يميل الانسان بطبيعته لرؤية الصور ، وهو يعمد عندما يعرض له كتاب ما، إلى مشاهدة صوره قبل الاهتمام بقراءته. وزيارة المعارض والمتاحف ظاهرة تتمشى مع تقدم الأمم فى المدنية ، وقد نص عليها في برامج الدراسة العصرية. وأنت إذا راقبت الناس وهم يمرون أمام الصور في معرض ما ليدرسوها ، تجد أن بعضهم يمر سريعاً والبعض يتمهل ، بينما يطيل البعض الآخر وقفته أمام الصور يتأملها في صمت وروعة ، وهم إذا تحدثوا ففى همس وخشوع فالناس جميعاً يحبون الصور ويهتمون بمشاهدتها ، ولكن أغلبهم يجهل كيف يدرسها ، ولا يدرى على أي أساس يصدر حكمه عليها . لذلك كان من الضروري لكل شخص أن يلم بأصول التصوير وقواعده، ليتسع أمامه المجال للاطلاع وفحص الصور ، وإصدار حكمه على قيمتها على أساس فني ثابت .
والمصور كالشاعر وكالموسيقى وككل فنان آخر ينشيء ويكون فهو يفكر ويعد موضوعه ، قبل أن يرسم الخطوط ، وهو يضع الألوان على نظام معين يكون له الأثر الذى يرجوه ، فكل صورة تراها هي نتيجة لبحث ودرس وتفكير وعمل ، قبل أن تعرض علينا في إطارها الأخـير
وهكذا كان إنشاء الصورة هو أهم قسط من عمل المصور، له أصول وقوانين معروفة ، ولكني قبل أن أتعرض لشرحها ، أحب أن أزيل لبساً وقع فيه الكثيرون فهذه القوانين لم تصدر عن فنانين معينين وفي وقت معين ، ولم يكن على بقية المصورين الذين جاءوا بعد ذلك أن يخضعوا
لها ويطبقوها ، بل كان الأمر على غير ذلك ، فقد صورت لوحات عظيمة قبل أن تعرف تلك القوانين ، وكان راسموها يجاهدون فى رسمها ، والجهاد يقتضى إعادة العمل مرات لتصحيح الأخطاء ، قبل أن يطمئنوا إلى نتيجة معينة وبعد أن تجمع للعالم ذلك العدد الوافر من تلك الصور القيمة ، ومن غيرها مما هو أقل جودة منها ، بدأ الفنانون والنقاد وهواة الفنون فى درس تلك الصور دراسة عميقة ، ليستخلصوا من الجيد منها ما يميزها عن سواها. وبذلك ظهرت تلك القوانين ، فهى استنتاج وليست تقنيناً على الوجه المعروف ، وقد سار على نحوها المصورون الآخرون .
الوحدة :
وجاء في كتاب The Elements Of Drawing تأليف چون رسكن الكاتب الفني الانجليزى الشهير : « إن المعنى الذى يقصد من إنشاء الصورة) ، هو الجمع بين عدة أشياء للحصول منها على (وحدة) معينة ) . فهذه الوحدة أو الحبكة في تعبير آخر ، هي العماد الأول لجودة الإنشاء في التصوير ومهما كانت براعة الصور في رسم مفردات صورته كل على حدة ، فلا يمكن أن تعد لوحته جيدة قيمة ، إلا إذا كانت في مجموعها مربوطة متحدة، فإن نظرت إليها عن بعد فوجدت أصولها مفككة منثورة ، كان ذلك سبباً كافياً لأن تصدر حكمك عليها بالضعف ونقص القيمة الفنية. ولنا في الطبيعة أسوة كبرى ، فهى تلك المجموعة الكبيرة المتحدة التآلفة المنظمة ، المكونة من وحدات فردية متقنة لا يكتمل العالم بدونها.
الاتزان :
وهناك ظاهرة أخرى عظيمة تتجلى في نواحي الطبيعة هى الانزان» ، فبينما تجد أن التماثل قليل الوجود في الطبيعة ، تجد أن الاتزان دائم الوجود فيها ، لاحظ ايران فصل ورقة شجرة على غيرها ، ثم اتران فروع شجرة وأغصانها على جذعها. ويحتفظ جسم الانسان بالاتزان
إذا رفعت إحدى الساقين ، فيميل الجذع جانباً خشية السقوط . إن هذا الاتزان هو كاتزان نعم الموسيقى ، واتزان قوافي الشعر والاتزان في بقية الفنون، وإن شئت تشبيهاً ملموساً لهذا الاتزان فهو ميزان القباني المعروف ، الذي تزن به أكبر تقل بتحريك صنجة معينة على ذراع الرافعة إلى أن يحدث الاتزان . انظر إلى صورة حقل الحنطة» (شكل ١)
تصوير كونستابل الإنجليزي معروضة بالمتحف الأهلى بلندن ، تجد مثلا رائعاً للاتزان المطلوب في التصوير، فتجد فيها كتلة من الأشجار على كل جانب ، وقد ظهرت بينهما مساحة أفقية من منظر الحقل المرسوم .
التشمع:
ونحن نعلم أن أشعة الشمس جميلة في تشمعها من
قرص الشمس ، كما أننا نجد نظام ذلك التشمع الجيل في مظاهر طبيعية أخرى ، كأصابع اليد فى الكف وخصوصاً عند بسطها ، وكأعصاب ورقة الشجرة ، فهى إما تتشعع من نقطة واحدة أو من العير ، وكغيرها . وأنت إذا نظرت إلى صورة جيدة الإنشاء، فإنك تلاحظ أمراً من اثنين : الأول هو أن ينجذب نظرك مباشرة إلى شيء معين فيها، ثم يتشمع منها ما يحيط به في جوانب
الصورة. والثانى أنك تجد نظرك موزعا على نواحي الصورة ، ثم إذا به يتجمع حتى ينصب على نقطة معينة فيها فيتركز عليها . والرحمان البيتان في ( شكل (٢) بينان شرحا عملياً للحالتين المذكورتين . ففى وسط الرسم الأول بقعة سوداء تحيط بها أشعة تستدق كما بعدت عنها ، فأول ما ننظر للشكل المذكور تلفت البقعة السوداء النظر في البداية ، ثم تتشمع منها
مع الأشعة المتفرعة للخارج في جميع الجهات . وفى الرسم الثاني تجد الوسط أبيض بينما تزداد الأشعة سمكة الخارج، وفى هذه الحالة تتجه أشعة نظرنا تدريجياً إلى ذلك الوسط الأبيض فتتركز فيه . فإذا عدنا الحقل الحنطة السابق رحمه ، وجدنا خطوط التشمع تخرج من البوابة الصغيرة الكائنة فى وسط الصورة ، فتمر بجانبي الطريق المرسوم والسياج، كما أن جذوع كتلني الشجر على
الجانبين تتشمع من تحت إلي فوق ، وكذلك فروع الأشجار . وبذلك فإن قانون" التشمع " مطبق في هذه الصورة تطبيقا وافيا .
التباين:
ويوجد في الطبيعة كثير من التباين» الذى يكسبها قوة ويزيدها بهجة ؛ فالشجرة مستديرة عند كتلة أغصانها ، مستطيلة عند جذعها ، والوردة ناعمة الملمس ، ولكنها ذات أشواك تدمى الأصابع. وتتباين تقوسات حدود الجبال مع خط الأفق وسطح الأرض الذى تتخطه الأشجار بسيقانها الرأسية العالية. كما أن اللون القائم تجاوره درجات من اللون الفاتح. ونحن نرى حمرة الورد ترافقها خضرة أغصانه ، وهكذا كانت سنة الطبيعة ، فالتباين من أهم قواعدها وأصولها ، وصورة كلها أعمدة أو أشجار ضعيفة التكوين تتشابه محتوياتها ، وهى تتحسن ببيان جزء من الأفق وجانب من الطريق. ونحن إذا رجعنا الصورة حقل الحنطة، رأينا أن الشكل الأفقى للحقل يعطينا تباينا جميلاً مع الاشجار العالية . كما أن القطع الخشبية الصغيرة المجاورة للطريق تتباين مع الاشكال المكورة لاجسام الغنم على أن الضوء والظل قد أجيد تصويرهما إلى حد كبير
وقد سقط ظل الأشجار على الطريق وسقط الضوء علي ظهور بعض الغنم . كما أن وجود الشجرة الذابلة اليسري في الصورة مع الأشجار الحية الأخرى ، يزيد في جمال الصورة ومعناها . وقد أجيد استعمال الألوان الأصلية ، وحسن ترتيبها في تباين مناسب .
التكرار :
وإذا عدنا للطبيعة مرة أخرى لتستخلص منها مظهرا جديدا لقانون جديد ، وجدنا أن ارتفاعات الجبال والتلال وانخفاضاتها ، وأشكال كتل السحاب والأشجار والصخور وغيرها ، تتكرر في أشكال وأبعاد مختلفة ؟ فالشجرة مثلا تتجمع أغصانها في كتل متعددة مختلفة الأشكال والأحجام ، وهذه الكتل تتكرر فتكون الشجرة في شكلها الجميل . ويؤدى "التكرار" في الطبيعة إلى إلى مظهر التوافق والهدوء، ونحن نرى في صورة الحقل كتلة من الأشجار لليسار تكررت لليمين ، كما أن الأزهار صورت فى مجاميع متكررة على جانب الطريق ، وجاءت الشجرة الصغيرة المرسومة في وسط الحقل تكراراً للأشجار الأخرى ، يتلوها غيرها من التكرار على بعد . وصور قطيع الغنم على شكل تكرار محمود وخلفه كلب الراعى. وهناك تكرارات بديعة في أشكال السحاب المتحرك في السماء
التقوس:
ونحن نعلم أن أجمل الانحناآت أصعبها رسماً ، وأن جمال التواآت أوراق الأزهار وانحنا آنها مدين الطبيعة
" التقوس " ، ولذلك راعي المصور قانون التقوس في صورة حقل الحنطة ، فقوس الخط الذي يفصل بين الحقل الأول والثاني ، وايدع في إظهار تقوس كتل الاشجار والسحب وأجسام الغنم .
التتبع:
وهناك قانون آخر آورده رسكن في كتابه سالف الذكر، سماه قانون التتبع » ، ويقصد به الطريق التي يسلكها عقل الانسان فى ( تتبعه ) المحتويات الصورة وهو يمهد لهذا القانون بالتفرقة بين رؤية الإنسان الأشياء بالعين، وبين إدراكها بالعقل ، فقال : إنه قد جرى العرف على أن العين فى رؤيتها الخط ما ، أو لمجموعة من الخطوط ، كانت تسير بانتظام من جانب إلى آخر ، كما يسير الفلم ء رسم خط من نقطة إلى أخرى. ولكن ذلك الأبحاث على أن المين لا تتقيد في رؤيتها للأشياء بهذا العرف ، وأن العقل هو الأداة التي تدرك صفات الخطوط واتجاهاتها ، وعلاقة بعضها بالبعض الآخر، وهو الذى يتبع الطريق الذي يريدنا المصور أن نسير فيه ، عند دراستنا لصوره.
وقد اطلعت على شرح بسيط لهذا القانون، في كتاب من تأليف Little-johns أورده في (شكل (۳) ، وفيه ثلاثة رسوم أولها (١) ، وبين قوسين غير متصلين وليست بينهما علاقة ما . ويبين ثانيهما (ب) ، ترتيباً جديداً للقوسين
السابقتين ترتاح العين النظر إليه ، والفضل في ذلك يرجع للنقط التي توصل بينهما ، إذ يسير النظر في اتجاه إحدى القوسين ، ثم ينتقل بسهولة للقوس الثانية ، ويستمر في سيره عليها دون انقطاع ، وبهذا الترتيب السهل أصبحت القوسان شكلاً واحداً ، فإذا زحزحت إحدى القوسين قليلاً كما ترى فى (حـ) ، اختل الاتصال وكان على الغين أن تقفز عند انتقال سيرها من القوس الأولى للثانية . وهذا شرح سهل جداً للتتبع الذى يريد المصور أن يستدرجنا إلى إدراكه بمثل السهولة والراحة اللتين وجدناهما في (ب).
فاذا عدنا لصورة حقل الحنطة لتراها على ضوء هذا القانون، لاحظنا أن النظر ينصب في البداية على البوابة المفتوحة في وسط الصورة ، ثم ينفذ منها إلى الحقل ويعلو مع الأشجار اليسرى ، ثم يهبط إلى مقدم الصورة عالى كلب الراعي والغنم ، ويرتفع بعدها لكتلة الشجر اليمني. وتكون الخلاصة شعور وثيق ببديع جمال الطبيعة وسحرها الخالد. ومن حسنات هذه الصورة تلك البوابة المفتوحة ، فاذا تخيلناها وقد أقفلت ، لضاع بيان الحقل وبعده الشاسع الذى نجح المصور في إخراجه، ولا حتجب جانب كبير من الجمال الخالد فيه.
وها هي ذى درة أخرى من من تصوير المناظر الطبيعية هى صورة الطريق » (شكل (٤) ، تصوير هو بيها الفنان الهولندى (۱۹۳۸) - (۱۷۰۹) ، المعروضة بالتحف الأهلى
بلندن ، وهي مرجع معروف لكثير من مصوري المناظر الطبيعية ، لأنها حوت دروسا قيمة نموذجية ، استخلص منها الباحثون قوانين " إنشاء الصورة " المذكورة .
وأقوي ظاهرة فيها هي ما يسميه الفنانون " البعد الثالث وهو البعد من الحافة السفل للصورة إلي مدى البصر فيها عند الأفق ، ونحن نري فيه طريقا يحفه صفان من الاشجار على الجانبين ، وقناتان طويلتان ، وبلغ عرض
الطريق والقناتين نحوا من عشرة امتار ، أما طوله حتى الكنيسة الظاهرة لليسار ، فيبلغ نحوا من ميلين وهي مسافة عظيمة ، بينما هي لا تشغل من ارتفاع مساحة
الصورة إلا نحو الخمس . وقد تمكن هوبها من ملء هذا القدر اليسير من مساحة الصورة بالطريق والشجر وبالقنانين وبالحقول وبالاشخاص ، ثم بالمدينة الظاهرة مما فيها من مبان كثيرة . وتمكن ايضا من رفع صفي الشجر إلي ذلك العلو الشاهق ، ومن الإبداع في تصوير السحاب الذي نكاد ندرك حركة سيره في الجو . ورغما عن هذه الرسمة الوافرة ، فقد تمكن الصور من كساب المنظر هدوء وشعورا بالاستقرار المعهود في الطبيعة ، وهي شيمة اتصف بها فن هوبها .
انظر إلي ( شكل ٥ ) نجد خطا أفقيا وخطين
رأسيين وأربعة خطوط اخري متقابلة في نقطة واحدة ، وهذه هي كل الأسس التي نشأ عليها تصميم الصورة . ويلاحظ ان خط الافق بقسم الصورة إلى قسمين " متباينين " في المساحة تباينا كبيرا ، وليس الطريق في المنتصف تماما ، بل إن نقطة تلاشيه ، وهي نقطة تقابل الأربعة الخطوط
المتقاربة ، واقعة لليسار قليلا تفاديا من التماثل ، على أن هناك عوامل أخرى تبعد بالصورة عن روح التماثل وتعمل على الاتزان ، منها شكل الأشجار وحجمها وترتيبها ، فإن أعالى أشجار الصف الأمن تتماس، بينما تتجمع أعالى الأشجار اليسرى فى ثلاثة مجاميع كما أن الشجرة الأولى في كل صف قد انفصلت عن زميلاتها .
ويلاحظ أن التكرار في سيقان الأشجار، والتنويع في أشكال السحب واتجاهاتها الأفقية ، قد أكسبت
الصورة مظهر الروعة والجمال . كما أن وضع السحب بجوار كتل فروع الأشجار ، قد أيد مظهرها البديع ، فان الأجزاء القائمة اللون من السحاب قلت من شدة ظهور الفروع ، والأجزاء الفاتحة اللون منها أيدت ظهور الفروع الباقية
وتربك الخطوط المنقطة في ( شكل ٦ ) كيفية تتبعنا
لمحتويات الصورة ، بحيث تتسلسل رؤية الأشكال كبيرها وصغيرها ، فلا تضل شيئاً منها ، ولا يستفزنا آخر فيها
ويلاحظ أنه رغماً من تقابل الخطوط الأساسية في نقطة واحدة ، فإن نظرنا لا يستقر نهائياً فيها ، لأن الكنيسة والمباني الفاتحة اللون المجاورة لها ، لا تلبث أن تجنب النظر إليها، ولكن ذلك لا يؤدى إلى فقدان
الاتزان بأن يظل النظر مستقراً عليها ، فقد صور الفنان بيت المزرعة إلى اليمين، وبذلك استتب الأمر على هذا الاتزان الكامل البديع .
وعلى هذا النهج يمكننا كشف الميزات والمحاسن في كل صورة ، والتمكن من إصدار حكم قويم على قيمتها الفنية . ويكون المجال أوسع أتيحت الفرصة لرؤية الأصول المكنوزة فى متاحف العالم الشهيرة.

