-٤-
الغزل فى شعره
سألت شقيق الفقيد الأستاذ عبد الحميد طه عن مكانة المرأة فى حياته فكتب إلى يقول ( كان ينفر من الزواج وإن كان فكر فيه مراراً لأنه يعتبره كقيد قد يحد من هويته وعبقريته وحريته . فعاش حياته الدنيا كالطائر الطليق يحلق فى اجواء الطبيعة ويستشف أسرارها ومكنوناتها يتمتع بأطايبها حتى إذا ارتوت نفسه أخرجها الحاناً وسحراً ) .
ولم أجد أى دليل على أن علياً قد أحب الحب العنيف الذى يبتغيه الشاعر لذاته وللزعاته الموحية ، أو هذا الحب العفيف الذى يهدف إلى رباط مقدس ؛ بل كل ما علمت أنه خطب ابنة عم له ماتت قبل أن يقترن بها وليس لها فى شعره أثر ، ولعل هذه الخطبة تمت وفق تقاليد البيئة حينئذ ، أى خطبة رسمية يقوم بها سيدات الأسرة ولا دخل للزوجين بأمورها ، فكان طبعياً ألا يتأثر على طه بشخصية خطيبته تلك وألا تؤثر فى شعره .
وكل ما عرفته عن علاقاته الغرامية أنه كان على صلة لفترة ما بإحدى المطربات اللائى اشتغلن بالسينما المصرية ، كما انه استقدم معه فى إحدى رحلاته إحدى بنات الهوى من أوربا ، ولا أظن أن مثل هذه العلاقات كانت تروى روح الفقيد الظامئة إلى الحب .
إنى اعتقد أن علياً لم يلقى فى حياته المرأة التى تملأ فراغ قلبه وتشغفه حباً فيعشقها العشق العنيف ويسعى إليها سعياً حثيثاً ويطلب الاقتران منها ؛ وكانت البيئة هى العامل الأول فى هذا ، إذ استشعرفيها الحرمان ورأى فيها الحجب المضروبة بينه وبين المرأة ، فانصرف عنها وظل يروض نفسه على هذا الحرمان المقيت حتى إذا ما تخطى الثلاثين انطلق ينهل من اللذات ، وضاعفت رحلاته إلى أوربا من سعاره المادى فلم
يعد يرى فى المرأة إلا جسداً ولذة ، وحتى عندما يحاول أن يتسامى فى شعره عن هذه المادية تجذبه متع الجسد إليها فيهوى من سمائه يتنفس هذه اللذة :
بإحبيبى أقبل الليل ونادانى الغرام ( ١ )
أى سر لمحب لم يصوره الظلام
كل نجم مهجة تهفو وعين لا تنام
وشعاع البدر معشوق به جن الغمام
بإحبيبى كل عيش ماخلا الحب حرام
وحرام يا حبيبى
ياحبيبى سئم الليل سكوتى واكتئابى
أنا أهواك ولكن أنت لا تعلم مابى
لحظة بين ذراعيك فقد طال عذابى
لحظة امزج أنفاسك بالقلب المذاب
وأغنى ويغنى لك حبى وشبابى
وسلام يا حبيبى
لكنه عند بحيرة كومو لا يرى فى صاحبته إلا كل ما يثير فى نفسه الرغبة الجامحة وإلا نداء صارخاً للمتعة :
نحن روحان عاصفان وجسمان من صقر
فاعذرى الروح إن طغى واعذرى الجسم إن ثأر
نضبت خمر بابل وهوى الكأس وانكسر
و هنا كرمة الخلود فطوبى لمن عصر
فيم و النبع دافق يشتكى الظامئ الصدر ؟
و لمن هذه العيون تغمرن بالحور ؟
و لمن توشك الثدى وثبة الطير فى السحر ؟
كل إلف لإلفه هم بالصدر وابتدر
عض فى الثوب واشتكى وطأة الحز و الوبر
سمة الطير المعذب فى قيده نقر
و لمن رقت المباسم واسترسل الشعر ؟
ثمر ناضج الجنى كيف لا تقطف الثمر
ما أبى الخلد آدم أو غوى فيه أو عثر
وفى شاطئ لوسرن بسويسرا يتحدث عن صديقته فى حوار شعرى جميل معترفاً بأن الحرمان هو سر سورته العاطفية المشبوبة .
أغانيه
إن أغانى على طه تسلكه فى عداد كبار الشعراء ، وفى مقدمة الشعراء المعاصرين ، لما ظفرت به من نجاح عظيم ، مرجعه ما امتازت به من سهولة التراكيب وعذوبتها وموسيقيتها ولما اتسمت به من طابع حزين يوائم البيئة .. مثل هذه الأسطر من أغنيته المشهورة " الجندول "
أين من عينى هاتيك المجالى
يا عروس البحر يا حلم الخيال
أين عشاقك سمار الليالى
أين من واديك يا مهد الجمال
موكب الغيد وعيد الكرنفال
وسرى الجندول فى عرض القتال
أنا من ضيع فى الأوهام عمره
نسى التاريخ أو أنسى ذكره
غير يوم لم يعد يذكر غيره
يوم أن قابلته أول مرة
إن الموسيقار (١) الذى لحنها موسيقار حزين النغم دائماً يشارك على طه فى الاستجابة لمزاج البيئة ، وقد وضع ألحان أغنية أخرى لعلى طه " كليوبترة " وهى صورة خيالية لحلم جميل لليلة من ليالى الملكة العظيمة : -
حلم عذراء دعاها حبها ذات مساء
فتغنت بشراع من خيال الشعراء
ياحبيبى هذه ليلة حبى
آه لو شاركتنى أفراح قلبى !
يا ضفاف النيل بالله وياخضر الروابى
هل رأيتن على النهر فتى غض الإهاب
أسمر الجبهة كالخمرة فى النور المذاب
سابحاً فى زورق من صنع أحلام الشباب ؟
إن يكن مرً وحيًا من بعيد أو قريب
فصفيه وأعيدى وصفه فهو حبيبى
يا حبيبى هذه ليلة حبى
آه لو شاركتنى أفراح قلبى !
كما تمتاز هذه الأغانى بالرقة المفرطة ، فاستمع إليه فى قصيدته " عاشقة "يعرض شكاتها على لسانه فى رقة تهز أوتار القلوب :
يا حبيبى غنت الفرحة فى كل مكان
فهنا البلبل يشدو وهناك العاشقان
غير أنى أشتكى الوحشة فى ظل التدانى
إنما روحك فى الكون وروحى توأمان
لا تدعنى أقطع الأيام وحدى وأعانى
فحرام يا حبيبى
وعلى طه بعد ذلك يقدم للناس فى هذه الأغانى صوراً عصرية مما يعرفونه ، ويشاهدونه ويفهمون مراميه ويتذوقون حلاوته ويتمنون الظفر بها :
إذا ارتقى البدر صفحة النهر
وضمنا فيه زورق يجرى
وداعبت نسمة من العطر
على محياك خصلة الشعر
حسوتها قبلة من الجمر
جن جنونى لها وما أدرى :
أى معانى الفتون والسحر
ثغرك أوحى بها إلى ثغرى
أعماله
كان على طه شاعراً مقلا لكن القليل الذى قاله إذا وزن بميزان الشعر رجح الكثير مما قاله غيره .
وقد عنى على طه فى نشر دواوينه بطبعها طبعاً أنيقاً
وإخراجها إخراجاً فنياً رائعاً من حيث تنسيقها وتصويرها ؛ ومن الممكن ضم جميع أعماله فى مجلد واحد ، وإنى لأرجو أن يتحقق ذلك حتى يسهل على من يريد دراسته الإلمام به فى يسر وسهولة .
وما أرجوه ليس بدعاً ، بل كثير من الشعراء جمعت أعمالهم فى كتب موحدة . ومهما بلغت ضخامة أعمال على طه . فلن تكون فى حجم أعمال شكسبير مثلا وقد ضمتها دفنا كتاب واحد .
لقد كتب على طه من دواوين الشعر :
١ - الملاح التائه . ٢ - ليالى الملاح التائه . ٣ - أرواح وأشباح . ٤ - زهر وخمر .
٥ - أغنية الرياح الأربع ٦ - شرق وغرب . ٧ - الشوق العائد
٨ - أرواح شاردة وهو يحتوى على نثر وشعر .
كما نشرت له دار النداء بعد وفاته كتاب "حب وحرب " وهو مجموعة من المقالات والقصائد والمقطوعات المترجمة التى نشرت بمجلة النداء .
والكثير من شعره ترجمه : المستشرق الأستاذ برانكبرى Pr. Brackcabury إلى الإنجليزية .
رحم الله على طه ذلك الشاعر الذى صور بيئته أصدق تصوير وعاش حياته كما رسمها فى شعره . . فى حيرة دائمة : هو المرح الشارد المستهام شرود الفراشة عند المساء
