أغانيه
لقد رأى أبو الفرج الأصفهانى أن من يستحق الخلود من الشعراء هم أولئك الذين تغنى الناس بأشعارهم و أنشد الحادى في دجى الليل وإصباح النهار أغانيهم ، فأفرد لهم دون سواهم كتابه الكبير " الأغانى " .
ولو أن أبا الفرج الأصفهانى أدرك شوقى وعصره وسمع شعره ورأى هذا العدد العديد من المنشدين ينشدون أغانيه وهذه الملايين التى تردد أشعاره لأخذه العجب وتملكه الذهول ولم ير إلى جوار شوقى من الشعراء من يستحق الخلود .
وحتى لا أتهم بالإسراف أو المبالغة سأورد لكم طرفا من أغانى شوقى لتشهدوا له معى بعذوبة ألفاظها وجمال موسيقاها وسمو المعانى فيها وحلاوة التعبير الشعرى . يقول شوقي : -
يا ناعما رقدت جفونه مضناك لا تهدا شجونه
حمل الهوى لك كله إن لم تعنه فمن يعينه
عد منعما أو لا تعد أودعت سرك من يصونه
بينى وبينك في الهوى سبب سيجمعنا متينه
رشأ يعاب الساحرو ن وسحرهم إلا جفونه
الروح ملك يمينه يفديه ما ملكت يمينه
ما البان إلا قده لو تيمت قلبا غصونه
ويزين كل يتيمسة فمه وتحسبها تزينه
ما العمر إلا ليلة كان الصباح لها جبينه
بات الغرام يديننا فيها كما بتنا ندينه
بين الرقيب وبيننا واد تباعده حزونه
نغتابه ونقول لا بقى الرقيب ولا عيونه
ومن منا لا يذكر تلك الأغنية التى يردد فيها شوقي ذكريات له في فلسطين الشقيقة :
يا جارة الوادى طربت وعادنى
ما يشبه الأحلام من ذكراك
مثلت في الذكرى هواك وفي الكرى
والذكريات صدى السنين الحاكى
ولقد مررت على الرياض بربوة
غناء كنت حيالها ألقاك
ضحكت إلي وجوهها وعيونها
ووجدت في أنفاسها رباك
فذهبت في الأيام أذكر رفرفا
بين الجداول والعيون حواك
أذكرت هرولة الصبابة والهوى
لما خطرت يقبلان خطأك
لم أدر ساطيب العناق على الهوى
حتي ترفق ساعدى فطواك
وتأودت أعطاف بانك في يدى
واحمر من خفريهما خداك
ودخلت في ليلين فرعك والدجى
ولثمت كالصبح للنسور فاك
ووجدت في كنه الجوانح نشوة
من طيب فيك ومن سلاف لماك
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت
عينى في لغة الهوى عيناك
ومحوت كل لبانة من خاطرى
ونسيت كل تعاتب وتشاكى
لا أمس من عمر الزمان ولا غد
جمع الزمان فكان يوم رضاك
هذا قليل من كثير مما حواه ديوان شوقى ، كما أن فى
مسرحياته الكثير من الأغانى ، فمن ( مصرع كليوباترا ) لاشك أنكم تذكرون هذه الأغنية .
أنا أنطنيو وأنطنيو أنا ما لروحينا عن الحب غنى
غننا فى الشوق أوغن بنا نحن فى الحب حديث بعدنا
رجعت عن شجونا الريح الحنون
وبعينينا بكى المزن الهتون
وبعثنا من نفاثات الشجون فى حواشى الليل برقا وسنى
خبرى يا كأس واشهد يا وتر وارو يا ليل وحدث يا سحر
هل جنينا من ربا الأنس السمر ورشفنا من دواليها المنى
الحياة الحب والحب الحياة هو من فرحتها سر النواة
أما مسرحيته الخالدة ( مجنون ليلى ) فتكاد أن تكون جميعها أغنية طويلة سترددها الأجيال المقبلة كما يرددها الجيل الحاضر .
ولم يقف الأمر بشوقى عند هذه الأغانى العربية فقط ، بل لقد قاد شوقى ثورة مباركة في دنيا الأغانى الشعبية ، لقد عاصر شوقى عصرا كانت أغانينا فيه تعانى اضمحلالا وانحطاطا مروعا ، فهى لا تخرج عن ترديد آهات وليالى ومواويل لا تحوى إلا المبتذل من المعانى والألفاظ والسقيم من الصور والتخيلات ، فقفز بها شوقي إلى الأمام سريعا وخرج على الناس بأغانى تعبر تعبيرا راقيا عن معان سامية وشعور فياض وتفصح عن خلجات الفؤاد فى أحسن أسلوب وأقوم تصوير . لتأخذ مثلا أغنية :
في الليل لما خلى إلا من الباكي
والنوح على الدوح حلى للصارخ الشاكي
ما تعرف المبتلى في الروض من الحاكى
سكون ووحشه وظلمه وليل مالوش آخر
ونجمه مالت ونجمه حلفت ما تتاخر
والنوم يا ليال نعمه يحلم بها الساهر
الفجر شقشق وفاض على سواد الخميله
لمح كلمح البياض من العيون الكحيله
والليل سرح فى الرياض أدهم بغره جميله
هنا نواح على الغصون وهناك بكا فى المضاجع
ليه بتشتهى النوم عيون وعيون سواهى هواجع
وروح غرق في الشجون وروح ما داقتشى الواجع
يا ليل أنيني سمعته والشوق رجع لى وعاد
وكل جرح وساعته وكل جرح بميعاد
كان مين مفارق وجيعته ونضو هجر وبعاد
تأمل معى قليلا هذا التصوير البارع لبزوغ نور الفجر في الليل البهيم مشبها إياه بلمح بياض العين السوداء وبالجواد الأسود ذى الغرة البيضاء . لا شك أنه لم تحو أغنية مصرية شعبة قبل هذه الأغنية ولا بعدها مثل هذا التصوير الفنى البديع .
ثم هو يرثى حظه فى عتاب بلغ منتهى الرقة مع السمو عن الابتذال الرخيص الشائع اليوم فى أغانينا :
ليه بششتهي النوم عيون وعيون سواهى هواجع
وروح غرق فى الشجون وروح ما داقتشى المواجع
وفي أغنية بلبل على الغصون يصف شوق الورد فيبلغ فى وصفه منتهى الإبداع والدقة مستعينا في وصفه بتشبيات نادرة شاذة ، لكنها بالغة فى الروعة ودقة الوصف مبلغا عظيما :
بلبل حيران على الغصون شجى معنى بالورد هايم
في الدوح سهران من الشجون
بكي و غنى والورد نايم
سكران بغير الكاس فى مجلس الورد
من عنبر الأنفاس ومنظر الحد
يبص فوقه ويبص تحته ويمد طوقه ويتم ريحته
فتن يحطه وفتن يشيل
وجناح يقوم به وجناح يميل
في إيد الليل يلعب به وراه الويل يا قلبه
مجروح من ساقه ومن طوقه
من بالشوك من شوقه
ومن دوح لدوح سهر ونوح
يا ليل ده طير بدن وروح
من فرع غصنه عالورد مال
وراح يمين وجه شمال
قال له يا سوسن يا تمر حنه
يا ورد أحسن من ورد جنه
مين بالفرح لونك مين
ومن الشفق كونك مين
يا ريحة الحبابب ياخد الملاح
لشوكة جمالك وضعت السلاح
تبارك اللى خلق ظلك من الجنة
واللى كساك الورق ولفه دى اللفة
زي الفيل ولفت شفه على شفه
يا ورد فوق لا الجناح
ينهض ولا الجرح يرقى
تشوفنى وقت الصباح جسد على الأرض ملقى
أموت شهيد الجراح ويعيش جمالك وببقى
ولنختم هذه الأمثلة ببعض أسطر من أغنيته الأخيرة ( النيل نجاشى ) ولاشك أن أحدا لم يسبق شوقى بهذا الوصف للنيل .
النيل نجاشى حليوه أسمر
عجبنى لونه ذهب ومرمر
قالت غرامى فى فلوكه وساعة نزهه على اليه
لمحت على البعد حمامه رايحة على الميه وجايه
بعد ذلك حاول أن تقارن مثل هذه الأغانى بهذا اللغو الذي تسمعه كل يوم من الإذاعة وفي الحفلات العامة والخاصة ، لطالما سمعت عبد الوهاب يقول مناجيا ( حبيب المجهول )
يا حبيبى دنا وياك روحى تتمنى لقاك
وفى كل مرة كنت أحاول أن أفهم ماذا يقصد الشاعر بأنه وياه وفى نفس الوقت يتمنى لقاه ، لكني أقر بأنى عجزت عن الوصول إلى نتيجة .
ولطالما اشمأزت نفسى عندما كنت أسمع هذه الأغنية التى مطلعها :
ساعة ما بشوفك جنبى ما أقدرش أدارى واخبى
لما حوت من ابتذال مهين ومعان سقيمة ، ووصف لرجولة مهيضة مطبعة .
وكلما حاولت المقارنة بين الأغانى الحالية وبين تلك الأغانى التي أتحفنا بها شوقى خرجت بنتيجة مؤلمة ، هى أن الأغانى من بعده قد نكست نكسة مروعة ، فعادت إلى الابتذال بل وأسفت إسفافا فظيعا ، حتى يخيل إلى أحيانا أن مصر قد عقمت بعد شوقى فلم تنجب شاعرا يستطيع أن يكتب أغنية صالحة ، اللهم خلا النادر مما يطلع علينا به من حين لآخر شاعر مبدع كأحمد رامى .
أمير الشعراء
لا أظن أن شاعرا قبل شوقى قد نال ما نال من التكريم ، ولم يحدث قط فى التاريخ أن اجتمع أدباء لغة وشعراؤها لتنصيب أمير لفن من فنونها كما اجتمع أدباء اللغة العربية وشعراؤها من جميع أقطار الأرض لتكريم شوقى ومبايعته بإمارة الشعر .
لقد انعقد هذا الحفل رسميا في أيام ٢٩ و ٣٠ أبريل ، وأول وثانى مايو سنة ١٩٢٧ ، وبلغ عدد ما ألقى فيه من كلمات وقصائد لتكريم شوقى أربعا وثلاثين ، واستمرت الحفلات بعد ذلك حتى يوم ٦ مايو سنة ١٩٢٧ ، وقد وقف شاعر النيل حافظ إبراهيم في اليوم الأول آخذا بيد شوقى منشدا
أمير القوافى قد أتيت مبايعا
وهذه جموع الشرق قد بايعت معى
أفبعد هذا الحديث يمترون ويجادلون في تفوق شوقى وتزعمه لشعراء عصره ، لقد خلف شوقى العربية ثروة يعتز بها ويباهى ، من دواوين شعر وقصص المسرح العربى وكتب في النثر : ورواية لادياس - رواية ورقة الآس - رواية على بك الكبير - مذكرات بفتاور - الشوقيات الأولى - ديوانه الشوقيات فى أربعة أجزاء - رواية مصرع كليو باترا - رواية مجنون ليلى - رواية قمبيز - رواية على بك أو دولة المماليك - رواية عنترة - رواية أمير الأندلس - أسواقي الذهب ( نثر ) عظماء الإسلام رواية السيدة هدى - رواية البخيلة .
هذه لمحة خاطفة عن شوقى لا نغنى من سيرته شيئا ، ولا تزيد عن صدى للحظات قضيتها مع شوقى في كتبه وسعدت بها ، وما أصدقه حين قال :
ما مات من حاز الثرى آثاره واستولت الدنيا علي آدابه

