الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 463الرجوع إلى "الثقافة"

دروس وعبر

Share

من المفيد أن يقف الناس من الأحداث التي تنزل بهم بعد أن تنجاب عنهم غمرتها موقف المتدبر الذي يحلل أسبابها ويستعرض تطوراتها ويستعيد تجاربه في مواجهتها ويري ما أصاب فيه منها ، وما أخطأ أو قصر ، ومواضع التقصير ، فإنه لا شك سيخرج من دراسته بنتائج تنفعه في مستقبله وتزيد قوته في ملاقاة أمثالها ، وخبرته في معالجة ما قد يباغته من الحالات المناظرة .

وفي هذا الوباء الذي نزل بالكنانة والذي شاء لطف الله أن تخف حدته ، ويوشك إن شاء الله أن يزول أثره قريبا ، وتطهر أرض الوادى من جراثيمه الخبيثة نهائيا - في هذا الوباء وما كان من تصرفات في مكافحه وما صحب ظهوره من ظروف وملابسات وما كشف عنه من وجوه نقص كثيرة ، موضع للنظر والدرس .

لعل أول ما يسترعى النظر أثر ذيوع أنباء الوباء ، هذا الاهتمام البالغ الشامل الذي بلغ حد الذعر عند بعض الأفراد . هذا الاهتمام الذي لم يقف عند الدوائر الصحية المختصة ، بل شمل دوائر الحكومة أجمعها ، ولم يقف عند المناطق المصابة وما جاورها ، بل جاوزها إلى كل جهات القطر ، وامتد إلى كل فرد في كل بلاد القطر ، بل تجاوز

حدود القطر إلى كل الأقطار القريبة والبعيدة . ولا عجب في ذلك ، فغريزة المحافظة على الحياة أقوي الغرائر في الناس ، ولا يكاد الناس يحسون خطرا قريبا يهدد الحياة حتى تستيقظ فيهم تلك الغريزة ويهبوا لاتقاء هذا الخطر ودرء أضراره ، ويتجهوا لمعاونة السلطات المختصة على مكافحته .

ولا عجب في أن تسارع الحكومة لحشد كل قواها لهذه المكافحة ، وأن تستعين بكل ما يبذل في سبيلها ، وأن نتخذ من الإجراءات القوية السريعة ما يكمل تنفيذ خطة أهل الإختصاص في حصر المرض والقضاء عليه ، وأن يرضي الجميع بما يقتضيه ذلك من قيود تحد حرية تنقلهم ، لأن سلامة الجميع مقدمة على كل شئ ، وحفظ أرواحهم أثمن وأغلي من كل اعتبار .

وليس مجال أمثالنا الحكم على مبلغ إحكام الخطة التي وضعت للمكافحة ، ودقة التدابير التي أتخذت ، فهذا من شأن الخبيرين بتلك الأمور ؛ ولكن يبدو مما نقل عن خبراء أجانب شهدوا تلك الإجراءات والتدابير عن قرب أن رجال الصحة العامة قد قاموا بواجبهم قياما حسنا ، وأن ما فاتهم في بداية ظهور الوباء بسبب ذهول المفاجأة قد لدورك

سريعا ، وأن وسائل العزل والحصر والتفتيش والعلاج قد بلغت في الدور الأخير غاية ما كان يستطاع عمله في مثل تلك الظروف .

على أن موقف الشعب لم يكن في كثير من الأحوال مما يسهل على رجال الصحة القيام بمهمتهم . فقد كان الذعر داعما بالكثير إلي التهافت على أن يطعموا بالمصل الواقي مع بعدهم عن المناطق الموبوءة . ولما كانت كميات المصل التي تنتجها المعامل المصرية والتي ترد من الخارج محدودة ، فقد كان تهافت هؤلاء على التطعيم حائلا دون التعجيل بتطعيم مخالطي المرضى والمجاورين لقراهم ، وهم أولى الناس بأن تكون لهم في ذلك الأسبقية . ومع أن توفير المصل للجميع قد تسنى الآن . إن كل ما يمكن أن نستفيده في المستقبل أن لهفة الناس وأنانيتهم يجب ألا تكون سببا في تقديم البعيدين عن الخطر على القريبين منه ، وإلا تداعي النظام كله ، وعجزت السلطات عن حصر الخطر واتقاء امتداده .

وكان موقف الشعب الريفي المسكين بسبب جهله وفقره وضعف إيمانه بقيمة الإجراءات الصحية من أكبر العوامل في استفحال الوباء فيه وكثرة ضحاياه . فهؤلاء الريفيون الجهلاء لم يدركوا قيمة حصر المرض وأخطار انتقال المخالطين ، فلجئوا إلي شتي الحيل والوسائل للفكاك من الحصار والانتقال للجهات القريبة ، فنشروا المرض ، وهم كذلك غلب على كثير منهم الخوف من المعازل فستروا مرضاهم ولم يبلغوا عنهم ، وأدى بهم الحرص على دفن موتاهم وإجراء مراسم العزاء إلى توسيع شقة العدوي وانتشار الوباء الذي ذهب بكثير منهم . وبالغ البعض في مقاومة الإجراءات الصحية فتجمعوا للحيلولة بين السلطات وبين أداء واجبها . وإذا كان لنا ما نفيده من هذا الموقف فهو الشعور بفداحة إهمال هؤلاء المواطنين وحرمانهم

من النور الذي يكفل لهم إدراك أبسط قواعد المحافظة على الحياة .

إن الخطي المتسكعة التي يعالج بها تنوير هؤلاء الريفيين أصبحت عاملا من عوامل تأخر هذا الشعب وإلقائه بنفسه للتهلكة . وقد آن الأوان لا تخاذ خطوات عملية سريعة لتعليم هؤلاء الريفيين ما هو ضروري لهم بطريقة ما من الطرق العملية ، ولو لم يكن ذلك عن طريق القراءة والكتابة .

وكشفت المكافحة عن نقص كبير في حياة الريف ، قد يكون من أكبر الأسباب لانتشار الأمراض ، وهو سوء الموارد التي يستقون منها المياه . وقد تكلمنا كثيرا منذ سنوات عن ضرورة تدبير مياه شرب صالحة لكل القري ، ولكن الحكومة ورجال الأشغال فيها يأبون إلا القيام بمشروعات مثالية ، وهذه المشروعات تتطلب ملايين كثيرة من الجنيهات ، ولهذا ترك التفكير فيها . ولكن الأمر لا يحتمل البقاء اكثر من ذلك ، فإما أن توضع مشروعات أقل نفقة وإما أن تنفذ تلك المشروعات ولو فرضت على الجميع ضرائب استثنائية من أجلها .

وليس بمستغرب أن تروي حكايات عن بعض القائمين بأمر المكافحة أو السلطات التى تتولى الحصار تمس شعورهم بالواجب العام ؛ ففي كل شعب وكل طبقة أناس تغلب عليهم الأنانية ويقل إحساسهم العام ، ولكن هؤلاء بحمد الله قلة . وقد اتخذت عقوبات شديدة لمن تبين تقصيرهم .

بقي أن نلاحظ أن هذه الإجراءات التي اقتضتها حالة طارئة والتي امتازت بالسرعة والدقة والتعاون وتجنيد كل القوي ، توحي إلينا أن نفكر في الإفادة منها في علاج شئوننا الكبرى ، بمثل تلك الطريقة .

إن نشر التعليم وتحسين الأحوال الصحية وترقية

الشئون الاقتصادية وتقوية الجيش ، كلها أمور تدرأ خطرا إن لم يكن عاجلا ظاهرا كوباء الكوليرا فهو خطر دائم تبدو في كثير من الظروف أشد الحاجة لمقاومته ؛ فلماذا تسير في مكافحة الخطر الخفي سير السلحفاة ؟ ولماذا لا نستفيد من هذه التجربة في وضع خطط منظمة قوية عاجلة لتحقيق هذه الأمور التي ستدرأ عنا في كل وقت أخطارا كثيرة ؟

لماذا لا نجند قوي الاختصاصين لرسم سياسة اقتصادية عامة تزيد في إنتاجنا وتساعد على استغلال كل موارد الثروة والقوة لدينا ، ويكون هدفها ؛ اكتفاؤنا بأنفسنا ، فلا تكون تحت رحمة غيرنا ، ولا نشكو افتقارنا إلى عملات أجنبية لاستيراد ما نستطيع إنتاجه بأنفسنا ، ولماذا

لا توضع سياسة اقتصادية شاملة توفر لنا الصناعات الضرورية والتوسع الزراعي الممكن وتكفل لكل يد عاملة في البلاد أن تجد موردا للعمل ؟

ولماذا لا نسير في نشر التعليم وترقيته بخطى أسرع ؟ ولماذا لا نضع المشروعات العمرانية الواسعة التي تكفل تحسين الريف وتوفير الحياة الصالحة للريفيين ؟

ولماذا لا نبدأ بزيادة جيوشنا وإنشاء ما يمدها بأسلحتها وذخائرها .

كل هذا يبدو أمرا غير يسير متى أخضعناه للطرق الحكومية المادية ، ولكن الأمر يتغير إذا جعلناه شأنا قوميا تحشد كل قوي البلاد ومواردها لتحقيقه .                                                ( . . . )

اشترك في نشرتنا البريدية