الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 124الرجوع إلى "الثقافة"

دراسة المحيطات, دار الظرفاء

Share

هذا المقال مقتبس من رسالة قيمة للدكتور كامل الصبى تفضل فأعارنا إياها [

يجمع هذا العلم شتات الدراسات المختلفة المتصلة الأقيانوسات ، وهى متشعبة ومتصلة بمختلف العلوم الأخرى ؛ فشعبتها الأساسية الأولى الهيدروغرافيا تبحث فى خواص المياه ، وثروتها المعدنية ، وتياراتها ، وآثارها فى حركة المياه ، وفى الأحوال الجوية ، وكذلك دراسة هجرة الأحياء المائية وارتباط هذه الأحياء بطبيعة المياه التى تعيش فيها . وهناك الشعبة الأساسية الثانية ، وهى الهيدروبيولوجى التى تقوم على دراسة أنواع الكائنات المختلفة فى المياه الموزعة على الأرض . وهناك تطبيق المعلومات تطبيقا علميا فى الحياة العملية ، كخدمة المصايد البحرية الخ . وقد قامت كل دراسات هذا العلم على أسس النتائج التى وصلت إليها البعثات العلمية العديدة التى سنورد طرفا من تاريخها فيما يلى :

فهناك أولا بعثة الكابتن كوك سنة ١٧٦٨ على السفينة "  إندفر " تلك البعثة التى اكتشفت استراليا ونيوزيلندا وكثيرا من جزر المحيط الهادى الجنوبية . وقد قامت البعثة فى خلال رحلتها بقياس درجات حرارة المياه وسير غور الأعماق ، كما قامت بدراسات بيولوجية هامة .

ثم جاءت بعثة السير جون روس سنة ١٨١٨ على السفينتين " إيزابلا "و " الاسكندر " التى اتجهت نحو القطب الشمالى ، وقامت ( بشئ من الدقة ) بسبر بعض الأعماق السحيقة التى بلغ أقصاها ١٠٥٠ قامة تحت سطح الماء . وقد اخترع رئيسها جهاز يسمى " الكباش " استعمله فى الحصول على عينات من القيعان السحيقة ؛ وقد امتحن الطين الذى حصل عليه به ، واتضح له احتواؤه على ديدان وكائنات حية صغيرة . وقد كان المظنون أن الحياة تنعدم فى تلك الأعماق السحيقة نظرا إلى الضغط الهائل الواقع عليها ، والظلام الدامس الذى يغمرها .

وتلت ذلك عدة بعثات كان من أغراضها البحث عن

مكان القطبين ، والقيام بدراسات طبيعية وبيولوجية وفلكية الخ . وكان من أهم المباحث التى استرعت نظر علماء البيولوجى ، الذين يصحبون تلك البعثات ، هو الوصول إلى قرار حاسم بشأن ما كان قد قرره بعضهم من أن هناك عمقا محددا يصح اعتباره " صفر الحياة " أى أن الحياة أسفل منه معدومة . والرأى السائد الآن أن هذا الاعتقاد لا نصيب له من الصحة ؛ وذلك لأن الكائنات الحية موجودة فى جميع الأعماق التى توصل إليها العلماء إلى الآن .

ثم شغل الباحثون الراحلون فى تلك البعثات بشئ آخر، هو وضع الأسلاك التلغرافية تحت الماء عبر المحيط بين انجلترا وأمريكا ، مما يحتاج إلى سبر أعماق كثيرة .

ومن الطريف فى هذا الصدد أنه حدث عام ١٨٦٠ أن تهشم السلك التلغرافى الثاوى فى قاع البحر الأبيض المتوسط ، والذى يصل بين سردينيا وبونا ( الواقعة على الساحل الأفريقى ) ، وكانت بعض أجزاء هذا السلك تصل إلى عمق ١٢٠٠ قامة تحت سطح البحر ، وقد تهشم بعد تركيبه بثلاث سنوات ، ولما قذفت التيارات والأمواج ببعض أجزاء هذا السلك المتهشم على الشواطئ وعثر عليها وامتحنت ، تبين أن الجزء المتهشم ويبلغ طوله نحو ٤٠ ميلا قد تغيرت معالمه ؛ وامتحن كثير من أنواع الأحياء المائية المختلفة التى علقت ونمت عليه ، فوجد على الأجزاء التى كانت قد وصلت إلى أعماق سحيقة أنواع من الفصائل المرجانية ، كما وجد على الأجزاء التى كانت فى أعماق أقل خليط من الأحياء المختلفة لحيوانات من الصدفيات أو الحلزونيات ، وكذلك الديدان والفصائل المرجانية الرخوة الخ . .

بعد ذلك ، وعلى آثر مارآه الباحثون فى مختلف الرحلات والبعثات ، ارتفع صوت هؤلاء العلماء عاليا يحث على ضرورة

تجهير بعثة علمية كبيرة ، تقوم برحلة طويلة الذى تجوب فى خلالها بحار العالم ومحيطاته كلها لاستقصائها . واستحث السير طومسون وزميله الدكتور كاربنتر الحكومة البريطانية على إخراج هذه الفكرة إلى حيز العمل . وأخيرا تم للعلماء ما أرادوا ، وأعدت البعثة الأقيانوغرافية الخالدة التى أبحرت على ظهر الباخرة تشالنجر - أو المتحدية - (التى عرفت باسمها تلك البعثة ) من ميناء بورتموث فى ديسمبر سنة ١٨٧٢ بقيادة الكابتن نيرز ، وكان من بين أعضائها طائفة مختارة من علماء الحياة والطبيعة والكيمياء الخ . . .  وعلى رأسهم السير ويفل طومسون . وقد أمدت البعثة بأحدث أجهزة البحث والفحص والشباك الخ . .

ظلت المتحدية ثلاث سنوات تمخر عباب المحيطات والبحار باحثة مستكشفة ، قطعت فى خلالها ٧٠ ألف ميل بحرى ، وقامت بأبحاث هيدروغرافية وبيولوجية واسعة النطاق فى جميع المناطق البحرية التى مرت بها ؛ ولما عادت فى مايو سنة ١٨٧٦ كانت تحمل لعلم الأقيانوغرافيا الحديث أثمن الكنوز ، من المشاهدات العلمية المدونة فى مختلف النواحى ، ومن عينات المياه ، ومن رواسب القيعان ، ومن نماذج الأحياء التى تعج بها البحار والمحيطات .

وقد شغلت هذه الذخيرة الثمينة والمجموعة النادرة عددا كبيرا من الأخصائيين فى مختلف فروع العلوم مدة كبيرة أتموا فيها بحوثهم ودراساتهم ، وأخرجوا للعالم منها ثمرات طيبات مدونة فى تقارير تشالنجر الضافية التى يبلغ عددها ٥٠ مجلدا من الحجم الكبير ، والتى تعتبر أهم الأسس التى بنى عليها علم الأوقيانوغرافيا الحديث ، وسيظل التاريخ يذكر هذه البعثة كما يذكر بعثات كولمبس وفاسكودوجاما ، فهى لا تقل عنهما شهرة وأهمية بالنسبة للعلم والمعرفة .

وبعد أن فتحت بعثة تشالنجر أبواب البحث العلمى وأنارت الطريق أمام الباحثين ، قامت عدة بعثات تمكنت كل منها من رسم الخطط التى تسير عليها ، والبرنامج الذى تتبعه ، لتحقيق الغرض من قيامها قبل الشروع فيه ، وذلك

على ضوء نتائج تشالنجر التى لا تزال تعتبر أهم مرجع للبعثات الأقيانوغرافية والرحلات العلمية ، على الرغم من تقدم أدوات البحث وأجهزة الفحص وتطورها وتوخى الدقة المتناهية فيها . ومن أهم التطورات التى شهدتها الأبحاث البحرية بعد بعثة المتحدية هو استعمال السلك بدلا من الحبال الضخمة القديمة ؛ وأول من استخدمها هو العلامة اسكندر أجازيز فى رحلة بين ١٨٧٧ و ١٨٨٠ على ظهر السفينة الأمريكية بليك .

بعد ذلك زاد النشاط الأقيانوغرافى ، وأبحرت بعثات متعددة من مختلف المالك : من بلجيكا وألمانيا وهولندا والنرويج وأنجلترا الخ . . . ومن أحدث الرحلات وأهمها رحلتان تمتا بين سنة ١٩٢٥ و سنة ١٩٢٧ : الأولى على ظهر السفينة ديسكفرى - أو الاكتشاف - الانجليزية لدراسة جنوب الاطلانطيق من حيث العوامل الهيدروغرافية التى تؤثر فى تلك المناطق ، وكذلك دراسة الحيتان التى تعيش فيها ؛ والثانية على ظهر السفينة متيور الألمانية ، وكان غرضها الأول تخطيط قاع الاطلانطيق الجنوبى تخطيطا دقيقا بواسطة أحدث آلات سبر الأعماق وأسهلها وأدقها ، وهى تقوم فى عملها على صدى الصوت وسرعته ، والفترة اللازمة لمرور الصوت المنبعث من مطرقتها عند قاع السفينة فى الماء حتى يصل إلى قاع البحر ، وينعكس منه فيعود من حيث ذهب ، فتلتقطه الآلة وتكبره . وكان لهذه البعثة الثانية غرض آخر هو دراسة التيارات البحرية واتجاهاتها .

وفى أواخر القرن التاسع عشر اتجهت النية فى بعض دول أوربا الغربية والشمالية الغربية ، إلى الإفادة اقتصاديا من الأبحاث الأقيانوغرافية ؛ وسرعان ما تحقق هذا الاتجاه بقيام هيئة دولية تشرف على تنظيم الأبحاث البحرية ، وتطبيقها فى خدمة المصائد البحرية ، والعمل على إنتاجها ورخائها ، وخصوصا مصائد بحر الشمال والمياه المجاورة له ، التى تعتبر أغنى مناطق الصيد الدولية . وتكونت هذه الهيئة

فى عام ١٩٠٨ ، وسميت المجمع الدولى لاستكشاف البحار .

وقد اشتركت فيه حكومات السويد والنرويج والدانمارك وفنلندا وألمانيا وفرنسا وريطانيا العظمى وإيرلندا وهولندا والبلجيك ؛ واتخذ المجمع مكتب مكتبا دائما له فى مدينة كوبنهاجن ، واتفقت الحكومات الممثلة فيه على إعداد وتجهيز سفن علمية تخصص للأبحاث البحرية بحيث تشتغل سفينة كل دولة فى المناطق المخصصة لها ، وفى مواضع محددة معينة .

وتقوم هذه الهيئة منذ إنشائها إلى الآن بخدمات جليلة لا تنقطع لعلوم الأقيانوغرافيا ، كما تصدر مجلة ربع سنوية "Journal bu conseil " تفيض صفحاتها بغزير المادة فى المواضع البيولوجية والهيدروغرافية والمصائد الاقتصادية .

وفى أثناء الاجتماع لافتتاح معهد " موناكو " فى مارس سنة ١٩١٠ نشأت فكرة قيام هيئة دولية تشترك فى الدول المتاخمة لحوض البحر الأبيض المتوسط ، ( تكون على غرار المجمع الدولى السابق فى أغراضها ) ، لدراسة البحر المتوسط والبحار المتصلة به دراسة علمية لخدمة مصائدها . وأول اجتماع عقد للنظر فى تكوين هذه الهيئة كان فى فبراير سنة ١٩١٣ بمدينة روما ، واتفق المجتمعون فيه على دعوة دول البحر الأبيض المتوسط لايقاد مندوبيها فى العام التالى للاتفاق على قانون المجمع النهائى ؛ غير أن نشوب الحرب العظمى أوقف المشرع وحال دون ذلك .

وعقب الحرب عادت ثانية فكرة إنشاء المجمع ، وأصبحت حقيقة واقعة عندما وجهت الحكومة الملكية الأسبانية دعوة عامة لدول البحر الأبيض المتوسط لارسال مندوبيها لتمثيلها فى اجتماع عام يعقد للنظر في تأسيس تلك الهيئة الدولية . فلبى الدعوة سبع دول عدا أسبانيا وهى فرنسا وإيطاليا ومصر واليونان وموناكو وتركيا وتونس ؛ وبذلك تم انعقاد أول اجتماع بين ١٧ و ٢٠ نوفمبر سنة ١٩١٩ بمدينة مدريد تحت رئاسة أمير موناكو ، وكان ممثل مصر فيه هو الأستاذ سانزو (Sanzo)  الأسبانى

وأطلق على هذه الهيئة " القومسيون الدولى للكشف العلمى فى البحر الأبيض المتوسط ". واتخذ القومسيون مكتبا دائما بمدينة باريس بسكرتاريته التى تشرف على تحضير جدول أعمال دورات انعقاده السنوية وعلى ميزانيته ونشر تقاريره السنوية .

وبهذا ظهرت مصر لأول مرة فى ميدان النشاط الدولى للكشف العلمى فى البحار ، وهى مدينة بهذا الفضل إلى عاهلها العظيم المغفور له الملك فؤاد الأول الذى أولى برعايته وتشجيعه الفنون والعلوم عامة وعلم الأقيانوغرافيا منها خاصة ، لما بذله من جهد ومال فى إقامة مؤسسته " المعهد الملكى للأحياء المائية " بجهة الشاطبى بالاسكندرية .

وكان من ثمار هذه النهضة التى وضع أول بذورها جلالة المليك الراحل أن انشئت الحكومة المصرية سفينة خاصة للبحث العلمى مجهزة بأحدث العدد والآلات لهذا الغرض .

ولما اجتمع منفذو وصية العلامة المرحوم السير جون مورى للنظر فى صرف ما يربو على العشرين ألفا من الجنيهات التى تجمدت لديهم من أرباح الأموال التى أوقف ربعها المرحوم السير مورى على الأبحاث البحرية ، استقر رأيهم على صرفها فى تجهيز بعثة أقيانوغرافية لدراسة المحيط الهندى ، ووقع اختيارهم على السفينة الملكية المصرية " مباحث " , فخابروا الحكومة المصرية وأظهروا رغبتهم فى استعارة السفينة ، فقبلت الحكومة المصرية ، واتفق الطرفان على شروط ، أهمها سفر الباخرة بطاقمها من البحريين المصريين تحمل العلم المصرى بجانب العلم البريطانى ، وانتداب اثنين من الاخصائيين فى العلوم البحرية للاشتراك فى أعمال البعثة العلمية ؛ وبذلك أبحرت مباحث فى أول سبتمبر سنة ١٩٣٣ تحمل بعثة السير جون مورى لدراسة المحيط الهندى تحت رئاسة الكولونيل سيويل ، وعادت إلى الأسكندرية ثانية فى ٢٥ مايو سنة ١٩٣٤ . وسيفرد للكلام عن هذه البعثة مقال خاص قام بكتابته أحد أعضائها وأحد الأخصائيين المصريين المشار إليهما .

صاحبة الدار سيدة روسية موسرة فى الخمسين من عمرها تدعى ماريا ديمترييفنا حذقت اللغة الفرنسية . وحسبت من دواعى الفخار أن تنسق قاعة استقبالها على النمط الباريسى . وأن تنتقى زوارها من المتأنقين المتحذلقين البارعين فى محاكاة علية القوم من الباريسيين ، وأن يدور الحديث بينها وبينهم بلغة باريس . وأن تتشبه فى جلستها ومشيتها وابتسامها وإيمائها بنساء تلك المدينة الشهيرة بأناقة أهلها وكياستهم .

وتقطن معها فى نفس الدار عمة لها تدعى مارفا ثيموفييفنا جاوزت السبعين من عمرها ، ولكنها استبقت شيئا من صحتها ونشاطها . كانت عصبية الحركة سريعة الخطوة . لا تترود فى مصارحة أى إنسان برأيها فيه . وقد ظلت على فطرتها تحب بلادها ومواطنيها الباقين على فطرتهم . وتزدرى المترددين على الدار ممن يزدرون بلادهم ويأنفون من تقاليدهم ، ويمجدون التقاليد الغربية ويعتنقونها .

ولماريا ديمترييفنا ابنة فى التاسعة عشرة من عمرها جميلة رقيقة حيية تدعى ليز ، لم تتأثر بميول والدتها وحذلقة زوارها ، لأن هؤلاء كانوا فى شغل عنها ، فلم تندمج فى حفلهم ، وظلت على بساطة الطفولة طاهرة النفس نقية الطبع . وشبت فى كنف مارفا . ونعمت برعايتها . واقتبست شمائلها وصفاتها .

وكان يتردد على الدار فى بدء حوادث هذه القصة فتى فى ريعان الشباب ، جميل الصورة أنيق الهندام ، يدعى فلاديمير بونشين ، هام بحب ليز . ولم يلبث أن ذاع سر جنانه ، وانتظر أهل الدار ومرتادوها أن يخطبها ،

وتحين هو الفرصة ليتقدم بطلبه .

وكانت ماريا شديدة الإعجاب به . تتمنى أن يتم زواجه من ابنتها بلا تريث ، وقد مهدت لتحقيق هذه الأمنية بموالاة التحدث إليها عن مزاياه ، وبالغلو فى إطرائه ، حتى هيأتها لقبول عرضه ، على الرغم من أنه كان أكثر زوار الدار تصنعا وتشبها بفتيان العصر فى باريس .

لم يكن يهنأ له بال إلا إذا تحدث عن نفسه حتى يدور حديث المجلس حول شخصه .كان دائم الزهو بوظيفته السامية فى الحكومة ، وبالمستقبل الزاهر المدخر له . وكان يلم بالنزر اليسير من كل فن . كان يغترف من كل نبع قطرة يقصد التظاهر بالفهم والمعرفة ؛ فنظم الشعر ، ولحن الأغانى ، ومارس الغناء , وتحدث عن السياسة والأدب والاجتماع ، حتى صار بهجة مجالس الظرف والكياسة .

وفى عصر أحد الأيام زار الدار رجل فى منتصف العقد الرابع من عمره ، غريب عن البلد ، تنم سيماؤه عن ألم مبرح وحزن دفين ؛ فما ظهر فى الميدان حتى تغير مجرى الأقدار المقدرة لمضيفيه . كان يمت إلى أهل الدار بصلة قرابة وثيقة ؛ تزوج إبان صباه فتاة روسية نادرة الجمال ، ولكنها كانت مريضة هى أيضا بعدوى الاناقة والتهتك الباريسى ، واستطاعت أن تغرى زوجها بالسفر إلى باريس والاقامة بها ، وكان وافر الغنى ، فعاش الزوجان هناك عيشة بذخ وإسراف . واحتمل الزوج المعيشة الجديدة على نفوره منها نزولا على رغبة زوجه التى كان متدلها فى حبها .

وأغرى جمالها الفتان فتيان باريس بالتحبب إليها . وجهد دهائهم فى التغرير بها وإيقاعها فى حبائل الهوى . وأطربها أن تشعر بالقدرة على إصباء شباب باريس وملأ نفسها زهوا . وتمادت فى لهوها وعبثها لتزيدهم إصباء ؛ حتى زلت قدمها ، ولانت لأحد عشاقها ، وتوثقت بينهما علاقة حب آثم . ومهما أحيطت مثل هذه العلاقة بالتكتم ، فلا بد لها من أن تعلم ؛ ولم يلبث نبؤها أن وصل إلى الزوج ، ووقعت فى يده رسالة من

العاشق إلى عشيقته تقطع عليه سبل الشك فى خيانتهما .

وتكشفت له الحقيقة الأليمة فضاق صدره بها ، وكاد وهو فى سورة غضبه أن يفتك بزوجه ؛ ولكن عاطفة احتقارها وإهمالها حلت محل حقده وغضبه ، فهجرها وقضى أزمانا يطوف فى أوربا ليهون الكارثة على نفسه ، ويخفف عنها وطأة الخزى والعار . وعاد بعد طول المطاف إلى حيث تقيم ماريا ديمترييفنا ليستقبل عهدا جديدا من حياته المليئة بالاحداث المضنية . ورأى القوم عندها يحاولون محاكاة مجان باريس بلد العبث والمجون ؛ فغص قلبه بمقتهم ، وكاد يقطع صلته بالدار .

ولكنه عرف ليز الطاهرة ، وعلم بالنية المعقودة على تزويجها يونشين . فأشفق على قريبته ، وتولاه عطف عليها عميق الأثر ، وزاده عطفه وإشفاقه نفورا من خطيبها المتأنق .

وبادله جماعة المتحذلقين نفورا بنفور ، وتهكموا عليه فيما بينهم ، واتخذوا الكارثة التى حلت به حديث مفاكهتهم ، ووصموه بالغفلة والغباء ؛ ولم يجد له نصيرا بين معارفه الجدد وأقربائه إلا مارفا العجوز السليمة الطوية ، وليز الرقيقة القلب .

وكانت له مزرعة على بعد أميال من البلد فأقام بها ، واخذ يتردد على دار ماريا بين حين وحين ، وتوثقت وشائج ألفة نقية بين القريبين ؛ وشعرت الفتاة بعاطفة حنان وإشفاق على ذلك الرجل الطيب القلب الذى نكب فى حياته الزوجية ، وأصيب فى شرفه وكرامته . ولم تخف عليها دلائل اهتمامه بها وامتعاضه من يونشين ، وتمنيه أن تنبت صلته بها .

وعرف لفريتسكى (وهو الرجل الذى نتحدث عنه) شخصية جديدة تؤم الدار شعر بميل إليها ؛ عرف شيخا فى سن الستين ألمانى الجنس والمولد ، قضى شطرا من عمره فى روسيا ، وامتهن تدريس الموسيقى ، وتردد على الدار لتعليم ليز هذا الفن الجميل .

وفطن لفريتسكى إلى امتعاض الأستاذ الألمانى من يونشين ، وإلى دلائل شغفه بتلميذته ليز ، فأيقن أنه عثر فيه على صديق جديد ، واطمأن الالمانى إلى قريب ليز ، واغتبط الاثنان بصلة المودة التى وصلت بينهما .

وفى إحدى الليالى الساجية ، خرج لفريتسكى من دار "ماريا " فى صحبة الأستاذ الالمانى ، وسار الاثنان إلى منزل الأخير . وبالرغم من انتصاف الليل ، قبل لفريتسكى دعوة رفيقه ، ودخل معه داره ، وبقى بها ثلاث ساعات جمع خلالها ألحالنا من وضع مضيفه . وكان هذا الأخير يختلج من شدة التأثر ، لأنه قضى سنوات عديدة من غير أن يبدى له أى إنسان بعض هذا الاهتمام الذى أحاطه به ضيفه . ودعاه هذا الأخير وهو يودعه إلى زيارة مزررعته وقضاء أسبوع بها ، فلم يتردد فى قبول الدعوة . وبعد بضعة أيام أقلتهما عربة إلى المزرعة ، وسارت بهما تحت جنح ليلة عليلة النسيم ، تضل فى غياهبها أضواء النجوم . وشعر المسافران بالحرية والطلاقة ، وهما مختليان بفضاء الليل الرحيب . وتحدثا عن التلحين ، ورق الحديث ، فجرى فى غير حذر وتدبر . واعترف الألمانى وهو فى شبه نشوة بأنه يتوق إلى تلحين أنشودة ينظمها له أحد الشعراء ويضمنها هذه المعانى :

" أنت أيتها النجوم - أيتها النجوم النقية - أنت تشملين الأبرياء بالنظرة التى تشملين بها المذنبين . ولكن أصحاب القلوب الصافية وحدهم يقدرونك " . وصمت الشيخ ثم أعقب : " بل يحبونك " .

واستطاع لفريتسكى أن يلحظ اكفهرار وجه الشيخ رغم الظلام ؛ ورآه ينكمش فى مقعده ، ويسبل جفنيه كأنما يستسلم للنوم ، ثم سمعه يردد همسا : " أيتها النجوم النقية ! آه . أيها الحب ، وتعلقت ذاكرة الشيخ بليز . وظل يردد : " أيتها الغادة النقية . . أيتها النجوم النقية " . وتوقع أن يتفجر لحن عذب مرتان من ينابيع قلبه ؛ ولكنه شعر بعجزه ، فتمتم مستسلما : " لا شاعر ولا موسيقى " .

وفى الصباح التالى عاد لفريتسكى ينكأ قلب الشيخ ويسبر غوره ، فسأله :

- يبدو لى أن ليز راضية عن زواجها بيونشين - إن زواجها به لن يكون . - ولم ؟ . - لأنه مستحيل . - وما وجه اعتراضك عليه ؟ . - هو صفقة خاسرة ، لأن ليز عاقلة رزينة سامية النفس . أما هو . . . هو من الهواة ليس إلا - ولكنها تحبه . فهب الأستاذ واقفا وقال :

- لا . لا . إنها لا تحبه . إنها أطهر قلبا من أن تفهم معنى الحب .

واستطاب لفريتسكى الحديث عن ليز ، وانكشف له سر الشيخ ، وبدا يتأثر بعاطفته ، وشعر بدبيب العدوى بين أوصاله ، وقارن برغمه بين زوجه الماجنة ، وبين ليز الطاهرة ، فازداد شغفا بحسن ليز النقى الطاهر ، وخطر له أن يدعوها إلى قضاء يوم بين مزارعه ، وعرض خاطره على الأستاذ فأقره ، ورحل إلى البلد ، ودعا أقاربه إلى زيارته . فلبت ماريا وليز الدعوة ، وحضرا إليه فى صباح يوم زاهر واستتمتعتا بصفاء الريف ونضرته ، وأتيحت له فرصة الانفراد بليز ، وأراد أن يحدثها عن يونشين ؛ ولكنه أحجم عن تناول مثل هذا الحديث الخاص ، وعاد يغالب نفسه حتى عاودتها شجاعتها ، فسأل قريبته :

- أهو رجل خير ؟ . فتطلعت إليه متسائلة : - ما أغرب سؤالك ! . - أى غرابة فيه ؟ إنى أسألك بصفتى أحد أقربائك . - يونشين رجل طيب القلب . ذكى الفؤاد . ووالدتى مغرمة به . - ولكنى أسألك عن نفسك . أمغرمة به أنت ؟ .

- إنه رجل أدب ومجاملة . فلم لا أحبه ؟ . وأشاح لفريتسكى بوجهه ، وصبغ الحياء وجنتى ليز . وسألته :

- أهو لا يعجبك ؟ . - إنه لا يعجبنى . - ما السبب ؟ . - أعتقد أنه لا قلب له . فصمتت طويلا وقالت : - أراك تعودت أن تقسو فى حكمك على الناس وناجى لفريتسكى نفسه : - ها أنا أحادثها كأنى ما زلت متعلقا بالحياة .

وغرقت ليز فى تفكير عميق . وأحس رفيقها بدافع يدفعه إلى محادثتها عن شعوره وخوالجه ، وعن آماله وأحلامه .

وآن أوان إياب الضيفين . وركبتا عربة لتعود بهما إلى البلد ، ورافقهما فى الطريق لفريتسكى ممتطيا ظهر جواده ، وساروا بين الحقول الزهراء ، وسطع البدر وهب النسيم العليل . وتراخت أعصاب ماريا بعد أن أجهدها فرط النعيم ، واستسلمت لنعاس عميق . وسار جواد لفريتسكى إلى جانب العربة من الناحية التى جلست فيها ليز . ورأى وجهها المشرق البهيج تداعبه هبات النسيم وأضواء القمر ، ووضع يده بجانب يدها على حافة العربة ، وبادلها نظرات العطف بين حين وحين . ولم يفطن لنفسه إلا بعد أن اجتاز نصف الطريق ؛ فأمسك بيد صاحبته وضغط عليها ، ثم شد زمام جواده ، وسارت العربة أمامه ، وعاد أدراجه بين المروج . وحرك النسيم العليل لوعته ، وأثار ضوء البدر جنته ، وشعر فى سكون الليل يخفق ضلوعه ، فعاد إلى مناجاة نفسه :

- ها أنا على قيد الحياة . إنى لم أتحطم عن آخرى . عاد إلى داره ، وأوى إلى فراشه ، فأبت عليه عيناه الشاخصتان ، وقلبه الخافق ، وخياله الجامح وراء الأوهام ،

أن يستسلم للمنام ؛ فغادر الفراش ، وقصد إلى مقعد عليه رزمة من صحف أجنبية ، فأخذ يتلهى بمراجعتها ، فإذا بلحظه يقف عند خبر كان أهول الأخبار وقعا فى نفسه . فاعتدل فى جلسته وأعاد تلاوته :

" السيدة الروسية لفريتسكى التى اشتهرت بالدمائة والرقة والاناقة ، والتى كانت بهجة المحافل الباريسية لقيت منيتها على حين فجأة . . . . "

وقام مضطرب الأعصاب ، ونزل الحديقة . ولبث يقطعها طولا وعرضا حتى طلع عليه الفجر .

قصد بعد الظهر مع الموسيقى الألمانى إلى البلد ، وصحبه إلى داره ، ولم ينبس أحدهما أثناء الطريق بكلمة . وودع كل مهما الآخر بمصافحة صامتة وأسرع لفريتسكى إلى دار ليز فوجد قاعة الاستقبال مليئة بالزوار . فدخلها ضيق الصدر ، وانزوى فى أحد أركانها ، وراقبته ليز فلم يخف عليها قلقه . وخرجت إلى الطرقة لتتيح له الانفراد بها . فخرج وراءها ووقفت تسائله :

- ماذا دهاك ؟ - ألاحظت على أمرا غير عادى ؟ - نعم أراك على غير عهدى بك ! - عندى نبأ أود نقله إليك ، ولا أجد الآن مندوحة من الوقت للمداولة فى أمره , وسأعود إليك غدا صباحا .      وقدم إليها الصحيفة التى تضمنت ذلك النبأ الذى أفزعه وأسعده . فتناولتها بيد مرتجفة ، وقبل أن يصل أحدهما الحديث ظهر لهم يونشين بحجة سؤال ليز : - هل قرأت أوبرمان ؟

وأجابت على سؤاله بكلمة سريعة وهى تصعد إلى غرفتها مضطربة .

ورجع لفريتسكى إلى زاويته فى قاعة الاستقبال ، وأطرق صامتا . وعادت ليز إلى القاعة بعد قليل ، وتلاقى لحظاهما ، وقرأ لفريتسكى  فى عينى رفيقته دلائل الحيرة ، ومعانى العتب والتأنيب ؛ وإذ سلم عليها منصرفا همست فى أذنه : " سأنتظرك " .

وقضى لفريتسكى ليلة سهد أخرى . واندفع وراء آماله حينا . ثم ساورته الهواجس حينا آخر ، ووتر القلق أعصابه ، وأرهق طول التأمل ذهنه ، ولم يلبث أن صاح تأثرا :

- لا كل هذا غير صحيح . إن هو إلاجنون محض وقابلها فى الصباح وفق الميعاد فبادرته بقولها : - ما أشنع النبأ !

وبقى على صمته فاستطردت : - ولكن لعله غير صحيح . . . ألم تحزن له ؟ ألم تشعر بأقل حزن ؟

- أرانى عاجزا عن إيضاح شعورى . - ألم تحبها فيما مضى ؟ - نعم أحببتها . - ثم لا يحزنك موتها ؟ - لقد ماتت منذ مدة فى نظرى . - هذا الذى تقول إثم . وابتسم لفريتسكى ابتسامة مريرة : - لقد صرت على الأقل حرا . فارتجفت ليز . وقالت بعد صمت : - لو وصل إلى النبأ منذ أسبوعين لأحزننى . - لماذا ؟ .

وصمت لفريتسكى . وصبغ الاحمرار وجه ليز . و وقالت بعد صمت وجيز : - تلقيت منه اليوم خطابا . - من يونشين ؟ - نعم . ومن أين لك هذا العلم ؟ - أيطلب التزوج بك ؟ - نعم . - وعلام عزمت ؟ - لا أدرى . وأقبل عليها مكفهر الوجه وقال : - لى رجاء عندك يا ليز . لا تبتى فى هذا الأمر

الخطير إلا بعد إدمان التفكير .

وفى المساء اجتمع شملهما كالعادة فى قاعة الاستقبال . وأخذ يونشين يتحدث كعادته عن نفسه . ثم تطرق إلى الكلام عن روسيا ؛ فأخذ يندد بمؤهلات الشعب الروسى ويعدد معائبه ، ويشيد بالحضارة الغربية ، وافتر ثغر ماريا سرورا وزهوا ؛ فتصدى له لفريتسكى ، وطففق يدافع عن تقاليد بلاده ، ويشيد بالأدب الروسى والخلق الروسى ، ويتهم المستمسكين بتقاليد الحضارات الزائفة . واحتد يونشين ، إذ أخذته حمية الجدل ، وتهدج صوته ، ونسى وقاره ، وكال لمجادله أقبح النعوت ، وظل لفريتسكى على هدوئه . واستطاع أن يصرعه فى كل موضوع دار نضال الجدل حوله ، وشعرت ليز بأن قريبها يعبر فى كل كلمة يقولها عن آرائها ، ويفسر خفى إحساسها . وبدا لها أن اتحاد خواطرهما وإحساسهما ، ألفت بينهما ألفة لا انفصام لها ، وأسدل بينها وبين يونشين سترا كثيفها لا انكشاف له

وبعد الهزيع الأول من الليل التقيا فى الحديقة ، وكان قلبه مفعما بأرق خوالج الحب ، وجثا أمامها وناداها :

- ليز . ليز . فارتجفت من فرعها إلى القدم وصاحت : - قم . قم . ما الذى تفعله هنا ؟ وقام وجلس إلى جانبها ، ورأى الدمع يتألق فى عينيها ، وشجاه اضطراب صوتها : -  إنى خائفة .                         -كم أحبك .

ونما بينهما حب نقى عنيف ، وقطعت ليز صلتها بيونشين . ولكن الأقدار أبت أن ينعما بحبهما ، وهيأت للفريتسكى أسباب كارثة يهون إلى جانبها هول زلة زوجته .

فوجئ وهو يدخل فى منزله في أحد الأيام بزوجته جالسة فى غرفة الاستقبال . فغادر المنزل بعد أن انهارت أجمل آماله ، وسار فى غير وعى إلى منزل الموسيقى الألمانى , وارتمى على أول مقعد صادفه ، وفزع الموسيقى من مرأى وجهه الممتقع ، وما علم بما حدث حتى وجم وتجهم ،

وجلس الاثنان لا ينبسان ساعات طويلة .

وذهب فى المساء إلى دار حبيبته ، فسمع صوت زوجته ينبعث من غرفة الاستقبال ، فتوارى قبل أن يراه أحد ، ودار حول الحديقة ، وصعد من سلم خلفى إلى غرفة مارفا العجوز . وكانت مطلعة على سره ، مشفقة عليه ، حاقدة على يونشين ؛ فاستقدمت ليز وتركتهما فى غرفتها منفردين بضع دقائق . وما كان أهول هذه الدقائق ! ! . أتاحت لهما كل حلاوة الحب ممزوجة بكل مرارته ، قالت ليز وهى تتجلد :

- أرجو أن تنسى ما مر بنا . . . . ولكن لا . بل تذكرنى من آن إلى آن . - أنا أنساك ؟ . وهم بالاقتراب منها . - كفى . . وداعا .  - مدى إلى يدك لأودعك وهمت بمد يدها . ولكنها عادت فأزاحتها .

- وما فائدة هذا ؟ . اذهب إنى أحبك وكفى . ودخلت مارفا فصمتا ، وأطرق لفريتسكى ؛ ثم غادر الغرفة مطأطئا مكفهرا

اشترك في نشرتنا البريدية