آفة التاريخ حين يكتب أن يتعرض لأمور نفسد صحته وتشوه وجه الحق فيه ؛ كان يحابي المؤرخ أميراً أو وزيراً أو صاحب سلطان فيتقرب إليه بتاريخ يكيل له فيه المدح ، ويتغاضى له فيه عن السيئة ، أو كأن يخشى المؤرخ صاحب سلطان لأنه في ملكه سيدركه منه الأذي وإن حال أن المتأمي عنه واسع ، أو كأن تميل بالمؤرخ دواعي الهوي فيتعصب لقوم على قوم ، ويفضل جماعة على جماعة ، كما نجده عند أصحاب المذاهب المختلفة ، سواء أكانت تلك المذاهب مما يتصل بالدين أو بالسياسة . فقل أن تجد اسوياً أنصف علوياً ، وندر أن نجد عباسيا أنصف أموياً وحسبنا ما نراه اليوم في أمهات كتب التاريخ ومصادره من الميل لقوم على قوم ، حتى بتنا نسمع أن هذا المؤرخ متعصب للشيعة ، وأن ذاك المؤرخ متعصب للأموبين مثلا .
وقد يبلغ الهوي عند بعض المؤرخين - ولو كانوا مؤرخي أدب - إلي إهمال بعض الأشخاص وتحاشى الحديث عنهم وإسقاطهم من الحساب التاريخي ، ظنا أن ذلك قد يطمس وجودهم أو يضيع كيانهم . . وإذا صح ما فعله أبو الفرج الأصبهاني من إغفاله ترجمة الشاهر ابن الرومي في كتابه الواسع " الأغاني " فإن ذلك عمل لا يدل على الحقد وحده . ولكنه يدل على الجهل . . لأن ابن الرومي ثم يقط النسيان على ذكره ، حين قصد الأصبهاني أن يغفله من كتابه . ولاتزال الدنيا إلى اليوم تتحدث عن ابن الرومي بعد ألف عام أو تزيد . . ولا تزال الكتب والدراسات توضع فيه مهما حاول محاول أن يطمس نجمه من سماء الدنيا بكفيه . . ومن أوائل المؤرخين المسلمين الذين أسقطوا جانب
المجاملات والاعتبارات قليلاً من حسابهم ، المؤرخ الأخلاقي المشهور " مسكوبه " أو " ابن مسكويه " من رجال القرن الخامس . فقد كان الرجل متصلا بيبني بويه وهم ملوك الدنيا في زمانهم ؛ ولكن ذلك لم يمنعه أن ينتقد بعض الأعمال ويعلق على بعض التصرفات . فأرانا بذلك نموذجاً جديدا للمؤرخ المسلم الذي لا يكتفي بالسرد والرواية - ولو عن طريق الإسناد بغير تعليق أو موازنة بين الروايات ، أو تحقيق بين الأسانيد ، وأرجو أن يوفق الله إلى أن يكون هذا المؤرخ موضوع بحث في هذه المجلة حين تتيسر السبل للاطلاع على كتابه الجليل " تجارب الأمم " الذي كان المستشرق الإيطالي الكبير " كابتاني فضل التنبيه على خطره ولفت أنظار العلماء إليه .
وإذا كان روح الانتقاد والحاسة التاريخية الواعية لم تظهر كاملة بمعناها الحديث عند مؤرخ واحد من مؤرخي المسلمين فإن من الحق أن نقول إن لمعات وضيئة من هذه الروح قد ظهرت في أمثال مسكوبه ، والسعودي ( كما أشرت إلي ذلك في مقالي بالثقافة عدد ٦٧٦ ) وابن الطقطقي . وابن خلدون الذي وسع الميدان في كتابة التاريخ بهذه المقدمة التى فلسف بها التاريخ ونقله نقلة واسعة من مجرد السرد للحوادث إلي استنباط الأحكام العامة من أحداث التاريخ .
وابن الطقطقي - أو ابن طباطبا أيضا - طراز نادر من مؤرخي المسلمين في القرن السابع الهجري ، وإن كان شهد في الحق بعض أضواء من القرن الثامن . . فإنهم يذكرون أنه توفي سنة ٧٠٢ ه ، على حين أن الأب لويس شيخو اليسوعي ذكر في " مجاني الأدب ، أنه توفي في
سنة ٧٠٩ ه وهذه رواية تفتقر إلى إثبات ، فقد أنكرها كثير من المستشرقين ، ورفضها صاحب " معجم المطبوعات " وارتضي صاحب " الأعلام ، الرواية الأولى ، ووقف المستشرق الفرنسي " هيوار " موقف المعترف بعدم علمه سنة الوفاة فقال : " ولا نعرف عام وفاته ولم يتعرض لإحدي الروايتين بتصديق أو تكذيب .
على أنه يعنينا من ابن الطقطقي أن نتعرف إلي منهجه في التاريخ من خلال كتابه المشهور " الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية ، فقد أرخ فيه لدول الإسلام منذ عهد الخلفاء الراشدين إلي عهد المستعصم بالله آخر خلفاء بني العباس ، والذي كان على يديه مصرع دولة إسلامية عظيمة حمت خلافة المسلمين أكثر من خمسة قرون والكتاب قسمان : قسم جعله كالمقدمة للتاريخ ، وفيه تحدث عن أمور الملك وسياسة الدول ، والحقوق والواجبات المتبادلة بين السلاطين والرعايا . حتى يستقيم الأمر " ويننتظم صلاح أمور الجمهور ، ويتمكن الملك من الإنصاف للضعيف من القوى ، والقسمة بالحق ، والقسم الثاني يتحدث فيه عن الدول الإسلامية ، موجهاً اهتمامه إلي أخبار الوزراء لأنهم أداة السلطان وأعوانه على إقامة العدلة بين الناس . ومن هنا كان كتاب " الفخري سجلا لأخبار الوزراء المسلمين يضيف إلي قيمة كتاب " الجهشياري الذي جمع فيه طائفة من أخبار الكتاب والوزراء إلي عصره . ويقرر المستشرق هيوار " أن ابن الطقطقي استفاد من كتابي الصولي والصابي في تاريخ الوزراء . على أن ذلك لا يطعن في قيمة الكتاب من هذه الناحية ، فإن مؤرخي المسلمين قد جرت عادتهم أن يأخذ بعضهم عن بعض ، وان يفيد لاحقهم من سابقهم . وليس الأخذ - وخاصة في التاريخ - بعيب ولكن العيب أن لا يتصرف الآخذ . وأن ينقل النص كما هو بدون تمحيص أو تحر للحق أو أدنى تدبر إلي وجه الخطأ أو الصواب في الرواية .
ونعود إلى " منهج " صاحب الفخري في التاريخ - إن صح أن يسمي ما التزم به الرجل نفسه منهجاً . . فقد أعلن الرجل في المقدمة التحليلية للدول وسياسة الحكومات قوله :
" والتزمت فيه _ يعني الكتاب _ أمرين . أحدهما أن لا أميل فيه إلا مع الحق ، ولا أنطق فيه إلا بالعدل ، وأن أعزل سلطان الهوي . وأخرج من حكم المنشأ والمربي ، وأفرض نفسي غريباً عنهم وأجنبياً بينهم . وثانيهما : أن أعبر عن المعاني بعبارات واضحة تقرب من الأفهام لينتفع بها كل أحد ، عادلا عن العبارات المستصعبة التي يقصد فيها إظهار الفصاحة وإثبات البلاغة ؛
وفي الحق أن هذين الأمرين - أو الالتزامين - هما ركنا منهج تاريخي سليم . فآفة التاريخ أن يضيع بين الهوي من ناحية ، وبين الغموض وعدم الإبانة من ناحية اخرى . وهل هناك أسلم لتدوين التاريخ من أن " يجرد " المؤرخ نفسه من نوازع البيئة والعصبية ، وأن " ينسلخ " انسلاخاً من حكم المنشأ والمربي ، حتى لا يتأثر في أحكامه التاريخية بالمؤثرات العاطفية ، أو يستجيب لنداء بعض الروابط التي قد تغطي علي الأبصار في ساعة الأحكام ، فإن إغراق المؤرخ مع التزامات الوسط ومجاملات النشأة مما يجور على رأيه حين يحكم ، فلا تتفتح عيناه على حقائق الأمور ، ولكن عينه تكون كليلة عن كل عيب إذا رضي ، ومبدية للمساويء إذا سخط . . ؟
وهل هناك أبين وأنفذ إلي الفكر والقلب من الحقيقة التاريخية وهي تعرض في أوضح ثيابها ، وفي أظهر ملامحها . فكثيرا ما يجني الغموض علي الحقيقة فيذهب بقيمتها أو يضيع أثرها ، أو يضيع الوقت في متابعتها .
ولما كان وكد ابن الطقطقي أن يصل إلى الحقيقة مجردة عن كل ما يحجب نورها ، ولو أدى به ذلك إلى تجرده من صلات القرب أو المنشأ أو الخدمة - فقد رأيناه يدل إلي الحق متى ما لاح له معلمه ، ويميل عن الباطل متى ما تبين له وجه البطل فيه . ولم يكن ذلك شأنه حين يكتب ، وإنما كان شأنه حين يلتقي مع الناس ويحادثهم ، ويأخذ بأطراف الأحاديث بينه وبينهم . فقد كان هناك حمال ببغداد في زمن الخليفة المستنصر . توصل حتى صار براجا في بعض أبراج دار الخلافة . وكان فيه فطنة وحسن تأت للأمور فتوصل إلى ولد المستنصر - وهو الخليفة المستعصم - آخر خلفاء بن العباس ، وأسدي إليه من الخدمة وهو
محبوس ما جعل يحفظ له اليد حين سارت إليه الخلافة بعد آبيه فعرف له حتى الخدمة وجعله صاحباً له في خاص داره ، واختصه وقدمه ، حتى كان الوزير ينهض له إذا دخل عليه ويخلى له المجلس إجلالا له من ناحية ، ومراعاة لما قد يكون حاملا له من مشافهات الخليفة من ناحية اخرى . ولقب هذا الحمال البراج في نهاية المطاف يلقب نجم الدين وكان الوزير وصاحب الديوان يتزلفون إليه ليزكيهم في حضرة الخليفة
وجرت بين ابن الطقطقي المؤرخ وبين جمال الدين المستجرداني مناظرة حول الذي فعله المستعصم مع ذلك الحمال . . وندع مؤرخنا يتحدث قائلا : ( فصوبت أنا رأي المستعصم في الإحسان إليه ، وقلت إنه خدمه وأثبت عليه حقا ، وقد كافأه فلاعيب في هذا . وقال جمال الدين رحمه الله ما معناه : إن تسليطه لمثل ذلك الأحمق على أعراض الناس وأموالهم . وإدخالة في المملكة ، حتى كاد ان يولي الوزراء ويعزلهم . فبيح من المستعصم دليل على جهله . . وإلا فإن كان مراده الإحسان إليه مكافأة له على سابق خدمته فقد كان يجب أن يكون ذلك بمال بعطاء ، أو يرفع منزلة لا يختل بسببها أمر في المملكة ، ولا يتطرق بها قدح في عقل الخليفة . . وكان نظر جمال الدين في هذا المعنى أدق من نظري ، والحق في جانبه رحمه الله ) .
أليس هذا الرجوع إلي الحق بعد بيان الوجه فيه . في مناظرة بين عالمين من علماء القرن السابع ، دليلا على استقامة منطق جمال الدين من ناحية ، ودليلا آخر على إنصاف مؤرخنا لنفسه وللحق من ناحية اخرى . فقد أذعن لكلمة الحق القوية التي قالها جمال الدين . وكانت المناظرة بينهما حول هذه المسألة في كتب تبودات بينهما ، فشاء ابن الطقطقي أن يسجل هذه المناظرة في المقدمة التحليلية لكتابه ولم يتردد لحظة في أن يعترف بالحق . لأنه رجل إنصاف لا يماري ولا يجادل حباً في الجدال وشغفاً باللجاج
وقد يظن بعض الناس أن صاحب كتاب " الفخري قد حمل على بعض أفعال العباسيين لأنه شيعي ، ولأنه علوي ، فإن سلسلة نسبه تنتهي إلى إسماعيل بن إبراهيم طباطبا من أحفاد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه . وقد
انتهت إليه تفاية العلويين في بغداد والكوفة بعد مقتل والده تاج الدين أبي الحسن على . ولكن المنصف لا يسعه إلا أن يعترف بخلو هذا المؤرخ من التعصب الكريه . ووجه الحق _ فيما يظن من تشيعه أو تعصبه - ان الرجل كان مؤرخاً ناقداً ، ولم يكن شيعياً متعصباً فأي مؤرخ لايلوم الخليفة هارون الرشيد على ما فعله بالعلويين ؟ وإذا كان صالح الدولة أو ما يسمونه اليوم ( Rsison Detoi) يسوغ ما فعله الرشيد بآل على توطيداً لأركان دولته . فإن الناقد لا يسعه أن يسكت عن هذه الأعمال من ناحية الخلق والوفاء فلقد زاد الرشيد على القتل نقض العهد الذي أعطي . كما فعل مع يحيي بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي . حين كتب له أمانا بليغا بخطه ، وأشهد عليه القضاة والفقهاء ثم قتله بعد ذلك .
ولهذا لم يكن مؤرخا ابن الطفقطقي متجنباً ولا متعصباً على الخليفة الرشيد حين قال : ( وما أحسن قول أبي نواس لهارون الرشيد :
قد كنت خفتك ثم آمنني
من ان أخافك خوفك الله
ولم يكن الرشيد يخاف الله ، وأفعاله بأعيان آل على - وهم أولاد بنت نبيه لغير جرم - تدل علي عدم خوفه من الله تعالى . . ولكن أبانواس جري في قوله على عادة الشعراء ( .
هذا ما قاله مؤرخنا العلوي الشيعي المنصف حين أراد أن ينتقد الرشيد في أعماله مع العلويين ، وهو ليس في هذا متجنياً ولا متحاملا . . بل كان منصفاً . وآية إنصافه أنه وهو يترجم للرشيد في موضعه من الكتاب قال فيه وفي دولته : ( وكانت دولة الرشيد من أحسن الدول وأكثرها وقاراً ورونقاً وخيراً ، وأوسعها رقعة مملكة . . وكان فاضلا شاعرا راوية للأخبار والأنار والأشفار . صحيح الذوق والتميز ، مهيباً عند الخاصة والعامة )
هذه بعض نواحي صاحب كتاب الفخري في تاريخه الدقيق ، على أن بقية نواحيه وسيرته التي أتعبنا الحصول عليها ستكشف عنها في العدد القادم إن شاء الله .
