الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 700الرجوع إلى "الثقافة"

دراسة نقدية :, مسائل فى الأدب

Share

ليت قواعد الإنشاء تبيح لنا أن ندلي بآرائنا مرسلة بدون مراعاة للتمهيد والتبويب ووحدة الموضوع إلى غير ذلك من القواعد التي هي انسب في باب العلوم الجافة منها في الأدب .

أريد أن أسأل عدة أسئلة . وأحسب أن وضع كل مسألة منها في مقال ذي مقدمة ووسط وذيل - كأنه حشرة - يخرجها عن السؤالية .

ما هي قيمة النقد الأدبي ؟ سؤال ساذج ،

النقد مسألة ذوق شخصي ، يضاف إلي ذلك عاملا الثقافة والبيئة ، معني هذا أن الناقد المفيد المطلوب في كل زمان هو الشخص المثقف الذكي المرهف الحس ذو الذوق اللطيف . ولا احسب المقاييس النقدية التي تسطر فيها الكتب الآن تكسب الإنسان معرفة بعلم اسمه النقد ، كما يكسبك كتاب في الكيمياء علما بالكيمياء . اليس الناقد الأدبي إذا طفيليا على مائدة الأدب كما علمه طفيلي علي مائدة العلوم ؟

وإذ نحن نتحدث عن النقد الأدبي ، فما هي " التجربة الشعرية" ، هل هي تجربة عملية ؟ قد تكون . ولكن

لا أحسب النقاد يزعمون أنها عملية دائما ، بدليل أن شكسبير مثلا ، لم يقتل الملك دنكان الاسكتلندي وقد كتب شعرا جيدا على لسان ما كببث القاتل . وهذا الفرزدق قد القى بشاته المذبوحة جميعها إلى الذئب هلما منه وانفك لشعره . ثم وافى أصحاب من الغد أو بعد أيام بقصيدة تونية ( ١ ) رائعة يصف فيها أنه أخي الذئب واكله وواثقه على خلاف بينهما

وكل رفيقي كل رحل وإن هما

تعاطي القنا قوماهما أخوان

وإذا كان مثل هذا يحصل في الشعر ، فيجوز أن ينظم

شاعر قصيدة جيدة في الغرام وهو قرحان لا عهد له بوصل . ولا بين ، والنقاد يزعمون أن شعر كثير بن عبد الرحمن في الغزل والصبابة لم يصدر عن حب صادق .

فما هي " التجربة الشعرية " إذا إن لم تكن شيئا عمليا ؟ أظن أن هذا الاصطلاح - وهو ناب في لغة العرب كما هو ناب في لغة الإنجليز - ما صاغه إلا " مركب الشعور بالنقص" تجاه العلم ، الذي قد غلب على كثير من أدباء أوربا في القرن الماضي :

وجدوا العلوم تمتز بالاستقراء وبالتجربة والتجريب . فأرادوا أن يجعلوا للشعر والنثر تجارب وتجريبا كالعلوم ، مثلهم كمثل بعض المسلمين الذين أرادوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط كما المشركين ذات أنواط ، ولكن أولئك وجدوا رادعا ، وهؤلاء لقوا تشجيعا وإطراء . وهذا لاسيل أبو كرمي له تطويل وإطناب في أمر "التجربة الشعرية " تخرج منه وكانك لم تدخل فيه

إني لأجد الخيال يغني عن التجربة العملية في الشعر إلى حد كبير . لا بل غناؤه أكبر . وهذا أمر واضح لا يحتاج إلى تدليل ، ثم أجد ترتيب الألفاظ في طراز موسيقى حتى بلا استعانة بالخيال والتصوير ، قد يؤثر أحيانا ايما تأثير . ولا تقل هذا انحراف في الذوق . أليست الموسيقا نغما وأصواتا وهي تؤثر ؟ أتستبعد على شاعر مبدع أن يلائم بين ألفاظه وموسيقاه حتى يكون تأثيرها معا قويا جدا ، من دون أن يستعين بالخيال والتصوير ؟ أذكر أني قرأت لبعض الأدباء الإنجليز أنه يجد في موسيقا الشعر من اللذة ما لا يجده في موسيقا موزار وبتهوفن . وإني لأجد لأبيات الخنساء :

أعيني جودا ولا تجمدا  ألا تبكيان لصخر الندي

ألا تبكيان الجريء الجميل  ألا تبكيان الفتى السيدا

طويل النجاد رفيع العماد ساد عشيرته أمردا

أثرا عميقا في نفسي ؛ وليست إلا الفاظا مرصوصة لا خيال فيها ولا تصوير ؛ كما إني أستحلى وأستملح أبيات النواسي :

ادمعة كالؤلؤ الرطب من الطرف الكحيل

سفحت في ساعة البين على الخد الأسيل

إنما يفتضح العشاق ساعات الرحيل وهي " كليشهات " ليس إلا .

المتكلمون عن "التجربة الشعرية " ينسون أن جميع الناس تمر بهم " تجارب شعرية " وقل من يخلو من العواطف القوية العنيفة . ولكن الذين يستطيعون صفة هذه العواطف نادرون جدا . وهؤلاء هم الفنانون ولأمر ما قالت الأوائل إن المعاني ملقاة على قارعة الطريق .

وهذا يدفعني لأن أسأل : أيعدو الشعر الجيد أنه استخدام للغة حسب مقتضيات الأحوال كما يقول علماء المعاني , لا يسبق إلي وهمك أيها القارئ الكريم أني أريد إلى أن الشعر الجيد ألفاظ ليس إلا . إنما مرادي أن اللغة - على تقدير وجود الملكة الفنية - هي العامل الرئيسي

الأسلوب الحديث الذي ينظم به إليوت الشاعر ، قائم من أساسه على أن اللغة الإنجليزية قد سوح زهرها كثرة الاستعمال ، فلا سبيل إلى إلباسها زهرا جديدا إلا بتغيير الوضع النحوي واختراع صياغة جديدة تعيد عليها ما ذهب من مائها . وإليوت قد تأثر مذهب الكاتب الإرلندي جيمس جويس ؛ وهذا الأخير قد تطرف وغالي في مسألة الصياغة ، حتى إنه كتب كتابا ضخما لا يكاد يفهمه أحد - اللهم إلا من كان له مثل تبحر جويس وعلمه بلغات أوربا وآدابها . وقريب من مقدرته على نحت الكلمات واشتقاقها ؛ والشاهد هو أن هذه المدرسة الحديثة تهتم بالصياغة والتجويد كما كان يفعل القدماء - الفرق الوحيد بينها وبين المدرسة القديمة أن تلك تقبل اللغة كما وجدتها وتطالب بالتجويد . وهذه تريغ التجويد ولكن بعد أن يجرى تغيير جوهري في تراكيب اللغة وألفاظها . ولعل حركة هذه المدرسة أن تنبه الأدباء إلى الاهتمام بتجويد الصياغة حتى يتاح للغة الإنجليزية شاعر فحل يعيد عليها نفس شكسبير ولا يكلف سامعيه وقراءه عناء في الفهم كما يكلفهم إليوت وجويس .

وهذا الكلام يفضي بنا إلى مسألة شائكه. قرأت لبعض الأدباء كلاما ينعي فيه على الدكتور زكي مبارك رحمه الله إيثاره للجزالة في شعره . قائلا إن هذه الجزالة تقلل من قيمة عمله الفنية . ولو قد كان نفور هذا الأديب من جزالة زكي مبارك

كنفور الدكتور طه حسين من بعض زخرفة الرافعي رحمه الله ، لكان له وجه ، لأنه يكون على هذا نفورا من " مودة " قديمة في التعبير ذهب زمانها . ولكني احسبه من قبل نفور المتوكل من عينية البحتري " مني النفس من أسماء لو تستطيعها" فقد زعم المتوكل أن قوافي هذه القصيدة تثير القئ ولا ريب أنه قد كان صادقا في التعبير عن ذوقه هو ، إلا أنه كان جائزا في الحكم على أبي عبادة ، لاسيما وهذه البقية من فرائده .

والجزالة سواء استعملها زكي مبارك أم غيره ليست " بمودة " بلة أن توصف بأنها " مودة قديمة " أو " جديدة إنما هي البنية التي بنيت عليها اللغة العربية يوم كانت هي اللغة الحية .

وقد ظلت اللغة العربية تستعمل بين المثقفين عصورا طويلة - يكتبون بها ويتكلمون غيرها ، شأنها في ذلك كشأن اللاتينية في أوربا إبان القرون الوسطى . وطبعي أن المثقفين لم يكونوا يجيدون صياغة الأسلوب العربي كما كان يجيده بنو بجدته . وكثيرا ما كانت تغلب على أساليبهم " مودات" من الهجنة كلها من قبيل الاحتيال على اجتناب الصياغة الجزلة العزيزة ، واستبدالها بشيء آخر أرخص وأسهل متناولا . مثال ذلك أسلوب السجع كما عند الصاحب والقاضي الفاضل والمتفتح بن خاقان ، وأسلوب البديع كما عند شعراء اليتيمة وكما في بديعية ابن جابر . وكان يتاح للغة العربية من حين إلى آخر رجال حراص على سلامتها . غير على صياغتها الصحيحة ، يتنكبون المودات العاصرة ، ويكتبون بأساليب أصدق صفة لها الجزالة ، مثل المنفي والرضى والطغرائي ، وأسامة بن منقذ ، ومحمود سامي باشا في الشعراء ، ومثل التوحيدي والإصفهاني وأبي مروان بن حبان في الكتاب .

وأسلوبنا الذي نكتب به وننظم فيه في عصرنا الحاضر " مودة " من " المودات" المتكلفة ، ليس بجيد الصياغة لأنه ليس بجزل وليس بأسلوب طبعي سهل لنأخذ لأنا لا نستعمله في حياتنا اليومية ، ولا نصطنعه إلا حين نمسك الأقلام أو نقف مواقف الخطابة الرسمية . لا تقل لي إن لغة الكتابة والخطابة أبدا تختلف عن لغة الكلام اليومي .

فلست في ذلك من المترين . وإنما أقول إن لغتي كلامنا وكتابتنا تختلفان اختلافا عظيما يتعذر معه أن نعتبرها أسلوبين ووجهين من لغة واحدة ، بل يتحتم معه أن نعدها لسانين متباينين أيما تباين .

ولا يمكننا بحال من الأحوال أن ندافع عن الصياغة العصرية وبخاصة في الشعر بأنها سلسلة أو معبرة أو طبعية أو جذابة . وإن دافعنا عنها بمثل ذلك فإنما يكون دفاعنا دفاعا عن " مودة " عن " عرف " عن شئ شكلى ، قد تقبلناه كما تقبل من قبلنا أسلوب القاضي الفاضل وأسلوب الرسائل في عهد المماليك وأسلوب "سعادتاو أفندم" ، أوائل القرن الماضي - قد تقبلناه لنحتال به على اجتناب الجزالة التي ينبغى أن تكون بها صياغة اللغة الفصحى ، ويوشك مثل هذا الدفاع أن يهلك أدبنا ويميت روح الصدق . فيه . وفي شعر المهجر ومعظم الشعر المعاصر من أمثلة الركاكة في العبارة ، والهجة في الصباغة ، والسرقة الفاضحة من شعر الإفرنج ، من غير ما تصرف ولا ابتكار ، شاهد قوي على ما أقول . ولولا خوف الإطالة لإكثرت من الشواهد والأدلة .

الصياغة اللغوية هي جوهر الأدب ، وقد غفلنا عن جوهريتها زمنا طويلا ، وقد آن لنا أن نتنبه . ولا أرى أمامنا إلا أحد أمرين :

الأمر الأول ، أن نقول إن اللغة الفصحى هي لغة القرآن والتراث القديم ، فيجب علينا أن نمسك بها . ثم إنها الرابطة القوية التي تجمع بين الأمم العربية ، وهذا سبب آخر يدعونا إلى التمسك بها ، فإن قلنا بهذا القول وجب علينا أن نتعلم اللغة الفصحى ونكتب بها كما ينبغي - كما كان يكتب بها بنو بجدتها - وتضرب عن استعمال الأساليب الهجينة التي عليها إجريا لغتنا المعاصرة . وعلى فرض أننا جميعا آمنا بسلامة هذا الرأي وعملنا على تحقيقه ، فهل تحقيقه ممكن ؟ لا بل هل يمكن تعميم اللغة الهجينة المضطربة الغالية علينا الآن ، بله الجزلة . هينا أخذنا الناس بما تأخذ به حكومة إيرلنده رعاياها من تعلم اللغة الوطنية القديمة ، أترانا نبلغ شيئا من أو ينا في جعل اللغة الفصحى هي لغة كل الناس ؟

وهنا لا نجد بدا من التفكير في الأمر الثاني :

وهو أن نعامل اللغة الفصحى كما يعامل الإفرنج اللغتين اللاتينية واليونانية ، وذلك أن نعدها لغة " كلاسيكية " نطلع من منافذها على القرآن والحديث والشعر الجاهلى والتراث الإسلامي ، ونستدل بها علي أصول اللغة التي تستعملها وتشتق منها ما يناسب حاجتنا - وتقيم اللغة العامية مقامها في الكتابة والخطابة والشعر كما هي قائمة مقامها الآن في حياتنا اليومية .

قد يقال إن اللغات العامية تختلف بإختلاف الأقطار العربية وفي استعمالها ما يعين على تفكك عرى الوحدة العربية أو يعجل بذلك . وعندي أن أصحاب هذا القول يسيئون الظن بالوحدة العربية . هذا وما يرونه شبيه بما يراه بعض مفكري أوربا اليوم ممن يأسفون لحلول اللغات القومية محل اللغة اللاتينية ، وهؤلاء يزعمون أنه لو استمر العلماء والأدباء يكتبون باللاتينية لكانت الثروة الثقافية الغربية مشتركة ، ولكان ذلك قد اغنى عن كثير من الجهد الضائع في الترجمة . ولعمري  إنه لو قد استمرت اللغة اللاتينية كما في العصور الوسطى لكانت الثقافة الأوربية أفقر بكثير مما هي عليه الآن ، لأنه يتسنى من التعبير في اللسان القومي الطبعي ما لا يتسنى في اللسان المكتسب ، على أن التعبير في حد ذاته ليس بالأمر الهين ؛ وفضلا على ذلك فإن الثقافة كانت تكون مقصورة على الأرستقراط دون غيرهم .

وقد يقال إن استعمال اللغات العامية يوجد مشكلة عظيمة من حيث الكتابة ، إذ نطق الكلام العامي مخالف جدا للنطق الفصيح ومثل هذا الاعتراض غير قوي ، لأن الحاجة إلى كتابة العامية ستدعو إلى اختراع حروف تناسبها أو إلى تعديل في الحروف العربية يلائم مخارج حروفها ، والحاجة أم الاختراع . على أن الحروف الهجائية بحالتها الحاضرة صالحة جدا لكتابة العامية ، وهذا قول أقول به عن تجربة طويلة .

وقد يقال إن اللغات العامية منحطة رديئة عاجزة عن التعبير الجيد ، والكلام عن إحلالها محل اللغة الفصحى انحراف في التفكير ، وهذا الاعتراض قوي من حيث إنه تعصب ، ومن حيث إن كثيرا من الذين يكتبون بالفصحى

يخشون على أنفسهم الضيعة والخمول وكساد السوق إن صارت وسيلة التعبير هي اللغة العامية ، وليس لهذا الاعتراض سند من المنطق ، لا ولا حجة واحدة يقبلها العقل المحايد .

ومن تأمل اللغة العامية وجدها تستعمل بين المتعلمين والمثقفين والأميين والرعاع ، ووجد المدرس في الجامعة غير مستغن عنها ، كما لا يستغني عنها السياسي في المجمع ، والقاضي في المحكمة ، وهي ككل لغة حية لها أسلوب راق تستعمله الخاصة ، وآخر غير راق تستعمله العامة وكلاهما مفهوم عند جميع الناس .

وأستطيع أن أقول ، وانما متأكدا مما أقول ، عن عاميتنا بالسودان ولا اشك أن المصري يستطيع أن يقول ذلك عن عاميته والسوري كذلك الخ .. إنها ليست حية من حيث إنها دائرة في الاستعمال فحسب ، ولكن أيضا من حيث إن لها ذخيرة لغوية واسعة يعرفها سائر الناس ، وتراثا أدبيا ضخما . أما من حيث الذخيرة اللغوية فكلماتها توشك أن تشمل ثلثي القاموس بما في ذلك أسماء النبات وصفة الطبيعة ، وتزيد على القاموس بما فيها من كلمات جديدة بعضها مشتق من أصول قديمة ، وبعضها مستعار ليناسب حاجات القرن العشرين . وأما من حيث التراث فيها مجموعة ضخمة من الأمثال لا يقع كتاب الميداني في طرف منها ، بعضها مستطرف ، وبعضها من أصول عربية تليدة ، وفيها دواوين لا تحصي من الشعر ، كثر أوزانه تدل على تطور من الشعر القديم ، وأغراضه متعددة أيما تعدد - فيها الغزل والتصوف والهجاء والمدح ، والقصص والغناء

لا ريب أن الأخذ باللغة العامية أقرب إلي المعقول وأطوع للطبيعة من تكلف الأسلوب الجزل أو الاحتيال على اجتنابه " بالمودات " . فإلام نستمر نكتب وننظم بلغتنا المعاصرة التي لا هي عربية صحيحة ولا عامية صريحة ؟ أليس الله قد هيأ لنا من اللغة العامية مرعى أنفا ووسيلة بكثرا لو قد ظفر بمثلها إليوت وجيمس جويس ما كانوا ليتكلفوا ما تكلفوه من البحث عن طريقة معبرة يفهمها القليل ويعبأ بها الكثير .

بخت الرضا

اشترك في نشرتنا البريدية