الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 683الرجوع إلى "الثقافة"

دراسات نقدية :, صناعة الشعر

Share

] أنا لا أكره من أنازل ، ولا أحب من أرمي [ ( ببلس )

تسلو أصوات الكتاب والنقاد في تأييد نظراتهم حتى ليحسب القارئ من هول ما يراه أن كل باب في الشعر والأدب محل للشك وموضع للريبة . وتعلو أصواتهم مرة أخري لتقرير الحقائق المتصلة بمذاهبهم وتزكية أنصارهم إلى حد أن أقوالهم تبدو في أعين القارئ ثابتة ، وأن كلامهم يغدو جديرا بالإيمان العميق . ويظل الحال بهذه الصورة دون أن تستفيد الآداب شيئا يستحق الذكر طالما نقلا كلام هؤلاء وفهم هؤلاء من التأييد المنطقى ومن الأساس النظرى وطالما كانت موجات الرأي سلسلة من الهمسات الحائرة واللفتات العابرة . وأود أن يرتد الكاتب أو القارئ إلى نفسه قليلا ليتبين حقائق الأشياء وليناقش نفسه قل أن يقدم على مناقشة سواء ؛ وأجمل شئ بالنسبة إلى متابعى الآراء النقدية المختلفة هو أن يعتادوا الشك فيما يقولون ولو بلغ بهم الإيمان أقصاه ، أجمل شيء في المسائل التي تتطلب غيرة وتعصبا هو أن يسائل المرء نفسه من حين إلي حين عن مدى صحة الحقائق التي صار يطمئن إليها ويعول عنها . . وذلك لكي يماشي تطوره العقلى والروحى في غير تصلب ولكن يجاري تكوينه الزمني في غير عناد .

قد قلت في مقال " يودلير وفن الشعر " الذي نشرته بالرسالة ( في ديسمبر سنة ١٩٤٩ ) إن الأساس الوضعي الذي يرتكن إليه النقد الأدبي عند كتاب الغرب يقوم على أمرين : نظرية في الجمال ونظرية في الخيال ؛ وحاولات في شتى المناسبات أن أخرج بفكرة واضحة عن الأعمال النقدية عندنا لألتمس من ورائها أساسا نظريا يستكمل به بناؤها وتتم به أركانها ، فلم أتمكن من ذلك وكنت أرد عن ذلك ردا عنيفا في كل مرة ؛ وتعجبت من ذلك خاصة وأنني في أقرأ لناقد غربي كلاما متصلا بالشعر والأدب والفن إلا وجدته في عمله هذا شبيها بالبناء الذي يضيف حجرا جديدا إلى بنائه .

وهناك مشكلة من المشاكل التي تعرض لكل ناقد والتي يصعب على ناقد أن يشغل بهذه الصناعة دون أن يتعرض لها . مشكلة شغلت العقول والأذهان واستولت على الأرواح والمدارك زمنا ليس بالقصير . مشكلة تجددت في كل عصر وناقشها المفكرون من كل جيل وتحدث عنها الأدباء إيان كل حضارة . هل ذلك الشعر . هل هذا الفن الجميل الذي يتغني به الشعراء - قدماء ومحدثين - ناشئ عن صناعة أم ناتج عن طبيعة ؟ هل هذا العمل الأدبي الذي ينبغي به الشاعر على أغصان الحياة نغم فطري يخرج في غير تكاف أو احتفال أم أنه لحن مصنوع يصدر عن رغبة واهتمام وإرادة ؟ .

وقد يبدو لأول وهلة أن الكلام في هذا الموضوع غير مجد وان طرقه لا يعود بفائده ولكنني أصبحت أحس بخطورة هذا الموضوع منذ زمن بعيد وأعلى أن أجد مناسبة لتناوله حتى أدفع شرا مستطيرا يوشك أن يودى بالأدب . ذلك أن بعض النقاد قد اتخذ من كلتى الصناعة والطبيعة أساسا لتقسيم العصور الأدبية . وأنه لم يكتف بذلك وآثر أن يحمل الصناعة دالة على الانحطاط وقلة الشأن وأن يبدل كلمة الطبيعة قرينة للازدهار والقوة . وأخذ يمر بمقياسه ذاك على عصور الأدب العربي قديمها وحديثها حتى جعل عاليها سافلها ، وحتي أتى على عناصر الجمال برمنها زاعما أنها تبعث على الضحك ! كذلك نلاحظ أنه قد وقر في أذهان الكثيرين - حتى الشعراء أنفسهم - أن محاولة الإقدام على إنشاء عمل فنى وصياغته وتجويده وإتقانه لا تليق بمقامه وأنه لابد مفطور على إبراز هذا العمل في هدوء وبدون تكلف وفي غير اجتهاد !

من الجائز ولاشك أن يصدر الشعر أو النثر عن صاحبه صدورا تلقائيا وأن يخرج الأديب عمله شفاها وأن يرتجله

ارتجالا وقد شاهدت بنفسي أعمالا شعرية غربية يقوم بها شعراء العرب في بادية سيناء ، وحضرت مساجلاتهم التي تدل في مقدرة غريبة في باطن الشاعر ليظهر عمله بالبداهة وفي غير استعداد ، رأيت أشياء من هذا القبل تكفي لاقناع أشد المنكرين بوجود ملكة عجيبة في باطن الشاعر تجعله يأتي بالكلام الموزون في غير مناسبة وكأنه يقرأ من كتاب مفتوح . فالشاعر يتمتع بمقدرة فائقة من هذا القبيل ولديه من المران ما يكفي لأن ينظم لك أبياتا عشرين وأربعين دون تلجلج أو تلعثم ودون تحضير أو إعداد . ولكننى مع هذا كله أوقن في قرارة نفسى بأن الشعر وليد صناعة فنية وأن العمل الأدب لابد وأن يخضع لعمليات شعورية ولعمليات عقلية ولعمليات أدائية حتى يستحق أن يطلق عليه اسم العمل الفني ؛ بل أستطيع أن أذهب إلى عكس ما يقوله الناس من أن العمل الأدنى الممتاز يأتي عن طبيعة . فأصرح بأن أي نوع من أنواع الفن والأدب لا يوصف بالامتياز إلا عند ما يخضع لصناعة فنية معينة وتجرى عليه قواعد الصياغة .

وأتذلك اخذ من التكلف والعمق دليلا علي الامتياز والحودة وأعدهما مبررا كافيا لرفع وتفضيل عمل أدبى على سواء . أما ما يقال من أن أدبا ما هو من نتاج العقل وأن لونا آخر هو من نتاج الشعور فليس له أى سند من فكر أو واقع ؛ لأن الأديب ينتج عمله نظير أن تكون الملكة في ذهنه غلبة على سواها ، وإذا أخرج فنا فإنما محرجه بكيانه كله . بعقله وروحه ووجدانه . بشعوره ، وفكره وعاطفته . بلحمه ودمه وعظامه . فالعمل الأدبي الناتج . إنما هو مزيج من عاطفة وعقل وخليط من شعور وفكر . وهو بعد هذا كله - أو قبل هذا كله - تركيب مائل من عظام وروح .

ولهذا يصعب القول - ولعله مستحيل - بأن الذوق شئ والفهم شئ آخر . فهما في الحقيقة عملية واحدة ، بحيث يمكن ان أتذوق قصيدة بالعقل وأن أفهم قصيدة بشعورى . وخذ لذلك مثلا . من ذا يمكنه أن يقيم لفرقة ظاهرة بين العقل والشعور أو بين الدوق والفهم عندما يقرأ شاعرا مثل شكسبير أو ابن الروعي . وعندما يتطلع في تمثيلية من تمثيليات جان أندوى أو يوناورشو . هنالك في قمم الآداب الرفيعة يستحيل على الإنسان أن يجد نفسه مقسما بين نوازع

ودوافع شتى ، وقلما يعتمد على ملكة واحدة من ملكاته البشرية لتقدير الأعمال الفنية ومعرفة قيمتها الصحيحة . والشئ الذي أقطع به هو أن تقديري لعمل أدبى لا يبدأ في الهبوط إلا عند ما أجد نفسي مضطرا إلى الاستغناء عن قوة من قواي الروحية وملكة من ملكات ذاتي أثناء تمشى فيه وقراءتي له .

وتستطيع أن تأخذ لذلك مثلا من أشعار الشعراء لنري مصداق هذه التجربة الفنية . فشتان بين أبيات تستثير فيك معاني الطرب وتلهب فيك وقدة الشعور وتؤلب عليك دواهي الفكر ، وأبيات لا تعدو أن تحرك شجا أو تهيج عاطفة . خذ مثلا أبيات بشار المشهورة في ربابة جاريته :

ربابة ربة البيت نتصب الخل في الزيت

لها عشر دجاجات وديك حسن الصوت

ثم تمعن بعد ذلك في أبياته التي يقول فيها :

دعيني أصب من متعة قبل رقدة

تكاد لها نفس الشقيق تزول

وإنى لأتى الأمر أعرف غيته

مرارا ، وحلمى في الرجال أصيل

ولما رأيت الدار وحشا بها المها

تزود ، وخيطان النعام تجول

ذكرت بها عيشا وقلت لصاحبى

كأن لم يكن ما كان ، حين يزول

بدا لى أن الدهر يقدح في الصفا

وأن بقائى ، حين حييت ، قليل

أقول لقلبى وهو يرنو إلى الصبا

علام التصابى والحوادث غول

لعلك ترجو أن تعيش مخلدا

أبى ذلك شبان لنا وكهول

فأقل نظرة إلي الأبيات الأولى والأبيات الثانية من شأنها أن تكشف لك حقيقة الإحساس الذي يشتمل على نفسية القارئ ساعة اطلاعه على أثر فنى ويبدو واضحا أن مقدار ما يعتمد عليه القارئ من قوى ذاتية لفهم الآبيات الأولى وتذوقها ليس هو نفسه الذي يعول عليه إيزاء الآبيات الثانية . فهاهنا في الأبيات الأخيرة تجد عاطفة وتجد فكرا وتجد تقرأ أبياتا وحيرة روح . وإذا شئت أن تنظر إليها بمقياس الفائذين بالذوق أو بالفهم . بالذهن أو بالعاطفة ،

بالعقل أو بالشعور ، فتيقن من أنك لن تصل إلى شىء ذى قيمة ، وأنك ستظل حائرا بهذه التقسيمات التي لا تصلح لتقويم أثر فنى إلا من وجهة النظر البسيطة الساذجة .

وأقدم بعد هذا علي الآثار الشعرية المشهورة وانظركم تحتاج من المعارف والملكات كما تزنها الوزن الصحيح وتقدرها حق قدرها ، وتساءل معي هما يصير إليه شاعر كأبي العلاء أو المتنبي أو بول فالري أو العقاد أو كواريدج أو إليوت إذا أقبلنا على دراسته بالعاطفة وحدها أو بالعقل وحده أو بملكة خاصة من ملكات الدماغ ؟ ! يصعب على الخيال - فضلا عن الفكر - أن يتصور إخضاع أمثال هؤلاء الشعراء لقاعدة بعينها ووزتنم حسب ميزان خاص وتقديرهم تبعا لوجهة نظر باللذات .

وليست المسألة - كما قد يبدو من المثالين السابقين - مسألة مجال تنصب فيه القصيدة أو معنى تدور حوله أو غرض تذاع من أجله ، نعم ليست المسألة مسألة موضوعات وأبواب بتناولها الشاعر دون سواها ويطرقها دون غيرها ؛ فمن السهل جدا أن تلمس عناصر الفكر في أبسط الأغراض وأرفعها عند الشاعر الذي يوزع نفسه بين عقل وعاطفة أو لا يدعي - بمعنى أصح - أنه من أنصار العقل أو أنصار العاطفة ، وقد يتناول الشاعر أبسط الأغراض وأقربها إلي عقول الناس وأفهامهم . ولا يقصر مع ذلك في الموازنة بين ملكاته وفي إيجاد التناسق بين قواه عندما تتبدي في نصيره الفنى ، ها هنا مثلا قصيدة عابرة تحت عنوان (( امرأة )) ليبقى الشاعر الألمانى :

لقد أحب كل منهما الآخر حبا يفوق التصور .

كانت بغير عمل منتظم . أما هو قلمى

عند ما كان يخدع الجمهور بألاعيبه .

تقلبت في فراشها .. وضحكت بصوت عال .

ثم ذهب اليوم بلهوه ومتعته .

وفي الليل رقدت فوق صدره !

وعند ما ساقوه إلى السجن أكدت

أن هذه هى أروع الكات . وضحكت بصوت عال .

وبعث إليها خطابا يقول : "(( آه تعالى

إننى أرنو إليك في النهار والليل .

وأبكي من أجلك إذ خبا قلبي ))

فهزت رأسها . وضحكت بصوت عال .

في السادسة صباحا شنقوه عاليا . وفي السابعة كان يرقد في القبر العميق : ولم تمض عليه أكثر من ساعة فى أكفانه .

حتى احتست النبيذ الأحمر . . وضحكت بصوت عال . يتعذر عليك تذوقها بالعاطفة وحدها ويصعب عليك فهمها بالعقل وحده ؛ وعليك أن تواجهها مواجهة ذاتية يأذلا جهودك بأكلها كما تقف على جمالها المعنوي وتدرك روحها وتعرف مدى براعة الشاعر فى صياغتها وسكها .

يبقي بعد هذا أن نشير إلي مدى خطورة هذه الآراء التي يذيعها بعض النقاد فيما يتعلق بالعمل الفني ، فهم يصنعون مقابلات لا بمعنى لها في صناعة الشعر إلا من حيث يخيل إليهم أنهم وحدهم أصحاب السلطان في دولة الأدب . فكلمة الصناعة والتكلف إنما وضعوها خصيصا لتخويف الشاعر المسكين وليشعروه دائما بأنه تحت رحمة مقالاتهم في التأييد أو الانتقاص من حيث يدري ولا يدري ، وكملة الذوق والعاطفة وكلمة الفهم والذهن لا محل لها في الصناعة الشعرية الفنية طلما دخلت في حدود التعريف الخاص بالأدب البحت . والناقد هو الرجل الأمين الذي استطاع أن يتزود بأكبر طاقة ممكنة وأن يعد ملكاته إعدادا يؤهله لأن يتذوق ، ويفهم وبشعر في وقت واحد . ومن الملاحظ - ولعله ليس مصادفة - أن عباقرة العالم جميعا ، ولو لم يكن الأدب صناعتهم الخاصة ، قد اشتركوا في النقد الأدبي وأثر عنهم كلام كثير في هذا المضمار . والقراء يذكرون ولا شك كتاب الناقد المعروف الأستاذ لأسل أبر كرومى . ذلك الكتاب الذي ترجمته ونشرته لجنة التأليف والذي يكاد يتعرض - في أغلب صفحاته - لنظريات أرسطو عن الشعر . فأرسطو وشوبنهور ونيتشة كلهم مفكر وكلهم - مع ذلك - قد اشترك في النقد الأدبى ، وخلف تراثا خالدا في وزن الأعمال الفنية وتقديرها .

ومن ذلك يتبدي لنا أولا أن الاعتذار بالعاطفية لدى الشعراء لا يمنع من لوم الابتذال والتفاهة ، ولا يحول دون مؤاخذة أولئك الذين تغلب عليهم موجة الطراوة ، بحجة أنهم

( البقية على الصفحة التالية )

يحاولون إرضاء الذوق وحده . كذلك لا معنى - ثانيا - للخوف من دعوي الصنعة والتكاتف . فهي دعوى مشرفة ، بل ولعلها أدعى إلي الزهو والافتخار طالما كانت تعني جهدا مبذولا وعناية معطاة ؛ ومن جهة ثالثة أريد أن يقضى بعض الناس ما علق بأذهانهم من الأوهام فيها يتعلق بالأدب وصناعة الشعر . فإنهم موغلون بذلك في اتجاهات ليس لها سند من رأي أو من نظر ، وأشد ما يحتاجون إليه في هذه الآونة هو التبصر في نتائج ما يذهبون في تأييده أو في إنكاره ، ومسئولية الناقد إنما تظهر كما انحرفت الأفهام في تقديرها إلي هذا الحد أو ما يشابهه ،

اشترك في نشرتنا البريدية