من المفيد أن يقف الناس من الأحداث التي تنزل بهم بعد أن تنجاب عنهم غمرتها موقف المتدبر الذي يحلل أسبابها ويستعرض تطوراتها ويستعيد تجاربه في مواجهتها ويري ما أصاب فيه منها ، وما أخطأ أو قصر ، ومواضع التقصير ، فإنه لا شك سيخرج من دراسته بنتائج تنفعه في مستقبله وتزيد قوته في ملاقاة أمثالها ، وخبرته في معالجة ما قد يباغته من الحالات المناظرة .
وفي هذا الوباء الذي نزل بالكنانة والذي شاء لطف الله أن تخف حدته ، ويوشك إن شاء الله أن يزول أثره قريبا ، وتطهر أرض الوادى من جراثيمه الخبيثة نهائيا - في هذا الوباء وما كان من تصرفات في مكافحه وما صحب ظهوره من ظروف وملابسات وما كشف عنه من وجوه نقص كثيرة ، موضع للنظر والدرس .
لعل أول ما يسترعى النظر أثر ذيوع أنباء الوباء ، هذا الاهتمام البالغ الشامل الذي بلغ حد الذعر عند بعض الأفراد . هذا الاهتمام الذي لم يقف عند الدوائر الصحية المختصة ، بل شمل دوائر الحكومة أجمعها ، ولم يقف عند المناطق المصابة وما جاورها ، بل جاوزها إلى كل جهات القطر ، وامتد إلى كل فرد في كل بلاد القطر ، بل تجاوز
حدود القطر إلى كل الأقطار القريبة والبعيدة . ولا عجب في ذلك ، فغريزة المحافظة على الحياة أقوي الغرائر في الناس ، ولا يكاد الناس يحسون خطرا قريبا يهدد الحياة حتى تستيقظ فيهم تلك الغريزة ويهبوا لاتقاء هذا الخطر ودرء أضراره ، ويتجهوا لمعاونة السلطات المختصة على مكافحته .
ولا عجب في أن تسارع الحكومة لحشد كل قواها لهذه المكافحة ، وأن تستعين بكل ما يبذل في سبيلها ، وأن نتخذ من الإجراءات القوية السريعة ما يكمل تنفيذ خطة أهل الإختصاص في حصر المرض والقضاء عليه ، وأن يرضي الجميع بما يقتضيه ذلك من قيود تحد حرية تنقلهم ، لأن سلامة الجميع مقدمة على كل شئ ، وحفظ أرواحهم أثمن وأغلي من كل اعتبار .
وليس مجال أمثالنا الحكم على مبلغ إحكام الخطة التي وضعت للمكافحة ، ودقة التدابير التي أتخذت ، فهذا من شأن الخبيرين بتلك الأمور ؛ ولكن يبدو مما نقل عن خبراء أجانب شهدوا تلك الإجراءات والتدابير عن قرب أن رجال الصحة العامة قد قاموا بواجبهم قياما حسنا ، وأن ما فاتهم في بداية ظهور الوباء بسبب ذهول المفاجأة قد لدورك
سريعا ، وأن وسائل العزل والحصر والتفتيش والعلاج قد بلغت في الدور الأخير غاية ما كان يستطاع عمله في مثل تلك الظروف .
على أن موقف الشعب لم يكن في كثير من الأحوال مما يسهل على رجال الصحة القيام بمهمتهم . فقد كان الذعر داعما بالكثير إلي التهافت على أن يطعموا بالمصل الواقي مع بعدهم عن المناطق الموبوءة . ولما كانت كميات المصل التي تنتجها المعامل المصرية والتي ترد من الخارج محدودة ، فقد كان تهافت هؤلاء على التطعيم حائلا دون التعجيل بتطعيم مخالطي المرضى والمجاورين لقراهم ، وهم أولى الناس بأن تكون لهم في ذلك الأسبقية . ومع أن توفير المصل للجميع قد تسنى الآن . إن كل ما يمكن أن نستفيده في المستقبل أن لهفة الناس وأنانيتهم يجب ألا تكون سببا في تقديم البعيدين عن الخطر على القريبين منه ، وإلا تداعي النظام كله ، وعجزت السلطات عن حصر الخطر واتقاء امتداده .
وكان موقف الشعب الريفي المسكين بسبب جهله وفقره وضعف إيمانه بقيمة الإجراءات الصحية من أكبر العوامل في استفحال الوباء فيه وكثرة ضحاياه . فهؤلاء الريفيون الجهلاء لم يدركوا قيمة حصر المرض وأخطار انتقال المخالطين ، فلجئوا إلي شتي الحيل والوسائل للفكاك من الحصار والانتقال للجهات القريبة ، فنشروا المرض ، وهم كذلك غلب على كثير منهم الخوف من المعازل فستروا مرضاهم ولم يبلغوا عنهم ، وأدى بهم الحرص على دفن موتاهم وإجراء مراسم العزاء إلى توسيع شقة العدوي وانتشار الوباء الذي ذهب بكثير منهم . وبالغ البعض في مقاومة الإجراءات الصحية فتجمعوا للحيلولة بين السلطات وبين أداء واجبها . وإذا كان لنا ما نفيده من هذا الموقف فهو الشعور بفداحة إهمال هؤلاء المواطنين وحرمانهم
من النور الذي يكفل لهم إدراك أبسط قواعد المحافظة على الحياة .
إن الخطي المتسكعة التي يعالج بها تنوير هؤلاء الريفيين أصبحت عاملا من عوامل تأخر هذا الشعب وإلقائه بنفسه للتهلكة . وقد آن الأوان لا تخاذ خطوات عملية سريعة لتعليم هؤلاء الريفيين ما هو ضروري لهم بطريقة ما من الطرق العملية ، ولو لم يكن ذلك عن طريق القراءة والكتابة .
وكشفت المكافحة عن نقص كبير في حياة الريف ، قد يكون من أكبر الأسباب لانتشار الأمراض ، وهو سوء الموارد التي يستقون منها المياه . وقد تكلمنا كثيرا منذ سنوات عن ضرورة تدبير مياه شرب صالحة لكل القري ، ولكن الحكومة ورجال الأشغال فيها يأبون إلا القيام بمشروعات مثالية ، وهذه المشروعات تتطلب ملايين كثيرة من الجنيهات ، ولهذا ترك التفكير فيها . ولكن الأمر لا يحتمل البقاء اكثر من ذلك ، فإما أن توضع مشروعات أقل نفقة وإما أن تنفذ تلك المشروعات ولو فرضت على الجميع ضرائب استثنائية من أجلها .
وليس بمستغرب أن تروي حكايات عن بعض القائمين بأمر المكافحة أو السلطات التى تتولى الحصار تمس شعورهم بالواجب العام ؛ ففي كل شعب وكل طبقة أناس تغلب عليهم الأنانية ويقل إحساسهم العام ، ولكن هؤلاء بحمد الله قلة . وقد اتخذت عقوبات شديدة لمن تبين تقصيرهم .
بقي أن نلاحظ أن هذه الإجراءات التي اقتضتها حالة طارئة والتي امتازت بالسرعة والدقة والتعاون وتجنيد كل القوي ، توحي إلينا أن نفكر في الإفادة منها في علاج شئوننا الكبرى ، بمثل تلك الطريقة .
إن نشر التعليم وتحسين الأحوال الصحية وترقية
الشئون الاقتصادية وتقوية الجيش ، كلها أمور تدرأ خطرا إن لم يكن عاجلا ظاهرا كوباء الكوليرا فهو خطر دائم تبدو في كثير من الظروف أشد الحاجة لمقاومته ؛ فلماذا تسير في مكافحة الخطر الخفي سير السلحفاة ؟ ولماذا لا نستفيد من هذه التجربة في وضع خطط منظمة قوية عاجلة لتحقيق هذه الأمور التي ستدرأ عنا في كل وقت أخطارا كثيرة ؟
لماذا لا نجند قوي الاختصاصين لرسم سياسة اقتصادية عامة تزيد في إنتاجنا وتساعد على استغلال كل موارد الثروة والقوة لدينا ، ويكون هدفها ؛ اكتفاؤنا بأنفسنا ، فلا تكون تحت رحمة غيرنا ، ولا نشكو افتقارنا إلى عملات أجنبية لاستيراد ما نستطيع إنتاجه بأنفسنا ، ولماذا
لا توضع سياسة اقتصادية شاملة توفر لنا الصناعات الضرورية والتوسع الزراعي الممكن وتكفل لكل يد عاملة في البلاد أن تجد موردا للعمل ؟
ولماذا لا نسير في نشر التعليم وترقيته بخطى أسرع ؟ ولماذا لا نضع المشروعات العمرانية الواسعة التي تكفل تحسين الريف وتوفير الحياة الصالحة للريفيين ؟
ولماذا لا نبدأ بزيادة جيوشنا وإنشاء ما يمدها بأسلحتها وذخائرها .
كل هذا يبدو أمرا غير يسير متى أخضعناه للطرق الحكومية المادية ، ولكن الأمر يتغير إذا جعلناه شأنا قوميا تحشد كل قوي البلاد ومواردها لتحقيقه . ( . . . )

