فى يوم من أيام سنة ١٨٨٩ أى منذ أكثر من ٥٣ سنة حضر إلى كلية أسيوط الأمريكية ثلاثة من القرويين من بلدة مير بمر كز منفلوط بمديرية أسيوط وطلبوا مقابلة عميد الكلية . وكان عميدها فى ذلك الوقت المرحوم الدكتور جون الكساندر الذى توفى منذ سنتين فى الثانية والتسعين من عمره ، وقد سمعت منه شخصيا هذه الرواية الشائقة .
ولما أذن لهم بالدخول إلى مكتبه قال أحدهم إنهم يريدون إدخال ولد صغير بالمدرسة . ولما لم تكن لديهم المصروفات المدرسية المطلوبة ( وكانت زهيدة جدا فى ذلك الوقت ، ربما لا تتجاوز جنيهن للفصل المدرسى فى القسم الداخلى ) طلبوا من عميد الكلية أن يقبل منهم بعض أوراق أثرية عثروا عليها أثناء محاولتهم الحصول على سماد طبيعي من أ كوام أثرية بجوار بلدتهم . وحينئذ أخرج أحدهم من بين ثيابه مجموعة من ورق البردى وعقودا من الخرز وقطعا من الكتان الذى كان يلف " به أجساد
الموتى . وكان بعض تلك الأوراق ممزقا بسبب عدم العناية به فقدر العميد تلك الأوراق بثمن اعتقد أنه معقول فى ذلك الوقت ، فرفضوا ما عرض عليهم وخرجوا من عنده علهم يجدون من يشتريها منهم بقيمة أ كبر ، وبعد أن طافوا بمدينة أسيوط على غير جدوى رجعوا إلى الكلية وقبلوا الثمن الذى كان قد عرض عليهم أولا ، وكان الثمن بطبيعة الحال زهيدا جدا ، نظرا لعدم تقدير الناس لمثل هذه الكنوز ، ولعدم معرفتهم محتوياتها فى ذلك الوقت . أخذ الدكتور الكساندر هذه الأوراق ، ولكنه لم يستطع قراءتها ، ولذا فضل إرسالها إلى المتحف البريطانى حيث يوجد فى العلماء من يستطيع قراءتها . وما كان أشد
دهشته عندما وصله كتاب من المتحف البريطانى بعد مضئ زمن طويل - وكان قد نسى تلك الأوراق - ينبئه بأن تلك الأوراق الممزقة المشوهة المهملة لم تكن سوى " دستور أثينا " لفيلسوف الاغريق العظيم أرسطو . وهو مكتوب باللغة الاغريقية القديمة . وقد ورد ذكر ذلك الكتاب فى كتابات الأقدمين إلى القرن الأول الميلاد ؛ ولكن بعد ذلك التاريخ فقدت نسخة الأصلية ولم يصل للعصور الحديثة عنه سوى أسمه وبعض الاشارات إليه فيما كتبه الأقدمون . وبقى العالم يجهل محتوياته اكثر من ١٨٠٠ سنة ، إلى أن ظهر فى بلدة مير المذكورة على أيدى قرويين لا يدركون قيمته فى طريق بحثهم عن السماد ، ولذا يعتبر اكتشافه من أهم الاكتشافات الأثرية فى أواخر القرن التاسع عشر .
وقد كان ترتيب تلك الأوراق من أشق الأعمال على من و كل إليهم القيام به من علماء الآثار بالمتحف البريطانى ، وبالأخص لأنها وصلت إليهم فى حالة سيئة جدا ، ولكنهم أفلحوا فى مهمتهم . ثم قام المتحف البريطانى بطبعه طبعا متقنا ، وأرسل نسخة منه لكلية أسيوط الأمريكية وهى محفوظة فى متحفها .
أما باقى الأشياء الأثرية من عقود الخرز ، وقطع الملابس الجنائزية ، وقناع يوضع على وجه الميت مشابه لوجهه الطبيعى ، فهى محفوظة بمتحف الكلية أيضا . وظهر من قراءة ما كتب عليها انها كانت لرجل إغريقى غنى كانت له مزارع واسعة فى تلك الناحية ، وكل ما وجد من ورق بردى وغيره وجد فى قبره حيث دفنت جثته وجثة زوجته . وقد كتب اسمه واسم زوجته على أ كفانهما ، وأنهما مائا بدون أن يعقبا نسلا . ومن سوء الحظ أن الأشخاص الذين وجدوا تلك الأثار المشار إليها عبثوا بالجثتين طمعا فى الحصول على ما يحتمل وجوده من النفائس فى طيات أ كفانهما . واستنتج علماء الآثار أن ذلك الإغريقى كان يملك ضيعة كبيرة فى تلك
الجهة ، لأنهم وجدوا على حواشى بعض الأوراق حسابات مزارعه كما كتبها وكيل دائرته .
أما " دستور أثينا " لأرسطو فهو تحفة يفخر بها المتحف البريطانى . وقد قال الدكتور الكساندر فى مقال له كتبه لاحدى المجلات الأمريكية عن هذا الا كتشاف العظيم : " إن المتحف البريطانى لا يقبل أن يتنازل عن تلك التحفة النفيسة فى مقابل مائة ألف جنيه " .
وقد يستغرب البعض وجود مثل هذه الكنوز الأدبية باللغة الاغريقية فى بلدة صغيرة نائية فى الوجه القبلى مثل بلدة مير ؛ ولكن يظهر أنه كانت توجد جاليات إغريقية منتشرة فى بعض مدن وقرى الوجهين القبلى والبحرى . فقد وجدت ورقة بردى تعرف باسم " ورقة بردي حبشة (١) " وحبشة هذه قرية صغيرة بمركز الفشئ بمديرية المنيا على الجانب الشرقى للنيل وبجوار الجبل الشرقى . ومن هذه الوثيقة التاريخية تفهم أنه كانت توجد
جالية اغريقية تسكن تلك البقعة النائية . وكان أفراد تلك الجالية يقرأون أشهر الكتب الاغريقية لأشهر شعراء وفلاسفة اليونان ، أمثال هومر وأفلاطون وأرسطو وسفوكليس وغيرهم ، حتى إنهم لم يكتفوا بمطالعة هذه الكتب الشهيرة ، بل كانوا يروضون أنفسهم أدبيا بقراءة أشهر الخطب لكثيرين من خطباء الاغريق فى العصور السالفة .
وقد وجدت أيضا بعض أوراق البردى باللغة الاغريقية فى بلدة البهنساء بمركز بنى مزار بمديرية المنيا . ووجدت أيضا نسخة خطبة لأنجيل مرقس باللغة الاغريقية فى بلدة شارونه مركز مغاغة بمديرية المنيا . وهذه المخطوطة القيمة تعتبر من أشهر المخطوطات الأثرية التى ا كتشفت ببلادنا منذ أ كثر من ثلاثين سنة ، ويرجع تاريخها إلى القرن الرابع للميلاد . وربما عدت إليها فى مقال آخر لأهمية هذا الا كتشاف من الوجهة التاريخية ، وللظروف التى أحاطت با كتشافه ، التى تجعل قصة ا كتشافه شائقة للغاية .
( كلية فكتوريا )

