الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 679 الرجوع إلى "الثقافة"

دراسة أدبية :, على محمود طه

Share

فاستمع إليه يقدم لقصيدته " التمثال " نثراً فيقول : " الإنسان صانع الأمل ينحت تمثاله من قلبه ومن روحه ، ولا يزال عاكفا عليه يبدع في تصويره وصقله متخيلا فيه الحياة ومرحها وجمالها ، ولكن الزمن يمضى ولا يزال تمثاله طيناً جامداً أو حجراً أصم ، حتى تخمد وقدة الشباب في دم الصانع الطامح وتشعره السنون بالعجز والضعف ، فيفزع إلى معبد احلامه هاتفاً بتمثاله . ولكن التمثال لا يتحرك ولكن الحلم الجميل لا يتحقق ، وهكذا تجتاح الليالي ذلك المعبد وتعصف بالتمثال فيهوي حطاما ، وهنا يصر خ اليأس الإنساني ويمضى القدر في عمله "

ويصرح الشاعر حقا في ختام القصيدة مصورا أقصي درجات اليأس من هذه الحياة الدنيا : .

مر نور الضحى على آدمي ... مطرق في اختلاجة المصعوق

في يديه حطامه الأمل الذا ... هب في ميعه الصبا المرموق

واجما أطبق الأسى شفتيه ... غير صوت عبر الحياة طليق

صاح بالشمس: لا يرعك عذابي ... فاسكبي النار في دمي وأريقي

نارك المشتهاة أندى على القلب وأحنى من الفؤاد الشفيق  فخذي الجسم حفنة من رماد   وخذي الروح شعلة من حريق جن قلبي فما يرى دمه القاني على خنجر القضاء الرقيق  وفي هذه البيئة المنطوية على نفسها المترددة في خطوها ونهوضها المتحفظة في أوضاعها يلجأ الشاعر إلي الطبيعة يبثها آلامه ويشكو لها أحزانه ويتخذها رفيقا حناناً يهجع بين أحضانها وينسى أشجانه بين رياضها وأفنانها ويتفانى في حبها ، فاستمع إليه في نفس القصيدة يقول وقد اتخذ من الطبيعة رفاقاً وشهوداً وأصحابا بل وأما حانية عليه : -

أقبل الليل واتخذت طريقي      لك والنجم مؤنسي ورفيقي

وتوارى النهار خلف ستار      شفقي من الغمام رقيق

مد طير السماء فيه جناحا          كشراع في لجة من عقيق

هو مثلي حيران يضرب في الليل ويجتاز كل واد سحيق

عاد من رحلة الحياة كما عد       ت وكل لوكره في طريق

شهد النجم كم أخذت من الرو      عة عنه ومن صفاء البريق

شهد الطير كم سكبت أغانيه       على مسمعيك سكب الرحيق

شهد الكرم كم عصرت جناه       وملأت الكؤوس من إبريقي

شهد البر ما تركت من الغار      على معطف الربيع الوريق

شهد البحر لم أدع فيه من در      جدير بمفرقيك خليق

ولقد حير الطبيعة إسرا             ئي لها كل ليلة وطروقي

واقتحامي الضحى عليها كراع    أسيوي أو صائد أفريقي

أو إله مجنح يتراءى                في أساطير شاعر إغريقي

قلت لا تعجبي فما أنا إلا           شبح لج في الخفاء الوثيق

أنا يا أم صانع الأمل الضا        حك في صورة الغد المرموق

أما الخيال فهو من أدوات الشعر التي لا يستغني عنها شاعر في الوجود ، غير أنه يختلف قوة وضعفا من شاعر لآخر ، وقد كان عند على طه في أوج قوته ورائع عظمته ، يسبح به في عوالم من الرؤي والأحلام الجميلة ، ويحلق به في آفاق رحية من دنيا الابتداع فيأتي لنا بالعجيب من الصور والمبتكر من الفنون كملحمته الشعرية " أرواح وأشباح وهي كتاب أفرده لحوار من الشعر بين آلهة الإغريق القدماء في عالم الأرواح وبين شخصيات خرافية وآلهة شرقية وحد بينها هذا الحوار الذي رمي إلى تصوير حياة الشاعر ومصادر إلهامه .

وفي ديوانه " زهر وحمر " يقدم لنا في قصيدته " حانة الشعراء " صورة مماثلة رائعة الخيال تجمع بين السمراء والبيضاء وبين ساكنة الأرض وساكنة السماء ، وقد تعمد أن يجعل أهل الفن يقبلون على فن راقصة زنجية معجبين فتحنق فينوس ربة الجمال لانصرافهم عنها ، وهو

في كل ذلك يرمز إلى الصراع القائم والذي ازداد عنفا في عصرنا الحالي بين أرستقراطية الفن والإتجاه به نحو الجماهير لمحاولة السمو بأذواقها . . فاستمع إلي بعض ما قال : -

هي حانة شتى عجائبها        معروشة بالزهر والقصب

في ظلة باتت تداعبها          أنفاس ليل مقمر السحب

(باخوش) فيها وهو صاحبها     لم يخل حين أفاق من عجب

إبريقه حلى من الدرر           يزهي به قدح من الماس

وكان ما حوليه من صور      متحركات ذات أنفاس

تركت مواضعها من الأطر    ومشت له في شبه أعراس

او تلك حانته؟ فوا عجبا!          أم صنع أحلام وأهواء؟

ومن الخيال أهل واقتربا            (فينوس) خارجة من الماء

في موكب يتمثل الطربا             ويميل من سحر وإغراء

وبكل ناحية فتى وثبا                 متعلقاً بذراع حسناء

ولم يقتصر أثر البيئة على شاعرنا في توجيه مطالعاته نحو الثقافة اللاتينية ومتابعة كبار أدباء عصره كمطران والزيات وغيرهما ، بل نراه يبالغ في اقتفاء آثار هذه الثقافة وخطوات هؤلاء الأدباء ، فيحن إلى ارتياد منابع هذه الثقافة والنهل منها ؛ وما إن تتيسر له أسباب الرحلة حتى يبادر بالسفر إلى أوربا فيرتادها عام ١٩٣٣ ويعاود السفر إليها أربع مرات اخر في عام ١٩٣٦ و ١٩٤٨،١٩٤٦،١٩٣٩ وقد أعلنت الحرب العالمية الثانية وهو في ألمانيا عام ١٩٣٩ ولعله في رحلانه إلى أوربا قد فكر أيضا في الابتعاد عن قيود البيئة والتطلع إلى ما فاته في وطنه من أسباب اللهو والملذات التي تحوطها في مصر بعض القيود والمواضعات .

ولقد ظهرت آثار هذه الرحلات في شعره وانتشرت صورها في دواوينه ، وأول ما انطبع في مخيلة الشاعر هو الفارق في نظره بين ما رأى من جمال الطبيعة والإنسان هناك وما خلفه وراءه في وطنه ، فذهب يقارن بينهما في قصيدته عن بحيرة كومو بوادي اللمباردي الإيطالي .

شاعر النيل طف بها      غنها كل مبتكر

الثلاثون قد مضت      في التفاهات والهذر

فتزود من النعيم    لأيامك الأخر

أين وادي النخيل  أم  قاهرياته الغرر

لا تقل أخصب الثرى    فهنا أورق الحجر

وتنتهي به هذه المقارنة إلى تمني الهجرة من وطنه إلى هذه المرابع الجميلة لولا أحبة بشاطئ النيل حبهم أقوي من هذه الأمنية وآثار راحلين أعزاء .

آه لولا أحبة        نزلوا شاطئ النهر

ورفات مطهر       وكريم من السير

لتنميت شرفة         لي في هذه الحجر

أقطع العمر عندها    غير وان عن النظر

فلقد فاز من رأي      ولقد عاش من ظفر

أجل لقد فاز من رأى لكن الذي يظفر ببغيته هو الذي عاش حياته حقا . . وعلي طه يحس وقد تخطى الثلاثين أنه قد أضاع العمر في وهم باطل وخيال لا طائل وراءه . . بينما هناك في أوربا حياة ومتعة ، فليسرع باغتنامهما قبل أن تضيع البقية الباقية من العمر ، ويكفيه ما قاساه من حرمان :

ليالي البحر في " كوبري "      أم الفتنه في البحر

وجنيات بحر الروم               أم دني من السحر

على شط من الأحلام       والانغام والزهر

تنفس جوها عطرا          يفضضه سنا البدر

أريج البرتقال به         ونفخ الضب النضر

أم الآلهة العشاق       بين الموج والصخر

أهلوا تحت أشرعة      نقل عرائس الشعر

نشاوي الحسن والنور    وبعض النور كالحمر

تشهد حين أبصرهم      محب موغر الصدر

أقام الدهر موفورا       من الحرمان والهجر

وإذا كان جمال " كابري " قد شغل جانباً من هذا القصيد فإنا نراه في أنشودة أخرى يفرغ نفسه كلها للحب ونشوته ويدعو رفاقه لاغتنام ساعته : -

يا رفاقي هذه الساعة من حلم الزمان

إن هذا زمن الحب فضجوا بالأغاني

ارفعوا الأقداح ملأي واشربوا نخب الحسان

فالربيع السمح يدعوكم   إلي أقرب حان

الربيع المرح الجذلان   يختال فخورا

إنه الحسن الذي يملأ بالحب الصدورا

كيف لانقطف منه   التمر الحلو النضيرا

أنت ايتها الشمس  املأي الأفاق نورا

ورغم هذه النشوة الغامرة التي يحسها الشاعر في تلك البيئة الجديدة والانطلاق إلي تحصيل المرح والحب فهو لا ينسي مصريته . بل نراه يعتز بقوميته ووطنه فيخاطب صاحبته على بحيرة كومو بإيطاليا وهي أمريكية بقوله : -

يا ابنة العالم الجديد    صلي عالماً غبر

في دمى من تراثه       نفحة البدو والحضر

وأغان لمن شدا         ومعان لمن فخر!

لكن على طه الشاعر يرى في هذه البيئة الجديدة عليه أشباه أخرى غير ذلك . . إنه يحس أن هذه البيئة تطغي عليها المادة وتصبغ المادة جميع مظاهرها حتى أدبها . . لقد محى المذهب الابتداعي الذي يسود في وطنه الأصلي عن مكان الصدارة هنا وتغلب عليه مذهب جديد يوائم هذه البيئة بعد عام ١٩٣٠ . . لقد كانت الواقعية هي الغالبة في الأدب الأوربي عامة .

ولعل على طه قد اقتنع بأن المذهب الواقعي في الشعر والأدب هو الأنسب لتلك البيئة المادية ، وهو الأفضل لملائمة التطور العصري في مصر أيضا لأنه تطور نحو المادية يسير في اتجاه مضاد للخيال الابتداعي . لكنه عاش بعدها متردداً بين الطريقين حتى إن القصيدة الواحدة تحس إذا قرأتها بحيرة كاتبها هذه ؛ ففي قصيدته " راقصة الحان " تراه يصف الراقصة وصفا واقعيا رائعا وبنقل لنا صورة حية لرقصتها فيقول :

تَضُمُّ الوشاحَ وتُلْقِي بهِ       وفي خطوها عِزَّةٌ واختيالْ

تَمُدُّ يديْهَا وتَثْنيهِما               وترتدُّ في عِوَجٍ واعْتدالْ

كحوريَّة النَّبعِ تطوي الرِّشَاءَ   وتجذبُ ممتلئاتِ السِّجالْ

مُحَيَّرَةَ الطيفِ في مائجٍ        من النُّور يَغْمُرُهَا حَيْثُ جالْ

على إصْبعَيْ قَدَمٍ أُلْهِمَتْ    هبوبَ الصَّبَا ووثوبَ الغَزَالْ

وتُجْرِي ذِراعينِ منسابتينِ   كفرعينِ من جدولٍ في انثيالْ

كأنَّهما حولها تَرْسُمانِ      تقاطيعَ جسمٍ فريدِ المثالْ

تَلَوَّى وتسهو كَلُهَّابةٍ      تَراقصُ، قبل فناءِ الذُّبالْ

وتعلو وتهبطُ مثل الشراع  َرامَى الجنوبُ بهِ والشمالْ

وتعدو كأنَّ يدًا خلفها          تُعَذِبُها بسياطٍ طوالْ

وتزحفُ رافعةً وجهَها     ضراعةَ مستغفرٍ في ابتهالْ

وتسقط عانيةً للجبينِ     كقُمْرِيَّةٍ وَقَعَتْ في الحبالْ

والراقصة في اندفاعها في تمثيل هذا الدور لا تحس

الواقع حولها وما يعتلج في صدور النظارة من نهم ورغبة : فليست تحس اشتهاء النفوس وليست تحس عيون الرجال لكن الشاعر وسط هذا الواقع وفي هذا المشهد الحسى يرى بعين خياله ويعتقد أن لهذه الراقصة رسالة روحية سامية فيقول لنا : -

وليستْ تَرَى غير معبُودها   على عرشِهِ العبقريِّ الجلالْ

دَعَاها الهوى عِنْدَهُ للمُثُول   وما الفنُّ إلَّا هوًى وامتثالْ

وفي روحها نشوةٌ حلوةٌ      كمهجورةٍ مُنِّيَتْ بالوصالْ

ومع هذا فالشاعر يلح في هذه الواقعية الجديدة ويلقي بروحة في أنونها ويجد لذة في استجلاء صورها ، فتراه يقول في قصيدته ( الحية الخالدة "٢" ) واصفاً هذا اللقاء الجسدي العارم :

ولفت ذراعين كالحيتين          علي، وبي نشوة لم تطر

وقد قَربت فمها من فمي          كشقين من قبس مستعر

أشم بأنفاسها رغبة              ويهتف بي جفنها المنكسر

تبينت في صدرها مصرعي    وآخرةَ العاشق المنتحر

هو الحب ؛ لا … بل نداء الحياة

                              تلبيه أجسادنا الظامئة

يخف دمي لصداه الحبيب

                             وتدفعني القدرة الهازئة

لكنه بعد هذا الاندفاع نحو الواقعية ونحو النيل من الذات يحس اغترابا عن بيئته الحقيقية وتنكرا لطبعه الأصيل ، ويستشعر ندمأ بعد أن تأثر فيه حين عب من الخمر وتعذب شعوره حين اقترب من النار ، فيصبح :

أحمر ونار ؟ لقد ضاق بي        كياني وأوشك أن اختنق

أري ما أري ؟ لهبا ؟ بل أشم   رائحة الجسد المحترق !

ولقد كانت رحلاته إلي أوربا نقطة تحول في اتجاهه الشعري لا شك وبدأ لإيغاله في الواقعية الفنية التي انتهجها في الفترة الأخيرة من حياته . إلا أنه كثيرا ما يغلبه الطبع الأصيل فيرتد شاعرا رومانسيا في الكثير ، كما تجهده محاولة استحداث الإتجاه الواقعي فيأتينا بشعر تغلب عليه روح الصنعة والتهافت كقوله يحدث زهرات هيأها في بيته وكان على موعد مع فاتنة أخلفته : -

طال انتظاري ومضي موعدي     وأنت مثلي ترقبين المساء ( ١)

كم لك عندي في الهوي من يد      يا زهراتي أنت رمز الوفاء

عما قليل سوف تلقينه               أجمل ما تصبوا إليه العيون

يطرق بابي معلنا أنه               كل اصطبار في هواه يهون

أو كقوله :

تساتني حلوة المبسم       متي أنت قبلتني في فمي ؛ (١)

تحدثت عني وعن قبلة     فبالك من كاذب ملهم

ففلت أعابتها : بل نسيت  وفي الثغر كانت وفي المعصم

سلى شفتيك بما جستاه     من شفتي شاعر مغرم

( للبحث بقية )

اشترك في نشرتنا البريدية