شاعريته
أما شعر شوقى فلا شك فى إبداعه وسموه وتفوقه ففيه يجد القارئ تجاوياً فكرياً وعاطفياً لما يجول بقلبه وعقله مصوغاً فى لغة سهلة ، جزلة لا تثبو عن الذوق أو السمع ، يسيرة على أفهام الناس مستساغة لدى العامة والخاصة لكنها عبة المحاكاة
وشعر شوقى غنى بموسيقاه اللفظية ؛ وليس أدل على ذلك من هذا العدد العديد من أشعاره التى يختارها الموسيقيون والفنون لتصويرها بموسيقاهم وأدائها بأصواتهم . وهم ولا شك قد وجدوها طبيعة لحناجرهم وموسيقاهم .
وإني لا أذكر أن شاعراً ممن سبقه قد ترنم بشعره مثل هذا العدد من الناس فى المشرق والمغرب ، ولا أظن أن شاعراً من قبله قد أبدع مثل هذا العدد من الأغانى .
ولقد برهن شوقى دائما على أنه شاعر حى تجد بيئته صداها فى نفسه وبتأثر وجدانه الشاعر بأحداث عصره وما تقع عليه عينه وحسه .
فى ديوانه نجد تصويراً رائعاً لألوان الطبيعة المختلفة ، من ربيع النيل بأنسامه وزهور ، وأعباده إلى البدر حين يتجلى على صفحة ألم المضطرب : -
لما طلعت على المياه تنيرها سكنت وقد كانت بغير قرار
وزهت لناظرها السماء وقر ما فى البحر من عيب ومن تيار
إلى هذا الهلال الذى يناجيه الشاعر ويستوحيه معانى الحياة وفلسفة الوجود فوق هذا الكوكب الفانى : -
سنون تعاد ودهر يعيد لعمرك ما فى الليالى جديد
وإذا انتقل إلى دار الخلافة وطالعة البسفور الجميل وانطبعت مناظره الخلابة فى مخيلة الشاعر بعكسها فى معان رائعة تفيض حياة وشاعرية : -
بدا ضوء الصباح فسرت فيه إلى البسفور واقترب المقر
تسايرك المدائن والأناسى وذلك بين جوال وراسى
وتحضنك الجزائر والرواسى وتجرى رقة لك وهي صخر
وفى ديوانه ايضاً وصف للبنان ومغانيه وسوريا وبقاعها والأندلس ورياضه وآثاره ؛ ولقد أبدع شوقى وأتى فى الشعر العربى بجديد حين قال يصف الخمر :
حق كأسها الحبب فهى فضة ذهب
وقد عيب على شوقى كثيراً شعره فى المدح لأنه لم يسم به عن مدح السلاطين التقدمين منهم والمحدثين حتى قيل إنه شاعر الأمراء لا أمير الشعراء .
ولو نظرنا إلى مدائح شوقى جملة لاستوقف انتباهنا أمران : أولهما أنه لم يؤله ممدوحيه ولم يقل بأنهم خوارق أو شواذ ، ليسوا من طينة البشر كما فعل بعض كتاب الغرب والشرق .
لا يقولن امرؤ أصلى فما أصلك وأصل الناس طين
وثانيهما أن هذه المدائح صور واستعارات شعرية لا عقيدة سياسية لأنه إذا غير اسم ممدوحية لم يغير ما يرمى إليه من القصيدة ، فأنت ترى دائماً أن اسم الممدوح لم يخرج عن كونه الروى فى الشعر الذى لا يزيد ولا ينقص من قيمة الشعر ولا من مبلغ مرماه الاجتماعى ، والقصيدة بعد ذلك نصح للممدوح وإرشاد .
وماذا يهم المرء من أمر الممدوح إذا وجد شوقى يقول :
لا يظهر الكبراء آية عزهم حتى يعزوا آية الأفكار
وهو يمدح الخديوى توفيق ثم هو يقول فى قصيدة أخرى
ترك النفوس بلا علم ولا أدب ترك المريض بلا طب ولا آس
وهو إذ يمدع الملك فؤادا يعقب على المدح بقوله :
إن سرك الملك تبنيه على أسس
فاستنهض البانيين العلم والأدبا
وارفع له من حبال الحق قاعدة
ومد من سبب الشورى له طنبا
ويقول فى قصيدة أخرى :
زمان الفرد يا فرعون ولى وذالت دولة المتجرينا
وأصبحت الرعاة بكل أرض على حكم الرعية نازلينا
فؤاد أجل بالدستور دنيا وأشرف منك بالإسلام دينا
بنى(1) الدار التى لا عز إلا على جنباتها المالكينا
ولا استقلال إلا فى ذراها لمتبوع ولا للتابعينا
وبعد هذا ماذا يهمنا اسم الممدوح وماذا يهم الأجيال المقبلة خاصة إذا انطوى المدح على مثل هذه العظات والحكم :
والعدل فى الدولات أس ثابت
يفنى الزمان وينفد الأجبالا
والحمد لله أن شوقى إذ تحول تحول ليساير العصر ويجارى الزمن . وهو إذ يغير رأيه من سلطان الفرد إلى تمجيد الشورى فهو يثبت أنه شخص لا تستبد به التقاليد ولا يقف به الجمود ، بل هو يعتنق ما ثبتت صحته للعقل والتجارب .
ثم هو بعد ذلك الشاعر الذى تنطبع على صفحة نفسه صور بيئته وتتأثر نفسه الشاعرة بأحداث عصره ومصائب قومه فيحسن تصويرها فى شعره .
هو يرى سوء عن الاختلاف الذى ينشب أظفاره فى قومه ، ويرى كيد بعضهم لبعض بغير سبب وجيه أو مدعاة للخلاف خطيرة فيقول لهم :
إلام الخف ينكسو إلاما
وهذى الضجة الكبرى علاما ؟
وقسيم يكيد بعضكم لبعض
وتبدونة العداوة والخصاما ؟
وتراه فى قصيدته المشهورة التى تغنى أم كلثوم بعض ابياتها ( سلو قلبى غداة سلا وتابا ) والتى قالها بمناسبة ذكر المولد المحمدى ... تراه يجمل أدواء قومه ووطنه ويبين السبيل إلى الخلاص منها ؛ ولعل أبرز ما فى هذه القصيدة حضه على بذل المال وتحذيره من عواقب ضن الأغنياء على إخوانهم الفقراء :
سلوا قلبى غداة سلا وتابا لعل على الجمال له عتابا
ويسأل فى الحوادث ذو صواب
فهل ترك الجمال له صوابا
فمن يغتر بالدنيا فإن لبست بها فأبليت الثيابا
فلم أر غير حكم الله حكماً ولم أر دون باب الله بابا
ومن يعدل بحب الله شيئا كحب المال ضل هوى وخابا
أراد الله بالفقراء براً وبالأيتام حباً وارتبابا
فرب صغير قوم علموه سما وحمى المسومة العرابا
وكان لقومه نفعاً وفخراً ولو تركوه كان أذى وعابا
يريد الخالق الرزق اشتراكاً وإن يك خص أقواماً وحابى
فما حرم المجد جنى يديه ولا نسى السقى ولا المصابا
ولولا البخل لم يهلك فريق على الأقدار تلقاهم غضابا
تعبت بأهله لوماً وقبلى دعاة البر قد سئموا الخطابا
ولو أنى خطبت على جماد فجرت به الينابيع العذابا
ألم تر للهواء جرى فأفضى إلى الأكواخ واخترق القبابا
وسوى الله بينكم المنايا ووسدكم مع الرسل الترابا
وأرسل عائلاً منكم يتيماً دنا من ذى الجلال فكان قابا
نبى البر بينه سبيلاً وسن خلاله وهدى الشعابا
وكان بيانه للهدى سبيلا وكان خيله للحق غابا
وعلمنا بناء المجد حتى أخذنا إمرة الأرض اغتصابا
وما نيل المطالب بالتمنى ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
سألت الله فى أبناء دينى فإن تكن الوسيلة لى أجابا
وما للمسلمين سواك حصن إذا ما الضر مسهم وثابا
وفى موضع آخر يرجع هذا للمعنى ويجذر مثل هذا التحذير ، وينعى على قومه كثرة القول وقلة العمل .
وتسمع رحمة فى كل ناد ولست تحس للبر انتدابا
أكل فى كتاب الله إلا زكاة المال ليست فيه بابا
لكن حذار فإن الكرب إذا اشتد بهؤلاء البؤساء ثاروا أو صاروا ذئابا ضاربة
ولا كأولئك البؤساء شاء إذا جوعتها انتشرت ذئابا
ولولا البر لم يبعث رسول ولم يحمل إلى قوم كتابا
وإنا نرى هذه النفس الكبيرة الواسعة الأفق تهتز لنكبة دمشق العربية فتواسى العروبة فى أبيات تفيض رقة وعذوبة ولوعة وأسى . وهي فى نفس الوقت تلهب الحماسة فى النفوس . . نفوس الشرقيين جميعاً الذين تربطهم وحدة الآلام والجهاد :
سلام من صبا بردى أرق ودمع لا يكفكف يا دمشق
ومعذرة البراعة والقوافى جلال الرزء عن وصف يدق
دم الثوار تعرفه فرنسا وتعلم انه نور وحق
جرى فى أرضها ، فيه حياة كمهله السماء وفيه رزق
نصحت ونحن مختلفون دارا ولكن كلنا في الهم شرق
ولا يبنى المالك كالضحايا ولا يدنى الحقوق ولا بحق
ففي القتلى لأجيال حياة وفى الأسرى غدى لهمو وعتق
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
والشرق يمتاز بروحانيه ، بل هى طابعه الفذ الذى عرف به فى العالم منذ بدء المدنية ، وهذه الروحانية تتمثل أحسن تمثيل فى حياته الدينية التى تسيطر على وجوده إلى حد بعيد ، وتكيف اتجاهاته فى كثير من الأحيان وتسبب له من المشاكل الجم الغفير .
وإذا كان هذا شأن الدين فى حياة الشرق فلا شك فى أنه واجد صداء فى شعر شوقى . بل لم يكن من المعقول إلا أن يعبر عن أثر الدين فى حياته وحياة الشرق عامة ، فاستمع إليه يعتز بدينه :
آياته كما طال الذى جدد
يزينهن جلال العتق والقدم
يكاد فى لفظة منه مشرفة
يوصيك بالحق والتقوى وبالرحم
يا أفصح الناطقين الضاد قاطبة
حديثك الشهد عند الذائق الفهم
حليت من عطل جيد البيان به
فى كل منتثر فى حسن منتظم
يا أحمد الخير لى جاء بتسميتى
وكيف لا يتسامى بالرسول سمى
وهو يفخر بدول الإسلام وخلفائه فى قوله :
دار الشرائع روما كلما ذكرت
دار السلام لها ألقت يد السلم
ما ضارعتها بياناً عند ملتأم
ولا حكمها قضاء عند مختصم
ولا احتوت فى طراز من قياصرها
على رشيد ومأمون ومعتصم
من الذين إذا سارت كتائبهم
تصرفوا بحدود الأرض والتخم
ويجلسون إلى علم ومعرفة
فلا يدانون فى عقل ولا فهم
وهو يعرف ما يرعى به الدين من أنه سبب التواكل الشاهد بين بعض معتنقيه ، فيأبى أن تلصق مثل هذه التهمة
بالدين وهو منها براء ، فينبرى للدفاع عنه ولوم هؤلاء الملتبسين فى اتهامه : -
من عادة الإسلام يرفع عاملا ويسود المقدام والفعالا
ظلمته ألسنة تؤاخذه بكم وظلتموه مفرطين كسالى
هذا هلاكم تكفل بالهدى هل تعلمون مع الهلال ضلالا
ومع هذا الاعتراز بالإسلام فإنا نرى الشاعر لم يؤذ أحداً فى دينه ، بل كان شعره سمحاً كريماً دائماً ، حتى إن أدباء المسيحيين والإسرائيليين يتغنون بشعره الاسلامى ويطربون له طرب المسلمين أنفسهم ، ثم هو بعد ذلك يحتزم العقائد جميعاً ويجل الأديان كلها وكتبها : -
أرسلت بالتوراة موسى مرشداً
وابن البتول فعلم الإنجيلا
وفجرت ينبوع البيان محمداً
فسقى الحديث وتناول التزيلا
ونراه إذا وقع العيدان في يوم واحد حباهما معاً
أجمل تحية : -
العام أقبل قم نحى هلالا
كالتاج فى هام الوجود جلالا
عيد المسيح وعيد أحمد أقبلا
يتباريان وضاءة وجمالا
ميلاد إحسان وهجرة سودد
قد غيرا وجه البسيطة حالا
وهو يعاتب عتانا جميلا إذ يرى الحروب واقعة والاعتداءات نازلة ويحشر فى حوادثها الدين والدين من مساوئها برئ :-
عيسى سبيلك رحمة ومحبة
فى العالمين وعصمة وسلام
ما كنت سفاك الدماء ولا امراً
هان الضعاف عليه والأيتام
يا حامل الآلام عن هذا الورى
كثرت عليه باسمك الآلام
أنت الذى جعل العباد جميعهم
رحماً وباسمك تقطع الأرحام
البغى فى دين الجميع دنية
والسلم عهد والقتال ذمام
وهو بعد ذلك يلمس داء قومه فيدعو إلي الوحدة والاتحاد وجمع الكلمة : -
أعهدتنا والقبط إلا أمة للأرض واحدة تروم مراما
تعلى تعاليم المسيح لأجلهم ويوفرون لأجلنا الإسلاما
الدين للديان جل جلاله لو شاء ربك وحد الأقواما
هذه قبوركم وتلك قبورنا متجاورين جماحماً وعظاما
فبحرمة الموتى وواجب حقهم
عيشوا كما يقضى الجوار كراما
بل هو يسوق الدليل على وجوب هذا الاتحاد باسم النيل الذى أحيا الجميع : -
ألم تك مصر مهدنا ثم لحدنا وبينهما كانت لشكل مغانيا ؟
ألم تك من قبل المسيح بن مريم
وموسى وطه نعبد النيل جاريا ؟
فهلا تساقينا على حبه الهوى وهلا فديناه ضفافاً وواديا ؟
بل إن هذا الاتحاد فى رأى شوقى واجب باسم الدين نفسه :-
إنما نحن مسلمين وقبطا أمة وجدت على الأجيال
وإلى الله من مشي بصليب فى يديه ومن مشى بهلال
وإذا تم هذا الاتحاد الذى تمناه ودعا إليه حياه فى قوله :
مزقتم الوهم وألفتمو أهلة الله على صلبه
حتى بنيتم هرماً رابعاً من فئة الحق ومن حزبه
وهو فى كل هذا له رأى ومبدأ سام وحكمة بالغة هى :
الدين لله من شاء الإله هدى
لكل نفس هوى فى الدين يعنيها
ما كان مختلف الأديان داعية
إلى اختلاف البرايا أو تعاديها
الكتب والرسل والأديان قاطبة
خزائن الحكمة الكبرى لواعيها
محبة الله أصل فى مراشدها
وخشية الله آس فى مبانيها
وكل خير يلقى فى أوامرها
وكل شر يوفى فى نواهيها
تسامح النفس معنى من مروءتها
بل المروءة فى أسمى معانيها
( للبحث بقية )

