- ٢ -
بلغنا عند صاحب الفخرى مبلغ الخطتين اللتين ألزم بهما نفسه في مقدمة كتابه . وهما التجرد من الرأي والهوى ، والوضوح في التعبير ، وضربنا المثل على تجربة للحق ورجوعه إليه محكايته مع الشيخ جمال الدين المستجرداني كما ضربنا المثل على روحه المتصفة بموقفه من الخليفة العباسي هارون الرشيد حين لامه على موقفه من العلويين وغدره بهم وحين أنصفه في الوقت نفسه بوصفه بالفضل وصحة الذوق والتمييز والهيبة عند الخاص والعام
ولا يقف ابن الطقطقى من رواية الحوادث التاريخية موقف للسجل لها ، المتفرج عليها ، الصامت أمامها . ولكنه يتكلم معيبا على الحادثة بما يراه ، ومعلقا عليها بما يريد من قواعد الخلق أو سياسة الحكم وغيرها . فقد أورد في مقدمته ما روى من أن عضد الدولة بن بويه شغفته امرأة من جواريه حبا ، وبلغ به الشغف حبا الهاه من تدبير مملكته . فنصحه وزيره مبينا له طروه النقص على الدولة بسبب انشغاله عن إصلاحها بهذه الجارية ، والصواب في تركها والالتفات إلى إصلاح ما فسد من شئون الدولة وبعد أيام جلس عضد الدولة على مشرف من الأرض على نهر دجلة ومعه الجارية ، ثم شاغلها ساعة حتى غفلت عن نفسها . ثم دفعها إلى مياه النهر الذي فيها . . وبذلك تخلص منها ، وخلص عقله وقلبه لأمور مملكته . فاستعظم الناس هذا الفعل من عضد الدولة ، ونسبوه فيه إلي قوة النفس . . حين قويت نفسه على قتل محبوبة
هذا هو الخير الذي ساقه مؤرخنا ابن الطقطقى في معرض ما يكره الدارك من المبالغة في الليل إلي النساء . ولكنه علق على فعلة عضد الدولة مع الجارية التي أحبها
قائلا : وأنا أستدل بهذا الفعل على ضعف نفس عضد الدولة لا على قوتها ، فإنه لو لم يحس من نفسه بالانفعال العظيم لحبها لما توصل إلي عدمها . . ولو تركها حية ثم أعرض عنها لكان ذلك هو الدليل على قوة نفسه .
أليست هذه الروح النافذة القوية تستند إلى قوة النطق وصحة الحكم ، والصراحة في إبداء الرأى بعد عرضه على محك العقل ؛ ولا يقال إن بعد الزمن بين عضد الدولة بن بويه سنة ٣٧٠ ه ، وبين عصر المؤلف سنة ٧٠٠ ه هو الذي حمله على هذه الصراحة ، فإن هذه الروح عند مؤرخنا لا تتقيد بزمن ولا تتأثر بشخص . ألم يجرد نفسه من حكم الربى والنشأ حتى يكون نزيها في أحكامه ؟ ومن جرد نفسه من نوازع المنشأ ومجاملات البيئة لا يبالى في النقد بعصر دون عصر .
ودليلنا على تجرد مؤرخنا من التعصب أو التأثر في الحكم بالعوامل الخاصة أنه لم يتعرض بكلمة جارحة للوزير علاء الدين عطاء ملك الجويني وزير أباقا ابن هولاكو للمولى، على الرغم من أن هذا الوزير كان خصما لأبيه تاج الدين . حتى بلغت الخصومة حدا اتهم فيه الوزير بالتحريض على قتل والد مؤرخنا سنة ٦٨٠ ه .
ولقد كان هذا الوزير حاكما لبغداد في أوائل العصر المغولي استيلاء هولاكو عليها ، فأعاد إليها الهدوء والأزدهار بعد حلول النكبة بها سنة ٦٥٦ ه . وقد أنفق مائة ألف دينار في حفر قناة تخرج من الفرات إلى الكوفة والنجف ، ليفتح بذلك أسواقا جديدة للتجارة . وقام بهذا العمل تاج الدين والد مؤرخنا ؛ ولكن دب بينهما من الخلاف ما حمل تاج الدين على السعي عند " أباقا لإقالة
الوزير الجوينى ، فعمل هذا الوزير على قتل تاج الدين . ولكنه تغطية لموقفه - أمر بقتل القتلة ، إلا أنه صادر أموال والد مؤرخنا ؛ وقد ذكر المستشرق المشهور بارتلد Bartald أن صاحب كتاب الفخرى مدح علاء الدين مع أنه كان خصما لوالده ولم أقع على هذا المدح ، إلا أنه في صفحة ٢١ من الفخرى طبعة دار المعارف بمصر يذكر واقعة حال لعز الدين بن جعفر مع الوزير الصاحب علاء الدين الجوينى ، فقد ادعي النيسابورى - مع عدم علمه بالعلم والأدب والشعر - أنه نظم بيتين فى مدح علاء الدين ، وخفى الأمر على هذا الوزير فصدق أن البيتين للنيسابورى مع أنه يعرف جهله بهذه الأمور . ويقول مؤرخنا بنص عبارته : ) وما أدرى من أيهما أعجب ؟ أمن الصاحب كيف خفى عنه حال عبد العزيز " النيسابورى " مع أنه السنين الطويلة يعاشره في سفر وحضر ، وجد وهزل ؟ أم من عبد العزيز كيف رضى لنفسه مثل هذه الرذيلة وأقدم على مثل هذا مع الصاحب وما خاف من ثقبه الصاحب واسترذالة لفعله ( . والرذيلة التى ارتكبها عبد العزيز النيسابورى أنه أخذ بيتين من شعر شاعر آخر ونسبهما لنفسه لينشدهما في مدح الوزير الصاحب .
ويرجع مؤرخنا إلى المؤرخين ليروى عنهم ، وقد رجع إلى الوزير الصاحب علاء الدين خصم أبيه اللدود فيما رواه من أن حلقة جنكيز خان للصيد كان أحدها مسير ثلاثة شهور ( . وعلق على هذا الخبر بقوله : ) وما أري هذا إلا مستبعدا .
ولا بأس هنا أن نذكر أن الصاحب علاء الدين اشتهر فوق الوزارة التاريخ ؛ وله كتاب تاريخ جهان كشاي الذي يعد مرجعا هاما للعصر المغولى وقد قام ميرزا محمد قزويني بنشر هذا الكتاب الثمين والتعليق عليه في مجموعة " جب " التذكارية . وهو مكتوب بالفارسية التي كانت لغة علاء الدين . ويقول عنه بارتولد : ) ولعل مؤلف هذا الكتاب يعني جهان كشاي - هو المؤرخ الفارسى الوحيد الذي شد الرحال إلى منغوليا ووصف بلاد شرقى أسية ( .
ونلاحظ كثرة تعليق ابن الطقطقى على الأحداث والآراء ومناقشته لها في حرية واتزان . فهو لا يقدس الخبر أو الرأى
للمائه ولكنه رجل عملى واقى ، يعرض الرأي على الواقع فيحد فيه أحسن مختبر . ولما بلغ تقسيمهم السياسات إلى خمسة أنواع : ) سياسة المنزل ، والقرية ، والمدينة ، والجيش والملك . فمن حسنت سياسته في منزله ، حسن سياسته في قريته ، ومن حسنت سياسته في قريته حسنت سياسته في مدينته ، ومن حسنت سياسته في مدينته حسنت سياسته للجيش ، ومن حسنت سياسته للجيش حسنت سياسته للملك ( لما بلغ هذا التقسيم قال معقبا علية : ) وأنا لا أرى هذا لازما ، فكم من ناجى حسن السياسة لمنزله ليس له قوة سياسة الأمور الكبار . وكم من ملك حسن السياسة لمملكته ليس محسن سياسة منزله ( .
وبلغ من تمكن روح النقد " من نفسه أن الشعر نفسه لم يسلم من فقدانه . وهو منصف للشاعر ، يعطيه حقه وماله وما عليه . فإذا أحسن الشاعر في معنى وصفه بالإحسان ، وإذا أساء وصفه بالإساءة . وهو لا ينظر إلى الشعر من حيث أسلوبه وألفاظه ولكن من حيث ، معانيه وأغراضه ومطابقتها لقواعد الخلق أو مجافاتها لها . وقف مرة عند قول ابن الرومى يمدح الحقد قائلا :
وما الحقدُ إلاّ توأم الشكر في الفتى
وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
فحيث ترى حقدا على ذي إساءة
فثمّ ترى شكرًا على سالب القَرْض
إذا الأرض أدّتْ ريع ما أنتَ زارعٌ
من البذر فيها فهى ناهيك من أرض
فلم يعجبه أن يمدح الحقد بمثل هذا الكلام ، فقال مطلقا كعادته : ) ولم يسمع بمن مدح الحقد غير هذا . وهذا قول لا يعرج عليه ، وإن عرج عليه أحد فليعرج عليه غير الملك ، فإن الملك أحوج الخلق إلي استصلاح النبات واستشفاء القلوب ( . ص ٢٥ من " الفخري " طبعة دار المعارف سنة ١٩٢٣
ولكنه رأى لابن الرومى معنى آخر في تفضيل الرأي المدروس المختمر على الرأي الفطير المرتجل فقال : ) وما أعرف احسن من قول ابن الرومي في تفضيل الرأي المختمر علي الرأي الفطير :
نار الروية نار جد منضحة
وللبديهة نار ذات تخريج
وقد يفضلها قوم لعاجلها
لكنه عاجل بعض مع الريح
وبمناسبة نقد مؤرخنا للشعر حين يستشهد به في معرض التاريخ فإننا نلاحظ انه في أغلب المواطن لا ينسب الشعر إلى أصحابه . بل يكتفي بأن يقول : " قال الشاعر " أو " ما أحسن قول الشاعر في هذا الشيء أو " قال شاعر العرب ، وأحيانا يأتي بالبيت أو أكثر من الشعر بعد القضية التي يعالجها من غير أن يذكر عبارة تدل على انه سيستشهد بشعر . إلا أنه في بعض المواطن يذكر اسم الشاعر ، كما فعل مع النابغة ص ٤٩ ومهيار الديلمى ص ٦٤ .
ولقد أراج مؤرخنا ابن الطقطقى - حين لم ينسب الشعر إلي أصحابه من تعقب القراء له باستدراكهم من أن هذا البيت نسبه المؤلف إلى فلان وصحته أن ينسب إلى فلان . . وغير هذا من التعقبات التي قد يستغنى عنها المؤرخ في أحوال . ولا يستغنى عنها الأديب بحال من الأحوال .
ويظهر أن مؤرخنا لم يكن ينظم الشعر إلا قليلا جدا ، وهو على الرغم من تذوقه للشعر القوى الرصين الجميل الملائم بوضعه ، وعلى الرغم من حسن استشهاده به لانعرف له في القليل الذي نعرف - إلا بيتين ذكرهما في المقدسة الطويلة لكتابه قائلا : ) ولمؤلف هذا الكتاب أصلح الله شأنه ، وما عما شأنه ، في هذا المعنى .
ليس فضل الفتى على الناس في ثو
ب ودار وبغلة ولجام
إنما الفضل في تفقد جار
وتسبب وصاحب وغلام
وهو شعر لا يدل على شاعرية ، ولا صيغ المعنى الذي قصده صياغة تناسب شرفه .
وابن الطقطقى أو ابن طباطيا هو جلال الدين فى الدين أبو جعفر محمد بن تاج الدين أبو الحسن على بل المستشرق الفرنسى " هيوار " عن الزبيدي ) أن الطقطقى " حكاية صوت " طق طق " ويطلق
هذا اللفظ كذلك على خفة الكلام وكثرته ( ولكن أحدا من اللذين تحدثوا عن ابن الطقطقى لم يذكر لنا السبب في هذه التسمية ، أما " طباطيا فهو الشريف العلوى " إبراهيم طباطيا " . ويذكر ابن خليكان ج ١ ص ٤٩ أن إبراهيم هذا قيل له ذلك لأنه كان يلتغ فيجعل القاف طاء وطلب يوما ثيابه . فقال له غلامه : أجيء بدراعة ؟ فقال : لا طبا طيا ، يريد : قبا قبا فبقى عليه لقبا واشتهر به . وروى الصفدى في " الوافي الوفيات " ج ٢ مثل هذا " ص ٢١١ من الوافي شر ديدونغ ، وطبعة استنبول سنة ١٩٤٩ ،
مؤرخنا عربى من أشراف العلويين ، ومن الطبقة العشرين من حقبة الإمام على كرم الله وجهه . وقد استوطنت أسرته " الحلة ، منذ أيام جده رمضان . وولد صاحبنا فيها سنة ٦٦٠ ه - كما يذكر " هيوار " - أى بعد سقوط بغداد في يد هولا كو وقومه المغول باربع سنوات ، وقد عاصر أبوه - وكان نقيب العلويين بالكوفة وبغداد - الحوادث التي لابست سقوط خلافة بنى العباس . وخدم - أعني أباه - في عهد هولاكو ، وعهد " آباقا " سلطان المغول من بعده . وقتل والد مؤرخنا في عهد أباقا بن هولاكو .
وقد قصد مؤرخنا إلى الموصل ، وكانت في ذلك الحين سنة ٧٠١ داخلة في نطاق الحكم المغولى وسلطان المغول حينئذ ) غازان " الذي أسلم كذلك ، وكان عامل الموصل حينذاك للمغول فخر الدين عيسى بن إبراهيم " الذي يثنى عليه مؤرخنا ثناء كثيرا ، فقد قصد الموصل ليقيم فيها فترة ينكسر فيها البرد ثم يمضي على وجهه إلى تبريز ، ولكنه سمع بأنباء فخر الدين عيسى وغزارة فضله فاتصل به ، وكان أول وروده عليه في يوم كثير الغيث ، فقال فخر الدين لحجابه : من حضر الباب وله حاجة فعرفونا بها ؛ إن أحدا لا يحضر في مثل هذا الوقت إلا لضرورة ، ولا يجوز أن يرد خائبا . .
وقد اكبرت هذه الكلمة عامل الوصل في نفس مؤرخنا ، وحضرته في هذه اللحظة كثير من صنائع الأمراء
البقية على الصفحة التالية
والرجال الذين طوقوا بها أعناقي غيرهم " فرأيت أن اخدم حضرته بتأليف هذا الكتاب ليكون تذكرة له . وتذكرة لي عنده ، يذكرني به إذا غبت عن عالى جناية . وانفصلت عن فسيح رحابه . وفعلا ألف هذا الكتاب وأهداه إلي فخر الدين وسماه الفخرى " نسبة إليه
ونلاحظ في كتاب الفخرى أن مؤلفه يشير إلى سلطان هذا العصر " ويدعو له قائلا : " ثبت الله قواعد دولته . وبسط في الخافقين ظل معدلته ، ثمن هو هذا السلطان الذي كان في العراق والفرس وما حواليهما بعد سقوط الخلافة العباسية سنة ٦٥٦ ه
إنه السلطان غازان " وهو السلطان السابع من سلاطين المغول الدين حكموا بغداد من أيام هولاكو سنة ٦٥٦ ه . وقد شهد أبو مؤرخنا عصر المستعصم العباسى ،
وعصر هولاكو ، وابنه آباقا ، كما شهد ابنه عصور آباقا ، وتكودار الذي أسلم وسمى أحمد ، وأورغون . وكيخانو ، وبدو ، وغازان الذي تولى من سنة ٦٩٥ إلى سنة ٧٠٣ ه والذي أعلن إسلامه فأسلم معه مائتا ألف من المغول كما يروى " وصاف الحضرة المؤرخ المشهور بوصاف .
هذا هو مؤرخنا العربي المسلم النقاد " ابن الطفقطقى " الذي اهتم المستشرفى آلوارث Ahlwardi بكتابه الفخرى فنشره سنة ١٨٦٠ ، ثم نشره دربنورغ نشرا اكثر تحقيقا سنة ١٨٩٥ . ثم نقله المستشرق اميل أمار إلى الفرنسيه سنة ١٩١٠ . وكان المرحوم على الجارم بك و محمد عوض إبراهيم بك فضل مراجعته وتنقيحه في الطبعة التي أخرجتها دار المعارف بمصر سنة ١٩٢٣ .
