الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 295الرجوع إلى "الثقافة"

درس قيم . .

Share

قديما في بلدة دسلدورف Dusseldorfالصغيرة بألمان كان يعيش المدعو هو جرويللو HerrGrupello العون احد مشاهير المثالين في ذلك الزمان . . فطلب إليه الامير الناخب princeElecteure ( جان جبوم jean Guillatarne وقد توسم فيه النبوغ  والعبقرية - ان يقوم بصنع تمثال له ، بصوره وقد امتطي صهوة جواده ،  فطفق المثال يعمل طيلة النهار وشطرا من الليل ليحقق العمل المبتغي ، مقدرا لهذا الشرف العظيم الذي أوثر به من دون أقرانه

ولما فرغ الفنان من صنع " الأنموذج " دعا الأمير الناخب وجل رجال البلاط لإبداء رأيهم في هذا الأثر الفني قبل ان يقوم بإفراغه في قالبه البرنزي الأخير . وحضر الأمير في اليوم الموعود يصحبه صفوة أتباعه من رجال البلاط . فما أن ازاح المثال الستار عن " الأنموذج " حتى عقد الدهش لسان الأمير لفرط روعته ، ودقة صنعه ثم ما لبث ان استدار نحو المثال قائلا ، وقد اخذته النشوة :

- حقا يا هو جرويللو إنك لأهل لهذه الشهرة الواسعة ! إني لآري الشبه تماما ، حتى ليكاد الأمر أن يختلط على ، فأحسب التمثال حيا ! ألا إنك لفنان . .

. . ثم شد علي يده مهنئا !

. . وهنا أكلت الغيرة قلوب رجال البلاط ، ولم تقف عند حد حينما رأوا الأمير يصافح المثال كما لو كان صديقا قديما ؛ فتعلقت ابصارهم بالتمثال مؤملين ان ينفذوا إلي ثغرة يهونون بها من قدر هذا العمل الفني . . بيد انهم لم يجرؤوا على الغض من صورة الأمير . ولكن

واحدا منهم قال وهو يتكلف الظرف :

- حقا يا هو جرويللو إن صورة صاحب السمو بالغة الإحكام ، ولكن . . هل تأذن في أن أنقد الجواد نقدا خفيفا . احسب ان رأس الجواد مفرطة الضخامة ، حتى إنها التكاد أن تفقد هذا العمل صفة التناسق والانسجام الفنيين

وقال آخر :

لا . إنها الرقبة التي إخالها مفرطة الطول

وقال ثالث :

- لو تفضلت بتهذيب القدم الأمامية ! أطن أن ذلك يكون أدعي إلي الارتياح

. . ولكن المثال ظل صامتا طوال هذه الفترة التى  حفلت بمختلف الآراء . ثم التفت إلي الأمير - وقد ساد الصمت - وقال يخاطبه :

- هل يأذن صاحب السمو في ان احتجز التمثال بضعة أيام آخر ، لعلي استطيع في خلالها ان احل " توجيهات " حضرات السادة محل العناية والدرس ؟

. . فلم يمانع الأمير في تحقيق هذا الرجاء

وأحاط المثال " الأنموذج " من كل جوانبه بأستار من رقيق الصفائح ، وانبري يعمل في جد واهتمام

. . أما رجال البلاط فقد أخذتهم هزة السرور والخيلاء ، إذ سمعوه يعمل طوال ايام عدة ، ووقع في روع كل واحد منهم انه كان على حق فيما ذهب إليه ، وان المثال لم يكن صائب النظر ، وانه - على ذلك لم يكن أهلا لهذه الثقة الغالية التي حباه إياها الأمير

وتصرمت بضعة أيام . .

وعاد الأمير ورجال بلاطه إلى الوقوف مرة أخري أمام التمثال ، وللمرة الثانية أعرب الأمير عن إعجابه وتقديره العظيمين ؛ وتكلم رجال البلاط بدورهم . . فقال أولهم :

- حسنا . . إن الرأس ليبدو الآن أكثر انسجاما عن ذي قبل

وقال الثاني :

. . والرقبة . . إنها - وقد قصرت قليلا صارت أكثر رشافة وجمالا !

. . وأعقبهما الثالث بقوله :

- إني لأجيد القدم اليمني الآن وقد خلت من كل شائبة

فلتفت الأمير إلي هر جرويللو ثم قال :

- إن حاشيتي لتبدو الآن شديدة الاعجاب . ولاشك إن السادة الأماثل قد وجدوا ان " التحسينات " التي اقترحوا قد أوفت بالتمثال على الغاية . .

فقطع عليه هر جرويللو وقد انفرجت اساريره عن بسمة ساخرة :

- إني جد مسرور  يا صاحب السمو . . ولكن لا بأس من ان اصرح لسيدي الامير - إظهارا لوجه الحق - الى لم أمس التمثال مذ رآه صاحب السمو حتى هذه اللحظة !

فصاح الأمير ، وقد استغرقته الدهشة :

- كيف ؟ ! ماذا كنت تعمل إذن طوال هذه الأيام

- إني كنت اعمل على تحطيم ادعاءات هؤلاء السادة الأغرار في مادة الفن . إن غيرتهم وحدها هي التي خيلت لهم هذه المناقص في تمثالي . . وأحسب انها ايضا قد جعلتهم على تمام الثقة بصحة ما يتوهمون

فضحك الأمير ملء . شدقيه

أما عن السادة الفطناء فقد تسحبوا الواحد تلو الآخر دون أن ينبسوا بينت شفة !

) عن الفرنسية بتصرف (

اشترك في نشرتنا البريدية