الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 868الرجوع إلى "الرسالة"

دعبل الخزاعي، تأليف السيد محسن الأمين

Share

ليس من شك في أن دعبلا الخزاعي من أشهر شعراء القرنين  الثاني والثالث للهجرة فقد تطرق في نظمه إلى مختلف المواضيع  وتعرض بشعره إلى كثير من الأشخاص، وعرض نفسه إلى  شتى لمخاطر حتى انتهت حياته إلى الاغتيال وهو بعيد عن أهله  ووطنه.

ولقد نظر مؤرخو الأدب إلى هذا الشاعر من زاوية المقاييس  العامة التي حددوا بها الشعر القديم فسموه شاعرا هجاء مقذغاً في  هجائه وشاركهم في الرأي بعض المؤرخين المحدثين، ولكننا حين  ننظر إلى هذا الشاعر نظرة فيها شيء من العمق والتحليل نستطيع  أن نسميه شاعر سياسيا وإن في شعره ما يسمى هجاء بالمعنى  الدقيق لن بعض الذين تناولهم ليس خطرا في المجتمع.

وليس من شك في أن شعر دعبل يمثل حيته المضطربة ونفسه  الثائرة ونوازعه المذهبية التي دفعت به إلى كثير من المخاطر، وما  تعرض به للخلفاء العباسيين بمثل صفحة كبيرة من الشعر السياسي  العارم في العصر العباسي الأول وليست السياسية بأكثر من أن  يتعرض الرشيد وأولاده وأحفاده ويتناولهم تناولا شديد الوقع  على أنفسهم حتى أغضبهم ولقي منهم الجفوة والعنت كم لقي منهم  الحظوة والتكريم، يقربه الرشيد ويرفع من منزلته فيناله بعد  موته، ويصفح عنه المأمون فيقابل هذا الصفح بالتمرد و الطمن  و يشنع علي ابي عباد وزير المأمون فلا يجد منه غير السكوت،  ويسخر بإبراهيم بن المهدي اشد السخرية ويتندر بالأمين والمعتصم،  ويغضب المتوكل فلا يسلم منه إلا بالهرب، ويتجاوزهم إلى غيرهم  من ذوي المكانة في المجتمع في نعته مؤرخو الآداب بنعوت شتى  من سلاطة اللسان وإفحاش الكلام وإقذاع الهجو، وكل هذه

النعوت التي وصفها بها الشاعر مردها إلى تلك النظرة  السطحية إلى لم تتوغل إلى دخلية القلب ولم تتعمق في مطاوي  النفس، مع أن الأمر أيسر مما تتصوروه في هذا الشاعر. ولو أنهم

أرجعوا هذه الثورة إلى منابعها الأصلية ودوافعها الذاتية لأنصفوا  الشاعر وأعطوه نصيبه من الدراسة المتينة وأفادوا من شعره في تاريخ  الأدب السياسي، وما هذه المنابع والدوافع إلا عقيدة الشاعر ومذهبه؛  فقد كان دعبل ممن يوالون آل علي ويتعصبون لهم، وقد مدح أحياءهم  مدحا قوي العاطفة والإحساس، وبكى شهداءهم بكاء سخي الدموع  شديد الحزن، وكان من البديهي أن يقف الشاعر من خصومهم  موفقا لا يرضى الخصوم وأن يتعصب لأوليائه ويدافع عنهم ما استطاع  إلى ذلك سبيلا، فالرشيد قد آذى الإمام الرضا وسجنه وهو من  أثمة دعبل، والمأمون يبايع الرضا بولاية العهد ثم ينكل عن هذه  البيعة، والمتوكل يغضب الشيعة ويطاردهم حتى في ضريح الإمام  الحسين، وإبراهيم بن المهدي يبايعه الناس في بغداد عنادا للمأمون  في موقفه الأول من الإمام الرضا، وإبراهيم هو من هو في لهوه  ومجونه، وأبو عباد وزير المأمون كان شرس الخلق جافي الطبع.  إن من الحق لدعبل - وهو يتولى العلي - أن ينتصف لهم  ويدافع عنهم ويندد بخصومهم ولو ناله ما ناله من الأذى والتشريد  لأن هذا جزء من عقيدته الدينية ومذهبه. وليس بغريب عليه أن  يتعصب لعقيدته ومذهبه ما دام يجد في هذا التعصب لذاته الروحية  واطمئنانه النفسي، وما دام يرى العلي أصلح من غيرهم لرعاية  دينه وعقيدته وأولى بالحكم من سواهم.

هذه النقطة الدقيقة في تاريخ هذا الشاعر جدن منها لمحة  عابرة في كتاب (دعبل الخزاعي) لسماحة العلامة السيد محسن  الأمين وهو كتيب صغير ألف في الأيام القريبة وطبع في دمشق.

وكنا نود أن تكون هذه النقطة موضع عناية المؤلف الجليل  ولكنه لم يفعل ذلك جريا مع عادته في التأليف إذ أنه يعني بالترجمة  وجمع ما تفرق من أخبار المترجم له وتتبع حياته الأدبية والمادية إذا  كان للثانية صلة بالأولى دون إطالة في التحليل أو عمق في الدراسة،  على أنه لا ينسى أن يمحص الأخبار التي ينقلها عن حياة الشاعر  ويطرح الزائف منها وينقد المشكوك فيه ويقارن ويوازن وكثيراً

وكثيراً ما يستنبط من الخبر الواحد فوائد كثيرة تدل على ميله إلى  التحليل والتعمق، ولكنه ميل قليل بالنسبة لطريقته العامة التي أشرنا  إليها والتي تتجلى لنا في هذا الكتيب الصغير الذي جمع فيه معظم  ما تحدث به المؤرخون عن دعبل الخزاعي وعن مواقفه من الخلفاء  وصلته بهم ومقدار ما ظفر به من إطراء وتنويه بشاعريته. ثم  علاقته بآل علي ومدحه إياهم. وفي الكتاب منتخبات كثيرة من  شعر دعبل في المديح وفي السياسة، وقصيدته التائبة المشهورة في  آل البيت التي يمدحهم بها ويستعرض مصارع الشهداء منهم  استعراضا حزين وغير ذلك من المقطوعات.

ولعل هذا الكتاب عمل ضئيل بالنسبة لما أنتجه سماحة السيد  الأمين من كتب وموسوعات في الأدب والشعر إلى جنبه كتبه  العلمية النافعة.

اشترك في نشرتنا البريدية