دردش
دردش يدردش دردشة ، فهو مدردش ، والدرداش كثرثار كثير الدردشة . والدردشة أن تجلس فتتحدث ويتحدثون في غير جهد ، وبغير عنت ، وعلى غير نظام سابق أو ترتيب متفق عليه ، حتى مواضيع الحديث تأتي عفوا فإذا أنت اضطجعت في جلستك وصالبت بين رجليك كان هذا في معنى الدرشة أدخل . وإذا كان عن يمينك فنجان قهوة كان هذا على الدردشة أعون .
والفرق بين الدردشة والثرثرة أن الأولى محمودة ، بينما الأخرى مرذولة ؛ فالثرثرة كثرة الكلام في ترديد وتخليط ، ومنه قول النبي ( أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون " . وهم الذين يكثرون الكلام تكلفا ، أما الدردشة فغير ذلك .
و الدردشة من سواقط القيد ، فلن تجدها في قاموس ، ولكنها حية ترزق ، على ألسن الناس ، ولها كل مقومات الحياة ، وقد احتلت موضعا لا يمكن أن يحتله سواها ، وحتى لو قال متقعر إنه لم يثبت بعد أنها ولدت عربية ، إذا لفلت إن قانون الجنسية في أكثر الأمم يقضي بجواز قبول الغريب فيها بعد عشر سنين من إقامته ، وهذه لاشك عاشت بيننا مئات من السنين .
وإذا فهي عربية أو متعربة . ومن أمثلة الدردشة هذه الدردشة في لفظ الدردشة .
ثروة الخميس
هل نحن متمدنون ؟ . الجواب : لا حتى المثقفون منا غير متمدنين : فأحمد أمين غير متمدن لأنه يقرأ الأدب القديم ويتذوقه ؛ وأحمد زكي غير متمدن لأنه يقرأ للمتنبي ويتذوقه . وسالت في سبيل زيادة الاستيضاح ، لعلي استرد اعتباري بأني مدني ولو غير كامل ، سالت : هل حتى إذا تذوقت من المتنبي قوله :
زودينا من حسن وجهك مادا
م فحسن الوجوه حال يحول
وصلينا نصلك في هذه الدن
يا فإن المقام فيها قليل
فقيل لي : نعم . أو علي الأقل أظل كذلك حتى يأتيني خبير من أهل المدينة ، أهل الغرب ، يقرأ هذا الشعر للمتنبي فيقره ، وعندئذ فقط أعطي جوازي إلى المدينة
والموسيقي كذلك ، لن تكون ياصاحبي مدنيا إلا إذا سمعت موسيقى " فجنر " وطربت لها ، وأقول : ولكن سبعون أو ثمانون في المائة من الغربيين لا يفهمون " فجنر " فيقال لي : فهؤلاء إذا غير متمدينين . والويل لك إن تستسغ غناء أم كلتوم خشية أن تسلك ما لا بد من سلوكه لتثبت أنك مدني ، فتأتي بخبير غربي في الموسيقى يستمع إلى أم كلثوم فلا يرضي لها غناء ، فتبوء أنت بالفشل ، وهي طبعا ، وتصبحان غير مدنيين . لا بد من شهادة على كل حال .
والأخلاق قد اتسعت في هذه الدنيا الحاضرة اتساعا ، فلا بد أن لا تضيق أخلاقك عما اتسعت له المدنية ، فإذا كانت لك بنت ، وبلغت السن التي حددتها المدنية للاستقلال ، وهي الحادية والعشرون ، وأرادت أن تبيع من عرضها ما تبيع ، وتدخلت في إرادتها تدخل القدماء العتيقين من الآباء فأنت غير مدني ، وإذا قلت لهم إن الآباء في الغرب لا يزالون يتدخلون رغم هذا ، قيل لك فهؤلاء لم يتشربوا روح المدنية .
فهذه بعض الآراء التي لخصها حضرة الدكتور زكي نجيب محمود في مقالته بالعدد الماضي من الثقافة ، وهو يحكى عن ندوة لجنة التأليف وما جري فيها ، وكان هو في طرف منها وكنت في طرف . وقد لخص وأساء تلخيصا ، وجعل لنفسه وهو الواحد من جماعة خمسيء هذا الحديث ، فكسب لنفسه من حيث خسر الآخرون ، وهو لم يستشر في النشر أحدا كما قال ، ولعل هذا من بعض المدنية .
إني أضيق بالقديم ، غير الصالح ضيقا كبيرا ، وأعجب بالحديث الصالح أيما إعجاب ، ولكني لن أفقد وعي ، وانفي عقلي ، بتكسير آلهة أعبدها شرقية ، لأقيم مكانها آلهة أعبدها غربية . إن الأصنام لا بد أن تجحد كلها ، فإن كان لا بد من عبادة صنم ، فصنم معضم أحب إلي من صنم مقبع .
وفي صميم الأشياء أمور ثابتة القيم لا يغير منها الزمان ، فإذا جاءت مدنية تقول لي أن تكون مدنيا إلا إذا كشفت عورتك . ليثب عليها الناس . ولنثب بها علي الناس ، فهذا اتساع في الأفق ، إذا لقلت لها إنه اتساع ، ولكن في غير الأفق ، وإذا لقلت لها لست منك ولست مني
إن المدنية الحاضرة أكثرها الجميل ، ولكنها قد تشقي أكبر الشقاء ببعض من يترجمون عنها .
متي يحمد الصفع ومتي يذم
أما الصفع الذي أقصده فهو تماما ذلك الذي فهمته ياقارئي ، الضرب بجمع الكف وهو منبسط . وما كنت أحسب أن للصفع منافع إلا تفريج الهم عند الصافع ، وما كنت أحسب له مضار إلا ثورة المصفوع ، ولكل ثورة أعقاب . .
ولكن سيدة اجتمعت بها علمتني غير ذلك . كانت تشكو من خادماتها والخدم . كانت تعطيهم الفطور بيضا مقليا مع البسطرمة ، ومعه الفول بالزبد، ومعه السلطة . وكل ما يشاءون من خبز وإدام ، وفي الظهر تؤكلهم مما تأكل . والفاكهة المطبوخة تقدمها لهم ومن فوقها القشطة ) القشدة ووو. ومع كل هذا لا تلقي منهم إلا تعبا . وشكت هذا الحال أمامي لسيدة ثانية بأمور الخدم والخادمات أخير . فقالت لها : إن سبب تعبك من البسطرمة والقشطة ، فهذه تسبب عسرا في الأخلاق ، والرأي عندي أن تعودي إلى الفول والطعمية والخبز بغير زبد ، وقالت : وشئ آخر ، وصفة ناجحة عرفتها من تجربتي الخاصة لم أجد أفعل بعملها . وتطلعنا جميعا لنسمع هذه الوصفة العجيبة . فبعد تردد قالت السيدة : صفعة القي بها الخادمة كل صباح . قلت : من غير سبب ؟ قالت : نعم من غير سبب ، هي تحية الصباح تستقيم معها الخادمة طول النهار ، كما يصمد مفعول حبة
الدواء تماما في الجسم ساعات ، ثم لابد من أخذ حبة أخرى . وانفض المجلس ، وبعد حين لقيت السيدة الأولى ذات الأشجان مع الخدم ، وسألتها : كيف صنعت بالوصفة ، قالت : لم تنفع . قلت : ماذا حدث ؟ قالت : خرجت الخادمة من أول صفعة . قلت : والقشطة والبسطرمة ؟ قالت : كنت أبقيت عليهما ، قلت : آه هذا هو سر الفشل ، كان لا بد ان تهيئ للصفعات جوها المطلوب . فوعدتني بأن تفعل ، وأنا في انتظار نتيجة التجربة يشوقني إليها مزاجي العلمي
