الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 188 الرجوع إلى "الرسالة"

دعابة الجاحظ

Share

كان أبو عثمان الجاحظ لوقته شيخ الأدب , وفخر العرب , جمع بيناللسان والقلم , وبين الفطنة والعلم , وبين الرأى والادب , وبين النهر والنظم , وبين الذكاء والفهم , ان تكلم حكى سحبان فى البلاغة , وإن ناظر ضارع النظام فى الجدل (١), وكانإلى جانب هذا كله ظريفا مرح النفس , يحرص على النادرة ويحتفل بها ,

ولو كان فيها ما ينال من شخصه , ويمه فى سمته . ولما كان وإنما .. الأدباء قد آ كتروا القول عن الجاحظ فى ادبه وقته , وعليه وتحقيقه واقتداره على الكلام والجدل , فقد رأينا أن تنظر إليه

وفى دعابته ومرحه وإنهالناحية للباحث فيها مراد ومنزع , وللقارئ منها متاع ولذة . ولعل من الخير قبل الأ معان فى البحث أن ندحض وهما يقوم فى رؤوس بعض الناس إذ نجحدهم ينكرون ذلك علي الجاحظ واضطراب الجاحظ , لان كرامة الاديب او العالم فى وأيهم أكبر من أن تكون مصدر عبث ومجانة , وأرفع من أن تبتذل فى الضحك والتنادر , وقديما قيل : ليس لمزاح مروءة ,

ولالممار خلة . ولقد رأيت ابن قتيبة لما أرادان يثلم الجاحظ لم يدخل عليه إلا من هذه الجهة إذ قال : إنه كان يقصد فى كتبه المضاحيك والعبث . وفات هؤلاء الناس أن الانسان حيوان عضاحك باك بطبعه , وان الله قد خلق فيه الضحك قوة تعينه على استساعة هذه الحياة المريرة , كما خلق فيه البكاء قوة تقف به موقف العظة والاعتبار . وقد روى فماروى عن الحسن البصري أنه قال : حادثوا هذه القلوب فانها سريعة الذبول , وارعوا هذه الانفس فانها طلعة , وإنكم إن لم ترعوها تنزع بكم إلى شر غاية !!

ومما جاء فى التاريخ أن عبد الله بن طاهر جلس مجلسا انصف فيه من وجوه القواد , وامراه الاجناد , وضرب الأعناق , وقطع الايدى , ورد كبار المظالم ، ثم قام وقد دلكت الشمس , فتلقاه الخدم , فاخذ هذا سيفه , وهذا قباء , وهذا إزاره , فلما دخل

دعا بنعل رقيقة فلبسها تم رفع ثوبه على عاتقه , توجه نحو البستان وهو يتغنى :

النشر مسك والوجوه دنا        نير وأطراف الا كف عنم

قال عيسى بن يزيد : وكنت جريئا عليه . فجذبت ثوبه من عاتقه وقلت له : اتقعد بالغداة قعود كسرى وقيصر ، ثم تعمل الساعة عمل علوية ومخارق !؟ فرد ثوبه على عاتقه وهو يقول :

لابد للنفس ان كانت مصرفة

من أن تنتقل من حال إلى حال

ومن اولى - رعاك الله - بان يصرف نفسه من حال إلى حال ، ومن أحق بالاسترواح والانشراح من ذلك العالم أو الأديب الذى يصهر ذهنه فى خدمة الانسانية , كالذيالة تضىء للناس وهي تحترق ؟ وهل هو يفعل فى ذلك إلا ما تقضي به إنسانيته , وتدفعه إليه طبيعته ؟ فاذا طاب لنا أن نقف بهذا وأمثاله موقف التزمت والوقار فى كل فترة من فتراتهم , فنحن فى الواقع نجردهم من نصف إنسانيتهم ونعطل فيهم قوة خلقها الله لهم مباشرة للرفاهية والراحة , بل نحن نبق لهم حياة هي الكرب الأخذ بالخناق , والجحيم الذى لا يطاق  ، إني لأعجب لبعض الناس أن تطرق إلى عقولهم تلك العقيدة الغريبة وهى أن حياة الأبرار فى الجنة ورفع وأشرف من أن يدخلها الضحك , ويكون فيها التنادر . ولقد رأيت كثيرا من هؤلاء يهيئون نفوسهم فى هذه الحياة الدنيا لاستقبال تلك العيشة العابسة التى يزعمونها فى دار النعيم , فهم يطردون من صدورهم كل ميل إلى السرور والانشراح , ويكشحون عن صحائف وجوههم كل لمحة من سنا البشر والطلاقة . وكثيرا ما أصادف فى غدواتى أحد هؤلاء العابسين فينظر إلى كمن عرفنى نظرة موحشة شزرة ،فكأنما هو قاض سلماوى قد هبط إلى هذا العالم ليحكم بأقصى العقوبة على كل من يعرف ، ومثل هذا الرجل يقطع ولا شك ذنب هرته اذا هو صادفها ما تعبث به , فبالله من علم الهرة أن تعبث بذنبها ".!؟(١)

هذاوللجاحظ فى هذا المعنى كلام حسن هو من أقوم ما قيل فى بابه , وأدق ما أتى فى معناه , وإنما ساق الرجل الحديث فى ذلك وهو ينضح عن نفسه , ويدحض شبهة كالتى نعالجها , إذ

(١) هذه البذة من كتاب " حديث المائدة " للكاتب الأمريكى هولمز وقد اعتمدنا على ترجمة الأستاذ السباعى

خاف - وهو العالم الأديب ان يتهم بالنزق والسفه من أجل مايستروح به من المزح والفكاهة ، وبسوقه منالطرف والتنادر .

والظاهر أن مسألة الجد والمزاح كانت من المسائل التي شغلت الأذهان فى عصر الجاحظ , فكثر حولها القول ، وطال فيها الخلف والتضارب ، وماكان ذلك إلا نتيجة اللازمة لتلك الحياة الفكرية التي كان عليها القوم , وهي حياة مضطربة لم تأخذ وضعها من الاستقرار بعد ، ولم تكن قد خلصت من شوائب الاخذ

والرد , فهناك علماء الفقه والسنة ما زالوا يتلسون نصوص الشريعة يطبقونها على ما أمامهم من مظاهر و ظواهر , وتبيان ما هوحلال منها وما هو حرام , وإلى جانب هؤلاء جماعة يتولون الوعظ باحوال السابقين , والزجر بالقصص والآثار , وإن فهم من لا يتورع عن التزيد والافتراء , والحشو والكذب , لتأييد وأمر له فيه غرض ومارب , وتمت عناصر فارسية من الشعراء والأدباء لا يتحرجون من اقتحام الدين والخروج على الاوضاع ,

فكل همهم اشباع الجسد , وامتاع القلب , وفيهم من يذهب فى التظرف مذاهب , فكان من الطبيعى أن تقوم مسألة " المزاح ، عند كل فريق من هؤلاء باعتبار ، وأن يجري فيها القول على خلاف , إذ لكل هوى ومنزع , وقد عرض الجاحظ أقوالهم اجمل عرض فقال ": وقد ذهب الناس فى المزاح إلى معان متضادة , وسلكوا منه فى طرق مختلفة , فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد , وزعيم آخرون ان الخير والشر عليهما مقسومان ,

وأن الحمد والذم بينهما نصفين , وبعد أن أتى الجاحظ على جمل هذه الأقاويل اخذ فى إعلان رايه فقال ": ونحن نعوذ بالله أن نجعل المزح فى الجملة ,كالجد فى الجملة ، بل نزعم أن بعض المزح خير من بعض الجدد , وعامة الجد خير من عامة المزح , وقد يكون الكلام فى لفظ الجد ومعناه معنى الهزل , كما يكون فى لفظ الهزل ومعناه معنى الجد , ولو استعمل الناس الدعاية فى كل حال , والجد وفى كل مقال , وتركوا التسجيح والتسجيل ، وعقدوا أعناقهم فى كل دقيق وجليل , لكان السفه صراحا خيرا لهم , والباطل أرد عليهم , ولكن لكل شىء قدر , ولكل حال شكل , فالضحك في موضعه , كالبكاء في موضعه , وكذلك التبيم والقطوب ,

والمنع والبذل , فأن ذممنا المزاح ففيه لعمري ما يذم ، وإن حمدناه

ففيه مايحمد , وفصل ما بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع ، وحاله بحال السخف اشبه ، فأما ان يذم حتى يكون كالظلم , ويني حتى يصير كالغدر فلا ، لأن المزاح مما يكون مرة قبيحا ومرة حسنا , ولا يكون الظلم الا قبيحا , وبعد : فمن حرم المزاح وهو شعبة من شعب السهولة , وفرع من فروع الطلاقة , وقد آتان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة , ولم يأتنا بالانقباض والقسوة (١)..

ولاشك أن الجاحظ فىرأيه هذا قد وقف موقف العذل والانصاف , وقال قولا هو غاية القصد . ولقد أحسن الرجل كثيرا إذ راعي "المقام", فى حكومته بين الجد والمزاح , فقال بان " لكل شىء قدر , ولكل حال شكل , فالضحك فى موضعه ! كالبكاء فى موضعه ، وكذلك التبسم والقطوب , والمنع والبذل "

وتقول : بل وكذلك كل شأن من شؤون هذه الحياة ، وما أحسب احدا فى الناس يجهل أن وضع الندى فى موضع السيف مضر ،

كوضع السيف في موضع الندى ؛ ولكن قل فى الناس من يتعرف الوضع المناسب , ويتبين المقام المشاكل , وما ذلك فى الواقع الامسبار الذكاء , ومحك البراءة , وهل التنادر يقوم الا على قوة المفارقات , والتمييز بين المناسبات ؟ وهل الرجل الذى يلقى بالنادرة فى موقف العظة والاعتبار , أو يخلق الضحكة ينطلق بها فمه بين مظاهر الأسى والحزن ، الا نزق طائش , بل قل سفيه لا يحس بالواجب , ولا يقدر العواقب , وسرعان ما ترمقه العيون بالنظر الشزر , ويقعد فى الجالسين مقعد الثقيل المملول , وربما كانت نادرته حلوة رائعة , وضحكته رقيقة حسنة , ولكنه التى بها فى

المقام الكز , واختار لها الموقف الخشن!! ولا عاب فى المزح عند الجاحظ إلا أن الخطأ اليه أسرع . وحاله بحال السخف أشبه ، ومن ثم فهو يرى أن من الصون للأديب أو العالم أن يكون فيه على قصد ، وأن يعالجه على قدر ،

هو قدر الاسترواح والانشراح . ولقد أوضح هذه الناحية . اذ يقول ": والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير , ولا يكون الخطا فيه من جهة النقصان , وهو باب متى فتحه فاتح , وطرق له طرق , لم يملك من سده مثل الذى يملك من فتحه ولا يخرج منه بقدر ماكان قدم فى نفسه , لأنه اصل بنائه على الخطأ،

ولا يخالطه من الأخلاق الا ما سخف , ومن شأنه التزيد ، وأن يكون صاحبه قليل التحفظ , ولم نر شيئا أبعد من شيء ولا أطول له صحة , من الجد والمزاح , والمناظرة والمراء (٢)..."

وهذا كلام يتفق فيه الجاحظ هو وصاحب حديث المائدة , إذ يقول فى كلام له عن الجد والمزاح " أنا لا أمقت منكم ميلكم إلى الضحك , ولااضن عليكم بالكلمة تضحكم متى قدرى الله على ذلك , فأما أن تطلبوا إلى ألا أقول إلا ما يضحك , وإلى أنفسكم ألا تفعل شيئا غير الضحك , فذاك مخالف لسنة الطبيعة , وجدير بمن هذا شأنه ان ينقلب قردا لتوه وساعته ...

وإذا كان من الطلبة على الكاتب أو الشاء أن يسترسل فى باب المضحك ، فانه يعود الناس بذلك ألاينتظروا منه إلا ما يضحك والا يعرفوه إلا مزاحا , فهم يضحكون معه ما دام يضحكهم ،

فإذا أراد أن يجد وشرع ينطق بالعلم والحكمة ضحكوا منه وهزئوا به،. ثم ينظر صاحب حديث المائدة إلى الموضوع من ناحية لم يتمعنها الجاحظ فيقول ": على ان هناك سببا أغمض من ذلك ، ألا تشعر أنك ترى نفسك فوق كل إنسان يتصدى لأضحاكك ،

سواء بحركات جسده أو بحركات قلبه ؟ بل ألا تشعر بأنك تفيض عليه من برك وإحسانك إذ تمن عليه بتقبلك منه الوثبات الحقيقية أو الشعرية ! !.فاذا لزم أدبه , ووقف عند حده فخيرا يفعل , وإذا حاول ان يعلو إلى مقامك الرفيع , فاخذ يدلى اليك من مثير عظته نوابغ الحكم , فبئس ما صنع , وساء ما اتى ، وهيهات أن يقوم عندك مقام الواعظ , أو يفوز منك بنظرة الاجلال التى هو جدير بها لعلمه وأدبه! (١)".

وما كان الجاحظ من الدعاة والمزح ، إلا فى ذلك المقام الكريم الذى اتفق عليه هو وصاحب حديث المائدة , فتجده يستروح بالنادرة , ويتفكه بالدعابة , ولا يضن على السامر بالكلمة تصفق لها القلوب , وترتاح لها النفوس و إنه فى ابحاثه و كتاباته ليبتدع النكتة ابتداعا , ويحتفل بالنادرة يسوقها إلى القارئ , ولكن كل هذا فى المقام المناسب , وعلى القدر اللازم ، فما تعدى طوره , ولاخرج عن قدره , ولااستذل كرامته بالتزيد

والأمعان فى المجانة . وإذا كان ابن قتيبة قد عاب الجاحظ بالعبث والضحك , فمااابن قتيبة إلا مسرف فى هذا الاتهام , وإنه ليطعن الجاحظ فى غير مطعن ، بل إنه ليريد أن ينكر على الرجل طبيعته البشرية ، وكأنه كان يحمل له ضغنا , ولماذا ينكر ابن قتيبة عن الجاحظ مااستباحه هولنفسه فى عيون الاخبار من سرد المضاحبك والمعائب , حتى ليقول فى مقدمة ذلك الكتاب بلهجة صريحة :

" وسينتهى كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة وما روي عن الأشراف والأئمة فيهما , فاذا مر بك أيها المتزمت حديث تستخفه أو تستحمينه او تعجب منه أو تضحك له , فاعرف المذهب فيه وما أردنا به , واعلم أنك إن كنت مستغنيا عنه بتنسكك , فان غيرك ممن يترخص فيما تشددت فيه محتاج إليه ,

وإن الكتاب لم يعمل لك دون غيرك , فيهيا على ظاهر محبتك ! ولو وقع فيه توفى المتزمتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه , ولأعرض عنه من أحببنا ان يقبل عليه معك ..., واحب ان يتامل القارىء قوله -شطر بهائه وشطر مائه - فياليت شعري إذا كان توفى المزاح والفكاهة سيذهب بالبهاء والماء , فماذا يبقى بعد !؟.

"للكلام صلة"

اشترك في نشرتنا البريدية