الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 684الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات نقدية, التنسيق الفقرى فى العمل الأدبى, الترقيم اللفظى للجمل فى الفقرة الأدبية :

Share

التنسيق الفقرى لون من ألوان التنظيم الفنى ، والترتيب الأدبى ، والتنسيق الفكرى فى الأعمال الأدبية . . له أثره وخطره فى جلال الكتابة وروعتها ، وله أهميته فى الدلالة على نفس المتفتن وعقله ، وله قيمته فى حسن الآداء ، وجودة التناول . كما أن فضله فى التأثير على القارئ ، وتنظيم هذا التأثير .

و " الفقرة " كما يعرفها الغربيون : جزء أو قسم متميز واضح من مقالة أو فصل أو كتاب ، يعالج نقطة خاصة من الموضوع ، سواء كانت الفقرة مكونة من جملة واحدة أو من يضع جمل ، مترابط بعضها ببعض أكثر من ترابطه بما يسبقه أو بما يلحقه .

و " الفقرة " اصطلاح أسيل فى اللغة العربية ، فى دلالته على هذا المعنى ، أو على ما هو منه بسبب قوى : فأجود بيت فى القصيدة كانوا يسمونه فقرة . وكانوا يقولون : ما أحسن فقر كلامه ! أى نكته ، وزدت فى كلامه أو شعره

فقرة ، وهى فصل أو بيت شعر . وقبل لآخر كل بيت من القصيدة والخطبة فقرة . .

وكل هذا من المجاز ؛ إذ الأصل فى ذلك أن الفقرة والفقرة والفقارة واحدة فقار الظهر . وهو ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب . والجمع فقر وفقار . وقيل في الجمع فقرات وفقرات وفقرات .

وقد كان الغربيون أسبق منا فى تعاطى هذا اللون من التنسيق الفنى وان كان العرب الأقدمون فى كتبهم يبوعون ويفصلون . فبينما خلت كتبنا العربية من هذا الطراز من التنسيق تماما - حتى عهد قريب نجد القربيين منذ زمن بعيد ينسقون أعمالهم ، مراعين مسألة " التفقير" ومتخذين منها وسيلة وأداة فنية فى أعمالهم الأدبية والعلمية على السواء . ثم انتقل إلينا - كما أغلب - مع كتبهم ومؤلفاتهم وأعمالهم ، وأصبحنا نتعاطاه لما له من أهمية على ما سنرى .

وقد كان الغربيون ، فيما سلف ، يطلقون لفظ الفقرة paragraph على العلامة التى توضع فى بداية كل قسم أو جزء جديد فى رواية أو قصة أو بحث . وقد كانت هذه العلامة توضع أيضا فى بدء كل فقرة جديدة فى ذلك الموضوع . ولكن بعد ذلك تلاشت هذه العلامة ، كما نلاحظ اليوم ، وأصبحت الفقرة تتميز بالبدء بها فى سطر جديد . مع ترك مسافة فى أول هذا السطر ، وبالانتهاء منها دون خلطها فى الفقرة التالية . وقد أطلق هذا اللفظ أيضا على واحدة الفقر المعروفة فى مواد القوانين ، وعلى الأخبار القصيرة أو المقالات الموجزة التى نكتب عادة فى الجرائد والمجلات بدون عنوان ، أو بعنوان جانبى صغير .

والذى يعنينا من هذا كله إنما هو الفقرة بمعناها الأدبى ؛ وهى تحتاج إلى دراسة فنية دقيقة ، وإلى بحث فى صورها وألوانها ، وفى الفاظها وجملها ، وإيجازها وإطنابها وفى تحديد موقعها وتحليله بالنسبة لما قبلها وما بعدها . ثم موقعها بالنسبة للعمل الأدبى كله . وينبغي أن نقول هنا إن أحدا من علماء البلاغة والبيان الأقدمين لم يكتب سطرا واحدا عن هذا اللون من التنسيق الفني وان أحدا منهم لم يشر إليه تصريحا ولا تلميحا . ولا تثريب عليهم فى ذلك ، فهذا اللون إنما ينزع إليه التطور فى علوم البلاغة والبيان . والتجديد فيها . وإن كان ثمة تثريب ، فلعله واقع على علمائها المحدثين ، الذين لم يلتفتوا إلى هذه البلاغة . وما ينبغى بصددها من ثورة على قيود التعقيد والتقنين القديمة ، وما تدعو إليه من مسايرة التطور الكونى والعلمى والفنى .

أقول لم ينظر علماء الأدب والبلاغة المحدثون إلى هذه البلاغة القديمة بنظرة عملية جدية ، ولم يلتفتوا إليها لفتة حيوية تجديدية ؛ وآية ذلك أنها ما زالت تدرس على صورتها البالية فى المدارس والمعاهد والكليات . . والحق أننا نريد أن نعلنها ثورة عامة لا تعرف الرجعية ولا الوقوف . ونشنها حربا لا تعرف الهوادة ولا السكون فننظر إلى هذه البلاغة نظرة فيها رثاء وإشفاق ، وفيها أمل ووفاء ، ثم نهم بها ، فتحملها أمانة فى عنقنا ، ونضطلع بعينها اضطلاعا ، عاكفين

عليها بالدرس والفحص والتدقيق . نريد أن نكفلها ونرعاها وتلبسها ثوب الحياة والنعماء . نريدها فنا جميلا كما ينبغى أن تكون صنوا الموسيقى ، وعدلا النحت والرسم والتصوير وسائر الفنون الجميلة .

وعملية الترقيم اللفظى فى الفقرة هى التى تقوم على أساس من فنية الربط والتغير . أو الاتصال والانتقال بين الجمل فى الكتابة الفنية ، هى التى عبر عنها الأقدمون - فى نطاق ضيق - بكلمتى : الوصل والفصل . فالترقيم اللفظى يشار به إلى استخدام هذه الحروف والألفاظ التى تقوم بوظيفة الربط والاتصال بين الجمل ، أو البدء والانتقال من جملة إلي أخرى

وإذا أردنا أن نتعمق أصول هذه العملية فى النفس ، نصل إلى أنها عملية نفسية دقيقة جدا ، بل هى من أدق العمليات الفنية التى تتكون فى النفس ، فهى أمر ذهنى ، تتكون أسبابه فى الشعور قبل مرحلة التعبير ، أى فى تلك المرحلة التى تلتقى فيها الفطر والغرائز بالعواطف التى تصاحب الفكرة وترافقها فنتهى بالخلق والإيجاد . . فعندما تأخذ الفكرة هيأتها فى الذهن تأخذ عملية الترقيم اللفظى هيئتها فى الذهن معها . . نستطيع أن نقول إنها ضرب من الترقيم الموسيقى ، ولكن أعمق . أو هي ضرب من الإيقاع فى النظم . يخلق مع الفكرة فى الذهن فى تلك المرحلة الشعورية الدقيقة .

ولتضرب مثلا بالواو : فالواو بأن وجدت فى عملية الترقيم اللفظى فإنما توجد لأن هناك ترقيما موسيقيا يوجد فى الذهن . قد رافق الفكرة وصاحب الانفعال العاطفى . . توجد الواو لأن هناك قرينة ذهنية أصيلة ، هذه القرينة المعنوية تدل عليها الواو فى الخارج ، كلفظ قد يبدو مستقلا ؛ ذلك أن العبارة فى الكتابة الفنية تستمد دلالها وتأثيرها من دلالات عديدة ، منها الدلالة اللغوية للألفاظ المكونة لها . ومنها الدلالة العضوية التى يبعتها اجتماع هذه الألفاظ ، وكونها فى تناسق خاص . ومنها الدلالة التى تشعها الصور والظلال للألفاظ وتناسقها فى العبارة ، ومنها دلالة الوقع

الموسيقى الناجم عن تناغم إيقاع الألفاظ مع بعضها . . كل هذا وغيره يبدو لنا دلالة واحدة فى العبارة الفنية . والحقيقة أن التعبير عن وقع وجدانى معين لا ينبغى أن ينظر إليه فى صورة لفظ ، وإنما ينبغى أن يتلقى فى صورته النظمية ، فربما لا تكفى عبارة واحدة لنقل هذا الوقع والإحساس به ، وعندها تلحق بها عبارة أخرى أو عبارات حتى تنقل الشحنة الوجدانية ؛ ومن هنا يتحتم عدم فصل العبارات بعضها عن بعض عند إرادة فهم واحدة منها ؛ ولكن مع ذلك ، فالعبارة الواحدة يمكن أن تستقل إلى حد ما ، وإنما لا تنفصل تماما . وما أجدر كلام عبد القاهر بالتسجيل هنا عندما يقول : " والفائدة فى معرفة هذا الفرق ( بين نظم الحروف ونظم الكلم ) أنك إذا عرفته عرفت أن ليس الغرض بنظم الكلم أن توالت ألفاظها فى النطق ، بل أن تناسقت دلالتها ، وتلاقت معانيها ، على الوجه الذى اقتضاء العقل ، وكيف يتصور أن يقصد به إلى توالى الألفاظ فى النطق ، بعد أن ثبت أنه نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض ، وأنه نظير الصياغة والتحبير والتفويف والنقش وكل ما يقصد به التصوير ، وبعد أن كنا لا نشك فى أن لا حال للفظة مع صاحبتها تعتبر إذا أنت عزلت دلالتها جانبا ، وأى مساغ للشك فى أن الألفاظ لا تستحق من حيث هى ألفاظ ، أن تنظم على وجه دون وجه ؟ ولو فرضنا أن تتخلع من هذه الألفاظ التى هى لغات دلالتها ، لما كان شئ منها أحق بالتقديم من شئ ولا يتصور أنه يجب فيها ترتيب ولا نظم " .

وبعد ، فهكلنا تبدو لنا قيمة الإيقاع الموسيقى فى النظم . وهذا الإيقاع جزء لا يتجزأ من دلالة العبارة النفسية وجمالها الفنى ، وتبدو لنا أيضا قيمة ظهور الترقيم اللفظى الذى هو أدق من ذلك الإيقاع . فالآلفاظ التى تقوم بوظيفة الترقيم فى التعبير الفنى يمكن أن نقول إنها مثل كل الألفاظ ، لها قرائتها المعنوية الذهنية التى أشرنا إليها ، ولها معانيها الأدبية فى الذهن . ولها ظلالها وإشعاعاتها وإيحاءاتها الفنية ، ولها إيقاعها الموسيقى فى التعبير . . ولا يمكن بحال أن تقيد لفظة بقيد ، أو تحصرها داخل نطاق ، أو نفرض عليها معنى من المعانى ، ما دامت كل تلك الدلالات المؤثرة بعيدة

كل البعد عن التقييد خارجة تماما عن نطاق الحصر ، وما دامت كل تلك المؤثرات تختلف بالنسبة للفظة الواحدة من عبارة إلى عبارة ، ومن موضوع إلى موضوع ، ومن فن إلى فن ، ومن موجد إلى موجد ، ومن متلقى إلى متلقى .

بعد هذا كله نستطيع أن ندرك الأصول النفسية ، والملاحظ الفنية ، للترقيم اللفظى للجمل فى الفقرة الأدبية ، ونفهم أن الفقرة جزء من العمل الأدبى يتضمن فكرة خاصة ، أو صورة ذهنية معينة ، أو شحنة شعورية ، أو طاقة وجدانية مفردة ، هى جزء من طاقة كبرى تتحمل العمل الأدبى كله . ونستطيع أن نفهم ما يراه بعض العلماء من أن " الفقرة المثالية هى عبارة ممتدة فى عدد من الجمل المتتابعة تحمل موضوعا واحدا "

يقول جريرسون ، مثل هذه الفترة النموذجية توجد بعض الملاحظات التى ينبغي أن يتمثلها الكاتب ، وأن يتخذ منها عونا فى الكتابة .

أولا - يجب أن يكون موقف كل جملة من التى سبقتها واضحا غير مشوب يخلط .

ثانيا - عندما تتوالى عدة جمل توضح معنى بعينه ينبغى أن تكون متشابهة أو متقاربة الصيغ بقدر المستطاع . ولكن هذه القاعدة يجب أن نراعى بإحتراس ، واعتبار لأثر هذه الجمل المتتابعة على الذهن وعلى الأذن أيضا .

ثالثا ينبغى أن تكون الجملة الافتتاحية ، أى جملة البدء ، إعدادية أو تمهيدية واضحة بحيث يتوقع القارئ أن تدل بوضوح على الفقرة .

ولعل هذا يقربنا من قول العرب يحسن المطلع ، وبراعة الاستهلال .

رابعا - كما فى الجملة ، يجب فى الفقرة أن تحصل على نسبة لائقة بين الأصل والتعلق .

هذه الملاحظات الأربع عظيمة الأهمية ، وهي نصيحة من أجل الكمال . ثم هناك أمرآن آخران تجب مراعاتهما فى الفقرة ، هما : الوحدة ، وعدم الانفصال أو الفسخ ، وهذان فى الحقيقة موجودان فى تعريف الفقرة الذى سبق .

اشترك في نشرتنا البريدية