خيل إلى كثيرين من دارسي الأدب العربي وناقديه في العصر الحديث ، بصدد محاولة استقصاء أسباب تخلفه عن الآداب الغربية ، أن السبب راجع إلى إفراط الشعراء في المديح إفراطا غطي على غيره من الأغراض الشعرية ، حتى لتكاد تقدر المدح في الشعر العربي كله بنصفه إن لم يزد ، وذهب هؤلاء ، الدارسون والنقاد إلى تقدير الجناية التي أصابت الشعر العربي من جراء طغيان المدح عليه بمقدار ما تجني المادة على كل شئ يستلزم فيه الروح والبعد عن المادة .
وقد يبدو أن مزعم هؤلاء الناقدين مزعم سليم في مقدماته وفيما انتهى إليه من نتائج . ذلك أنه ليس بمجحود أن الشاعر حين يمدح لا يمدح عن شعور صادق أو إحساس قوى يجيش بصدره ، وإنما يمدح لحاجته إلى عطايا الممدوح أو خوفه من بطشه ، وإن هذا الشعور ليس من شأنه أن يخرج لنا شعرا لنبدي فيه روعة الشعور الحى وجمال الإحساس الفياض ، وكيف تتبدى وليس شعور وليس إحساس ! . . وليس صعبا على مطلع على الشعر العربي أن يورد لك من الأمثلة ما يؤيد هذا الزعم ويقوى تلك الحجة ؛ فكم من شاعر مدح شخصا حتى لتخال أنه بطله الذي يتخيله وتصوره له الأحلام ، ثم طلب منه العطاء طلبا صريحا ، فإن تأخر عنه العطاء أو انقطع عاد طريقه ليتخذ طريق المدح علها مجدية في ابتزاز الأموال وسد مطالب العيش . وغير بعيد عن الذهن قول جرير :
سأشكر إن رددت إلى رجي وأنبت القوادم في جناحي
من قصيدته التي مطلعها :
أتصحو أم فؤادك غير صاح عشية هم صحبك بالرواح
والتي عد النقاد كثيرا من أبياتها عيونا من عيون الشعر العربي ، وهي بعد ليست إلا أبياتا يريد بها صاحها أن يصل
إلى ما صرح به مما يرد إليه الريش وينبت في جناحيه القوادم والخوافي . .
هذا ما ذهبت إليه طائفة من النقاد والأدباء منذ كانت في مصر دراسة حديثة للأدب والنقد . وجاء الأستاذ أحمد أمين فكتب في عدد من أعداد الثقافة دفاعا عن مسلكه في دراسة الآداب وعقيدته التي لم تتغير طوال فترة عالج فيها الكتابة نرجو أن تمتد حين قال : " وفي الأدب ناديت بأن أكثر أدبنا من باب المديح هو أدب معدة لا أدب روح . "
وقد قرع هؤلاء المناصرون لهذا الرأي على رأيهم وجوب نبذ المدح من الشعر العربي ، وتمنوا لو خلص الشعر من هذا الباب السقيم ، إذ سيكون عندهم خالصا من باب كله نفاق ، خال من الروح الشاعرى السليم والإحساس الفنى الجميل .
نقول إن هذا القول قد يبدو سديد المنطق عند الوهلة الأولى ، إلا أننا في الوقت نفسه لا نجد له عند التنعم في دراسة النصوص العربية ما يؤيده ، بل على النقيض نجد ما يؤيد سواه . ذلك أننا مع تقديرنا لما يحتويه المدح في الشعر العربي من نفاق لا نستطيع أن نتجاهل حقيقتين :
أولاهما : دراسة البيئة العربية . ثانيتهما : حصر أبيات المديح في قصائد المدح العربية . والحقيقة الأولى تدلنا على أن تلك البيئة لم تكن لتساعد على تقدم الفن الشعرى على سبيل آخر غير سبيل المدح ، وأن المدح قد ساعد هذا الفن مساعدة جليلة .
والحقيفة الثانية تدلنا على أن الشاعر حين ينظم القصيدة في المدح كان يجدها متنفسا له يضمنها أحاسيسه المختلفة ، ولذلك ضمت قصيدة المدح العربية أغراضا غير المدح ، ضمت غزلا ، وضمت وصفا ، وضمت دفاعا عن مذاهب ودعاوي لمبادئ . وأن مكان المدح فيها كان قليلا بحيث نستطيع أن
تسقطه فنجد أمامنا شعرا مليئا بالتعبيرات الحية والأحاسيس الصادقة . انظر إلى قصيدة أبي الطبيب المتنبي التي ابتدأها بقوله :
*
أرق على أرق ومثلي يأرق وجوي يزيد وعبرة تترقرق
جهد الصبابة أن يكون كما أرى عين مستهدة وقلب يخفق
مالاح برق أو ترنم طائر إلا اتيت ولى فؤاد شيق
أو استمع إلى قصيدة البحتري التي يبتدئها بقوله :
أأفاق صب من هوي فأفيقا أم خان عهدا أم أطاع صديقا
إن السلو كما زعمت لراحة لو راح قلبي للسلو مطيقا
أو إلى قصيدته في عزاء ابن حميد الطوسي التي يبتدئها بقوله :
ظلم الدهر فيكم وأساء فعزاء بني حميد عزاء
والتي فيها :
ولعمرى ما العجز عندي إلا أن تبيت الرجال تبكي النساء
وأبيات اخرى يشرح بها وجهة نظره في هذا الصدد . أو إلى قصيدة مروان بن أبى حفصة التي مطلعها :
طرقتك زائرة في خيالها بيضاء تخلط بالدلال جمالها
قادت فؤادك فاستفاد ومثلها قاد القلوب إلى الهوى فأمالها
والتي يدافع فيها عن حق العباسيين في الخلافة ، وبطلان مزاعم العلويين فيها .
انظر إلي كل هذه القصائد وهي لشعراء من عصور مختلفة وبيئات مختلفة ، وانظر إلى كثير غيرها من قصائد المديح ولاحظ ما فيها من أبيات المديح وما فيها من أبيات لم تكن داخلة في باب المدح ، ثم قارن بين أبيات الطائفة الأولى وأبيات الطائفة الثانية ، ستجد أن هذه الطائفة الثانية كافية لأن تسمى القصيدة باسم آخر غير اسم المدح وبأن فيها من الفن الشعرى ما هو ثمين بتقدير القصيدة كلها والتجاوز عن أبيات جاءت فيها خالية من الإحساس الصادق والشعور الحي .
فعلى الذين يحاولون أن يحكموا على المدح في الشعر العربي أن يقدروا هذه الحقيقة وأن يحكموا عليه بعد استقراء النصوص وفرز ما كان منها مديحا خالصا وما كان منها حاشية للمدح وليس هو من المدح في شئ ؛ وهم حين ذاك لابد مقدرون أن المدح في الشعر العربي ليس كثيرا وإنما هو ذو
نطاق ضيق ومكان محدود ، وان يصير كبير النطاق فسيح المكان إلا إذا أصررنا على عد القصيدة كلها مديحا لأنها قيلت في المدح ، غير مقدرين أبياتها بيتا بيتا ولا مقدرين أن الشاعر حين يتغزل في مطلع القصيدة أو يصف مثلا إنما يكون مستقلا في شعوره عن المدح ، ويجئ شعره في الغالب مستقلا عن ذلك الذي قاله في المديح .
أفلنا أن نقول إن المديح كان مفيدا وجوده في الشعر العربي ، وانه لولا وجوده لما وجد في الشعر العربي من الفن الشعري ما وجد فيه ؟ .
نحن لا نشك أن الطاقة الشعرية الكامنة في نفس الشاعر لابد باحثة عن متنفس لها ، وأنها لا تطيق أن تقبع في تلك النفس مكتومة الأنفاس لا تستطيع ولا تملك حرا كا ، فإن أنت سددت عليها بابا من أبواب الخروج فإنها واجدة لها بابا آخر تخرج منه في صورة قصيدة تغير غرضها ، ونحن على عدم شكنا فيما قدمنا لا نستطيع أن نذهب إلى أن الحال ستكون واحدة وإن اختلف المحيط الخارجي ضيقا وسعة ! فتبقى الطاقة على ما هي عليه كثرت بواعث القول أو قلت ، فيستمر الشاعر ذا إنتاج واحد وإن قلت دواعي المقال واستجابة الجمهور لما يقول ؛ فإن الشاعر ككل فنان يحب أن يجد من غيره من الناس استجابة لما يقول ، ويحس حين ذاك بتأكيد لسانه يدفعه لأن يكثر من إنتاجه ويتجه به اتجاه الكمال والإتقان ، وعلى العكس هو يحاول أن يكبت دواعي القول وإن وجدت إن لم يجد من الناس مستمعيه استجابة لما يقول وحسن تفهم واستماع .
عقد الأستاذ العقاد في كتابه (ساعات بين الكتب )فصلا نقل فيه عن مجلة انجليزية استفتاء عقدته بين كبار الكتاب والشعراء عما دفعهم إلى المضى في إنتاجهم وشجعهم عليه . فكان إجماعهم على أن الدافع هو تشجيع الجمهور من القراء والناقدين لهم ، وإلى أن الفنان حين يلمس من جمهوره تشجيعا ومساعدة تتفتح أمامه آماد الإنتاج ويجاهد في سبيل الإتقان والوصول إلى ما يرنو إليه من ذؤابة المجد الفني .
ويكفينا هذا الاستطراد لتقرير ما نريد تقريره من أنه
ولو أن الطاقة الشعرية كانت ستظل علي ما هي عليه في نفوس الشعراء العرب رغم اختفاء فن المديح لعدم التشجيع عليه ، من جانب من يحوز مدحهم ، إلا أن الإنتاج لم يكن سبستمر بنفس القوة ونفس الغزارة . فالمديح من هذه الناحية لم يخلق الروح الشعري في نفوس الشعراء ، ولكنه قواها وأخذ بيد إنتاجها إلى الإتقان والكمال .
بقى أن نجيب عن سؤال لابد متردد الآن على ذهن القارئ وهو : لماذا لم يكن الذين شجعوا المدح وأغدقوا على الشعراء الذين مدحوهم بالعطايا والهبات مشجعين غير المدح من الأغراض الشعرية مانحين الشعراء إذا قالوا فيها هباتهم وعطاياهم ؟
نجيب على ذلك بتفصيل ما أشرنا إليه في صدر هذا المقال . من أن البيئة العربية لم تكن لتساعد على هذا التشجيع والبذل لغير المدح أو الهجاء من الأغراض ؛ ذلك أن العرب وقد كانت لهم عصبياتهم كانوا مشغوفين بالافتخار بها . وظلوا يلتمسون من الوسائل ما يعين على هذا التفاخر ، وأعانهم الشعر ، وقد كان سريع الانتشار بين الخاصة يجدون فيه إرضاء لذوقهم الأدبى الذي كانوا يعنون بتربيته عناية شديدة ، وبين العامة الذين كانوا يجدون فيه مادة للتهكم أحيانا أو مادة للدراسة أو مادة لاسترضاء جانب الحاكم والخروج من المآزق أمام أصحاب النفوذ
هذا من جهة ، ومن جهة اخرى فإن الممدوحين لم يكونوا يبذلون العطايا على روعة الشعر بقدر ما كانوا يبذلونها على المدح ، لأنهم لم يقصدوا أن يشجعوا الشعر عامة ، وإنما قصدوا أن يشجعوا المدح ويملأوا الأسواق والمجتمعات بأشعار تتغنى بمحامدهم والافتخار بما يمتازون أو بما هو مفروض أنهم يمتازون به . . روى الأغاني أن مروان بن أبى حفصة حين أراد أن ينشد المأمون قصيدته التى مطلعها :
طرقتك زائرة لحي خيالها بيضاء تخلط بالدلال جمالها
لم يقبل منه الإنشاد أولا ثم سمح له بالدخول والإنشاد غير مصغ إلى ما يقول حتى إذا سمع قوله :
هل تطمسون من السماء نجومها بأكفكم أو تسترون هلالها
إلي آخر الأبيات التي يدافع بها عن العباسيين وحقهم في الخلافة ، أخذ يحسن الإصغاء ، واستعاد إنشاد القصيدة من أولها ، فلم يكن دافع المأمون تقديره لروعة الشعر وجماله ، والقصيدة في مطلعها جميلة تستحق الإصغاء ، ويجمل بمن يسمعها أن يقدر كل بيت من أبياتها ؛ وقد أخذ الشعراء بدافع الحسد يتقولون على ابن أبى حفصة بزعمهم أنه اشتراها من أعرابى وأخذ يصلح من أبياتها عاما كاملا . وإنما استمع المأمون إلى القصيدة حين رأى فيها ما يؤيد ملكه ويرضى غرورا عنده وحبا للفخر والازدهاء . وقد كان كل أصحاب السلطان والممدوحون على وجه العموم مآمين ، همهم أن يسمعوا الإطراء قبل أن يكون همهم سماع الشعر الجيد .
نحن لا ننفي عن كثير من الخلفاء ذوقا شعريا حساسا جميلا وتفهما للأدب وبصيرة نافذة في النقد ، ولكننا نقرر أن ذوقهم هذا كان يتوارى حتى يظهر مدح في الشعر الذى يستمعون إليه فيبتدئ في الظهور ذوقهم وفي التأثير في يدهم حتى تسخو وتكثر من السخاء .
وهذه الصفة في ذوى المال والنفوذ خلقت طائفة من الشعراء لادخل لهم في الحياة إلا من قصيدة يقولونها مدحا أو بيت ينشدونه هجاء ، يستدرون به عطف هذا أو يخيفون به ذاك . حتى لقد بلغ الأمر بأبى دلامة أن أنشد معن بن زائدة عند عودته من صيد قوله :
إنى حلفت لئن رأيتك سالما بقرى العراق وأنت ذو وفر
لتصلين على النبي محمد ولتملأن دراهما حجري
هذه الطائفة تفرغت للشعر ، ولم يكن ممكا أن تتفرغ لولا عطايا الممدوحين ، الذين لم يكونوا ليعطوا وهم أصحاب الأموال في المجتمع إلا إذا مدحوا .
فكيف ، في مجتمع كهذا يمكن أن يتجه الشعراء لأغراض غير المدح فيجدوا المساعدة ممن تنتظر منهم المساعدة وكيف كنا نتوقع في الشعر العربي الجمال والرقي الفني إذا كان قد خلا من المديح ؟ . .

