قديما في بلدة دسلدورف Dusseldorfالصغيرة بألمان كان يعيش المدعو هو جرويللو HerrGrupello العون احد مشاهير المثالين في ذلك الزمان . . فطلب إليه الامير الناخب princeElecteure ( جان جبوم jean Guillatarne وقد توسم فيه النبوغ والعبقرية - ان يقوم بصنع تمثال له ، بصوره وقد امتطي صهوة جواده ، فطفق المثال يعمل طيلة النهار وشطرا من الليل ليحقق العمل المبتغي ، مقدرا لهذا الشرف العظيم الذي أوثر به من دون أقرانه
ولما فرغ الفنان من صنع " الأنموذج " دعا الأمير الناخب وجل رجال البلاط لإبداء رأيهم في هذا الأثر الفني قبل ان يقوم بإفراغه في قالبه البرنزي الأخير . وحضر الأمير في اليوم الموعود يصحبه صفوة أتباعه من رجال البلاط . فما أن ازاح المثال الستار عن " الأنموذج " حتى عقد الدهش لسان الأمير لفرط روعته ، ودقة صنعه ثم ما لبث ان استدار نحو المثال قائلا ، وقد اخذته النشوة :
- حقا يا هو جرويللو إنك لأهل لهذه الشهرة الواسعة ! إني لآري الشبه تماما ، حتى ليكاد الأمر أن يختلط على ، فأحسب التمثال حيا ! ألا إنك لفنان . .
. . ثم شد علي يده مهنئا !
. . وهنا أكلت الغيرة قلوب رجال البلاط ، ولم تقف عند حد حينما رأوا الأمير يصافح المثال كما لو كان صديقا قديما ؛ فتعلقت ابصارهم بالتمثال مؤملين ان ينفذوا إلي ثغرة يهونون بها من قدر هذا العمل الفني . . بيد انهم لم يجرؤوا على الغض من صورة الأمير . ولكن
واحدا منهم قال وهو يتكلف الظرف :
- حقا يا هو جرويللو إن صورة صاحب السمو بالغة الإحكام ، ولكن . . هل تأذن في أن أنقد الجواد نقدا خفيفا . احسب ان رأس الجواد مفرطة الضخامة ، حتى إنها التكاد أن تفقد هذا العمل صفة التناسق والانسجام الفنيين
وقال آخر :
لا . إنها الرقبة التي إخالها مفرطة الطول
وقال ثالث :
- لو تفضلت بتهذيب القدم الأمامية ! أطن أن ذلك يكون أدعي إلي الارتياح
. . ولكن المثال ظل صامتا طوال هذه الفترة التى حفلت بمختلف الآراء . ثم التفت إلي الأمير - وقد ساد الصمت - وقال يخاطبه :
- هل يأذن صاحب السمو في ان احتجز التمثال بضعة أيام آخر ، لعلي استطيع في خلالها ان احل " توجيهات " حضرات السادة محل العناية والدرس ؟
. . فلم يمانع الأمير في تحقيق هذا الرجاء
وأحاط المثال " الأنموذج " من كل جوانبه بأستار من رقيق الصفائح ، وانبري يعمل في جد واهتمام
. . أما رجال البلاط فقد أخذتهم هزة السرور والخيلاء ، إذ سمعوه يعمل طوال ايام عدة ، ووقع في روع كل واحد منهم انه كان على حق فيما ذهب إليه ، وان المثال لم يكن صائب النظر ، وانه - على ذلك لم يكن أهلا لهذه الثقة الغالية التي حباه إياها الأمير
وتصرمت بضعة أيام . .
وعاد الأمير ورجال بلاطه إلى الوقوف مرة أخري أمام التمثال ، وللمرة الثانية أعرب الأمير عن إعجابه وتقديره العظيمين ؛ وتكلم رجال البلاط بدورهم . . فقال أولهم :
- حسنا . . إن الرأس ليبدو الآن أكثر انسجاما عن ذي قبل
وقال الثاني :
. . والرقبة . . إنها - وقد قصرت قليلا صارت أكثر رشافة وجمالا !
. . وأعقبهما الثالث بقوله :
- إني لأجيد القدم اليمني الآن وقد خلت من كل شائبة
فلتفت الأمير إلي هر جرويللو ثم قال :
- إن حاشيتي لتبدو الآن شديدة الاعجاب . ولاشك إن السادة الأماثل قد وجدوا ان " التحسينات " التي اقترحوا قد أوفت بالتمثال على الغاية . .
فقطع عليه هر جرويللو وقد انفرجت اساريره عن بسمة ساخرة :
- إني جد مسرور يا صاحب السمو . . ولكن لا بأس من ان اصرح لسيدي الامير - إظهارا لوجه الحق - الى لم أمس التمثال مذ رآه صاحب السمو حتى هذه اللحظة !
فصاح الأمير ، وقد استغرقته الدهشة :
- كيف ؟ ! ماذا كنت تعمل إذن طوال هذه الأيام
- إني كنت اعمل على تحطيم ادعاءات هؤلاء السادة الأغرار في مادة الفن . إن غيرتهم وحدها هي التي خيلت لهم هذه المناقص في تمثالي . . وأحسب انها ايضا قد جعلتهم على تمام الثقة بصحة ما يتوهمون
فضحك الأمير ملء . شدقيه
أما عن السادة الفطناء فقد تسحبوا الواحد تلو الآخر دون أن ينبسوا بينت شفة !
) عن الفرنسية بتصرف (

