إلى الاصطدام  به والصراع معه ( ١ )

وقد أصيب بشار - نتيجة لاضطراب إحساسه بمنزلته الاجتماعية - بهذا " اللاتوافق الاجتماعي " ، كما أصيب ، من بعده أبو العلاء المعري ؛ ولكن بشارا لم يعزل المجتمع ولم ينفر منه . كما فعل أبو العلاء ولم عبس نفسه في " السجون الثلاثة " التي حبس أبو العلاء نفسه في ) ١ ( . وإنما اصطدم بالمجتمع وفرغ للصراع معه ، وأطلق قوى الشر من عقالها في نفسه ؟ وربما كان من الممكن أن نرد هذين الاتجاهين المتعارضين عند خليع العراق وحكيم العمرة ، إلى عوامل عضوية ، وإلى عوامل نفسية ؛ فقد كان بشار قوى الجسم متين البنيان ، موفور الحظ من الحيوية الجسدية والنشاط الجسدي ، كما كان إحساسه بمجتمعه إحساس الناقم عليه ، الراغب في أخذ ثاره منه ؛ أما أبو العلاء فلم يوهب هذا الصبب الوفور من قوة الجسد ، وحيوية الجسد ونشاطه كما ان احساسه بمجتمعه إحساس الأسف له . البائس منه ؟ ومن هنا اتجه بشار إلي الصراع مع مجتمعه ، ومحاولة فرض نفسه عليه بالقوة ، في حين اتجه أبو العلاء إلى اعتزال مجتمعه والنفور منه ، والأرتفاع بنفسه عن النزول إلى حضيض شروره وآثامه ونقائصه

ولكن بشارا لم يكن يستطيع - بحكم باعته - ان يفرض نفسه على مجتمعه عن طريق قوته الجسدية ، وإنما كان يستطيع - نظرا لموهبته الفنية - أن يفرض نفسه على مجتمعه عن طريق قوته اللسانية ، ومن هنا اتجه بشار إلى الهجاء وجعله سلاحه في الحياة يدافع ، عن نفسه إذا اعتدى عليه ، ويهاجم ، من لم يعتد عليه حتى يخشى الناس أمره . ويخافوا مغبة التعرض له ؛ فيبتعدوا عن طريقه . ويخلوا بينه وبين سبله يضرب فيها كيف يشاء .

والظاهر أن بشارا أدرك قيمة هذا السلاح اللساني في فرض نفسه على مجتمعه منذ أيامه الأولى ، فقد بدأت براعم هذه الفلسفة الهجائية تتفتح منذ وقت مبكر من حياته ، فقد هجا جريرا في صباء فاستصغره وأعرض عنه ، وظل

بشار يردد هذه الحادثة اسفا ، ويقول : لو أجابني جرير لكنت أشعر الناس (١ ) ، وفي هذه العبارة التي كان بشار دائما يعقب بها علي هذه الحادثة نفح آثارا من الحسرة على تلك المعركة الهجائية التي كان يتمني أن تنشب بينه وبين جرير شاعر الهجاء ، العظيم في العصر الأموي ، حتى يشتهر أمره ويحرف شأنه بين الناس . وهكذا كان بشار يشعر منذ وقت مبكر في حياته بقيمة هذا السلاح في الارتفاع بمنزلته الاجتماعية  . ولكن بشارا لم ييأس بعد هذه الهزيمة الأولى ، وإنما شهر سلاحه في وجوه معارضيه ، واستطاع أن يكسب به نصرا بعد نصر ، ولم يبلغ الحلم حتى كان يخشى معمرة لسانه . واستمرا بشار هذا النصر المبكر ، فشد من لسانه ، واستمر يناسب مجتمعه الهجاء حتى قتل  ويظهر أن سلاحه هذا الذي طالنا طعن به معاصريه كان من أسباب مقتله ( ٣ ) .

وقد تباشر الناس بمقتله . وهنا بعضهم بعضا . وحمدوا الله ، وتصدقوا ، لما كانوا منوا به من لسانه " ( ٤ ) ، وشبع بشار إلي مقره الأخير منضوبا عليه من مجتمعه بل لم يتبع ، فقد " أخرجت جنازته فما تبعها أحد إلا أمة له سوداء سندية مجماء ما تفصح (٥ ) . وإلا لعنات مجتمعه تتابعه ، وهجاء معاصر به من الشعراء ينهال عليه ( ٦ ) . ولم تحقق الأيام بشار ما كان يظنه من حزن الناس عليه ، ذلك الحزن الذي سوره في بيتين رائعين من شعره كان كثيرا ما ينشدهما

ستري حول سريري                         حسرا يلطمن لطما

يا قتيلا قتلته                               عبدة الحوراء ظلما (٧)

وعلم الله أن عبدة الحوراء  مظاومة ، لما قتل بشارا مثل لسانه

( تم البحث )

اشترك في نشرتنا البريدية