الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 18الرجوع إلى "الثقافة"

دروس من الازمه العالمية

Share

تغشي الناس في هذه الأيام غاشية من الهم الثقيل ، تجتم على صدورهم ، وتضيق انفاسهم ، وتصبغ امامهم افق الحياة بلون مظلم قاتم . فقد اضطربت أمور السياسة العالمية ، واحتل ميزانها ، وانطلقت نذر الحرب تؤذن مهوجاء عاصفة لا برعي فيها للانسانية حق ، ولا يؤخذ فيها بلين او هوادة ، ولا يأمن شرها . بعيد أو قريب ، ولا يفلت من أذاها مقاتل أو مسالم . فاصطكت أسنان ، وارتعدت فرائص ، وساد الذعي الامم والأفراد . واخذ الساسة والفكرون يستعينون بالصير والملاينة لمنع الكارته ، ويعدون العدة في نفس الوقت لكبح جماحها ودفع عاديتها ، وكانما غاية جهودهم تأخير موعدها إلى حين ، لا رفع غمتها عن الناس إلي أمد بعيد .

فهل انتهى حلم الانسانية السعيد في أن يعيش الناس على هذا الكوكب عيشة إخاء وود وصفاء وسلام ؟ وهل اصيبت المدنية بنكسة ردتها وحشية عارية ، لا يسمع فيها إلا زئير المفترس مختلطا بأنات الضحابا وتوجعهم وهل فقدت الاديان تأثيرها الروحي في النفوس ، وبطل سحر المذاهب الأخلاقية الانسانية ، ورجع العالم إلى شرائع الأدغال وعهود الغزو والاجتياح والإذلال والاسترفاق ؟

إن ظواهر الأمور تبررتشاؤم المتشاغين ، ولكن لا تزال تة بقية من الامل في ان يسود صوت العقل وتغلب دواعي الإنسانية وتزول اسباب الشقاق ، وتعود الحياة إلى محراها الطبية امنة ، نواصل خطى التطور دون ان تقوم عقبات تقطع عليها طريقها وتردها إلى الوراء .

على ان المحن لا تخلو مع شرورها ومخاطرها من فوائد ، وليس أقلها انها تفتح العيون على الأسباب التي أدت لها والعوامل التي انتجتها ، وتدل الامم على مواطن مجزها عن مواجهة المفاجئات ومواضع النقص في استعدارها لملاة المباغتات ، وتطلعها على اخطاء الماضي ، وتنير لها السبيل للمستقبل .

والظروف التي حلت بالعالم في هذه السنة والأحداث التي تتابعت على الحياة الدولية ملاي بالعير ، فلنتظر ماذا نفيد منها من دروس

لعل أبلغ درس تلقيه الآزمة الحالية على الناس جميعا المقابلة بين موقف الامم الدعقراطية من المانيا يوم فرساي وموقف ألمانيا منها الآن ، والتمرة الرة العاجلة التي آنتها سياسة خاطئة قصيرة النظر انساقت وراء عاطفتي الانتقام والتشفي من المغلوب .

فمن ذا الذي كان يظن أن هذه الأمم التي خرجت من الحرب العظمى منتصرة ظافرة ، واملت على خصمها شروطها المرهقة القاسية ، وافت في إذقص اجنحته والتضييق عليه ، ستكون بعد عشرين عاما في موقف تتحاي فيه الاحتكاك بهذا الخصم وتتغاضى عن جنفه وعدواه ، وتناشده الرحمة ورعاية حقوق الانسانية ؟ .

لم يفطن يوم فرساي إلا القليل من بعيدي النظر إلي ان هذه الشروط المذلة المجحفة ستغرس في قلوب المقهورين بدور الخقد وتحملهم على إضيار الحقظة والاستعاية بالسكان

حتى نتاح الفرصة للأخذ بالتأر والإنتقام للشرف الهان .

لقد كان لأخطاء معاهدة فرساي رد فعل سريع عائلها قسوة وغلظة .

فهل يتعلم الناس من هذا الدرس ان العدوان والطغيان والادلال بالقوة وفرض الشروط القاسية المحفة على الضيف ستكون لها مواقف خطيرة إن عاجلا وإن آجلا ، وأن الظافر المعتز أولا سيكون هو الخاسر أخيرا !

هل تعظ هذه العبرة اقووباء اليوم وهم يتزلفون في الهاوي التي انحدر إليها أقوياء الأمس ، فيعلموا ان كل طغيان يحمل في ثاباء الجراثيم التي تفضي عليه ؟

لم لا يحرب الأقوباء وهم في أوج قوتهم أن يكونوا متصفين لسواهم ، وان يتألفوا خصومهم بالمفو عند المقدرة ؟ لم لا يجربون كسب الأمم الضعيفة بنسكين روعهم وتأمينهم من الخوف ؟ أكبر ظني أن هذه التجربة - لو جربت - تكون كفل بسيادتهم الادبية ، ونقيم علاقاتهم الاقتصادية والثقافية علي اسس كريمة من المودة والثقفة ، وتكسبهم من غير حرب ولا إذلال أكبر كسب تطمع فيه دولة من غيرها من الأمم ، وهو حسن الصلات وتبادل المنفعة والمحبة والإحترام .

درس آخر تلقيه علينا هذه الآزمة العالية هو ما تستطيع العزيمة الموحدة والحهود المنظمة والهمة الدائية في أمة أن تأتي به من العجائب في اقصر وقت ، فهاهنا ألمانيا التي خرجت من الحرب العظمي مضضعة القوي مفككة الأوصال مستبزفة الموارد خامدة الامل ، استطاعت في خمس سنوات ان تسترد قومها ، وتنتزع ما اغتصب منها وتتحلل مما فرض عليها ، وتخطم الأغلال التي قيدتها ، وتوسع رفعة أراضها فوق ما كانت عليه ، وتتبوا مكانه

الزعامة الدولية ، وتسيطر على اقدار الأعم ومصادرها ، فان لها هذا ، وكيف بلغت كل ذلك في هذه الفترة الوجينة ؟

لقد صهرت المحن هذه الأمة ، وعلمتها النكبات التي أحيطت بها ان لا امل لها إلا في نفسها ، ولا فرج لسكربنها إلا بحجهودها الخاصة ، فطهرت قلوسها من عوامل الفرقة والإنقسام ، وجمعت اليها ووحدت وجهتها وامتلأت ثقة بحبوينها والقوى الكامنة فيها . وصدق اماسها بعظمة جنسها ، وحقه في ان يقبوا مكانة سامية وبنال نصيبه من حياة العزة والسامة . فراحت تحشد كل قواها وتنتظم كل جهودها ، وخرج كل فرد من أفرادها عن كل ما زاد عن ضرورات عيشه ، ورسمت لهضنها خطة محكمة ، وقامت على تنفيذها بكما نشاط وهمة ، وتحامت كل ردد او ضعف في سيرها فكتب لها النجاح !

ح وفي هذه النهضة القوية السريعة أكبر حافز لكل الام الناشئة على الحد والهمة والثقة بأن كل مايبدو حلما من الأحلام ممكن التحقيق . ولعلنا نحن نستفيد من هذا الدرس تنظيم الجهود المبعثرة المشكتة ، وجمع القلوب المختلفة المتنافرة ، وشد العزاسم الواهنة الفارة ، وإيثار الصالح العام على الصالح الضرورية الرخيمة ، لعلنا نستفيد من هذا الدرس أن أكبر أسباب النجاح في نهضة الأمم إحكام الخطط وسرعة البت في المسائل التي تعترض سير الامة والقيام علي تنفيذها بنشاط وهمة وإعان قوي بالنجاح

تعلمنا كذلك من هذه الازمة ان الضعيف لا يشفع  له يوم الخطر حقه ، ولا تدفع الآذي عنه حجته ، ولا يحفظه من الضياع وفاؤه ومالمته لغيره ، ولا يحوطه من النائبات ما قدم له من مواتيق وعهود ، وأن نصيره خاذله إذا خشى على نفسه بعض الضرر ، وان جاره كله إذا الخ عليه

الشه ، وان الضعف وحده جريرة الضعيف وعذر القوي في الاعتدا ، عليه

فإذا لم تكن مثل هذه الأحوال عبرة للضعفاء ونذيرا لهم بألا يعتمدوا عند الخطر على غير أنفسهم ، وحافزا لهم ان يعدوا للشدائد ما استطاعوا من عدة ، وان يتكاتفوا مع امثالهم ، ويستمدوا من اتحادهم قوة - إذا لم يكن في الازمة الحاضرة مابهيب بهم ان يخلعوا عنهم ثياب الضعف ، ويتدرعوا بالقوة ، وبستكملوا اسباب المناعة ، فهم الحانون على أنفسهم .

لقد تبين لنا بجلاء مقدار ما قوتنا على انفسنا فيما مضي من فرصة الاستعداد واخذ الاهبة ، وخطأ السياسة التى كانت محول بيننا وبين استكمال أسباب القوة ، ولقد تنبيهنا في اللحفت الأخيرة إلى ضرورة الاسراع ، وبذل كل ما يستطاع بذله في توفير وسائل الدفاع . فلنواصل ذلك ولنسر فيه بكل همة ونشاط مهما تغيرت الظروف ، ولكن هذه المحنة بركة علينا بما هيأت لنا من فرصة لاستكمال كل مقومات حياة العزة والسكرامة والاستقلال .

وفي هذا الموقف الذي تري فيه طرف الخصومة بتصارعان في حرب كلامية ، هذا يدل بقوته ، ويستهين بخصومه ، وبغلو في تصوير ما اعد لهم من مهلكات ، ويفقن في اساليب القت في العضد ، وإدخال الرعب في القلوب ، وذاك بصور الحالة اعتداء على الإنسانية وتغلبيا لأساليب البربرية ويؤلب الناس لمقاومة البني والعدوان .

ومن قبل كان اسلوبهم في الدعاوة جميعا غير هذا الأسلوب وجدلهم بغير هذا المنطق

الا يعلمنا هذا الموقف الذي يقفه الضعيف بعد أن قوي واستغني ، والقوي بعد ان اخذ على غرة وفوجئ على غير اهبة ، ان القوم جميعا لا يجررون في سياستهم وراء مثل

عليا ، ولا يحكمون مذاهب خاصة ، وإنما يصطنعون أساليب الضعف والقوة تبعا لاستعدادهم وقوتهم

الا يساعدنا هذا معشر الأمم الضعيفة على أن تزداد فهما لاساليب السياسة ، وان نري أن الوسيلة الوحيدة ) لأن تعيش مع هؤلاء الناس في أمن وثرامة ، ان نزيل اسباب الضعف فينا ، فتضطرهم جميعا إلي تبديل أساليبهم معنا ، والانتهاء إلي خطة واحدة لا تضيرنا ولا تضيرهم ، هي سياسة التعاون والتشارك وتبادل الاحترام ؟

واخيرا اليس من مرابا هذه المحنة ان سيبحتها العالية وضجتها الصاخبة قد هزت الأعصاب وايقظت الناتم والهبت الفاائر وقوت الخار ، وأهابت بالستضعفين ان يكونوا عند حد قول القائل :

وإذا لم يكن من الموت بد

فمن العجز أن تكون جبانا

اشترك في نشرتنا البريدية