جاءنا من نيويورك بأمريكا الخطاب التالي والنشرة الآتية ، فأحببنا أن ننشرهما لنشرك القراء في مضمونهما . نيويورك في ١١ / ١٠ / ١٩٥٠
عزيزى أمين بك أتشعر أنه ينبغي علينا أن نتنحي جانبا ، وألا نفعل شيئا بينما العالم يساق إلى هوة الحرب ؟ وهل مسئولية ذلك تقع علينا أم على قادتنا ؟
إذا كانت الحرب من صنع الإنسان ، فبوسع الإنسان أن يكف عن صنعها ، ولن نعجز حتى نظن بأنفسنا العجز ، ويعدل هذا صدقا أنا نستطيع منع الحرب أو إيقافها إذا نحن آمنا بقدرتنا على ذلك ، ونحن جماعة تعمل على أساس هذا الإيمان ، لنا ثقة في أنفسنا وقادتنا وإلهنا ، ونؤمن بوجود طريق لحل مشاكلنا خير من الحروب وأنسب .
نؤمن بأن الله قد دبر نظاما لنا أفرادا وجماعات ، وان لكل مشكلة حلا ، سواء أكانت المشكلة شخصية أم وطنية أم دولية ، فالذين يبتغون الحرب يستخدمون كل وسيلة ممكنة لإحداث الارتباك ، وإثارة الخوف والبغضاء ، أما
نحن فنعرف أن الله قد دبر خطته لصالح الجميع وان بوسعنا بناء عالم أفضل من عالمنا ، فلو أن عددا كافيا من الناس قد جعلوا الحب محور حديثهم وعملهم لأمكن لميزان القوة أن يتحول عن البغض إلى الحب ، وعن الخوف إلى الإيمان . فنحن موقنون ان هدى الله سيمكن لنا من بلوغ التفاهم والحكمة اللازمين لتحرير البشر من تلك الحروب التى تعاوده . فنحن لذلك نكافح لتصيب الطمأنينة في حياتنا ذاتها ، فنطالع يوميا (خطة الله) وندرسها ، لا نبغي بذلك خير أنفسنا وأسرنا فحسب ، بل نبغي كذلك خير مجتمعنا وخير العالم
ولقد بعثنا بالخطاب المرفق وبالنشرة إلى السكرتير العام تريجفي لي والرئيس ترومان والرفيق ستالين واليانديت نهرو والرفيق يوسف مالك والمستر وارن أوسين ، ونرجو أن يحققوا خطة الله وان يجلبوا السلام ، لا للهدنة المسلحة لعالم يترقب .
قصون السلام واجبك وواجب ، وإن كثيرا من الناس فيما تعتقد ليدركون ذلك ويودون لو عاونوا على تحقيقه ، ولذا
وغضب وغل . ويهيئ الشجاعة والإيمان لأنجز ما أحس أن على إنجازه من الأعمال . وأنا حين أنسق مع خطة الله أتحرر من الجشع وثورة النفس وكل دنس من الأفكار والفعال . فاقصر عن حسد غيري لما يصيب من خير . ولا أقيس به نفس وبذا لا تنقطع الأسباب بيني وبين الله مانح كل الطيبات .
ما أكثر آلاء الله علي . إنها لتزيد كثيرا على ما أحظى به منها الآن . فليزد الله من طاقتى على أن أوهب وان أهب ، فما استطيع أن أهب حتى أوهب ، ولا استطيع أن أهب ما لم أوهب . وآلاء الله دائما مجلية للسلام والانساق والمسرة ، لذا فكل ما يغمرنى سلاما واتساقا ولا يضير سواي هو نعمة من الله علي فهو حقي . وفي اعتقادي أن من حقي أن أعمل ما أحس أني مطالب بعمله . فإذا انسقت مع ما هو لى حقا ، تعاونت كل الأشياء لصالح الجميع.
وأومن اني إذا عجزت عن عمل ما أريد ، فمبعث ذلك أن الله قد أغلق بابا ليفتح بابا غيره خيرا منه وأفسح . فإذا لم أر الباب وهو أمامي وهو منى قيد خطوة ، فذلك لأني لم ار هدى الله ولم أسمعه ولم أطعه . وحينذاك يصطنع الله الصعاب ويبدي لي مظاهر الفشل . وقد يعيننى ذلك على أن أواجه نفسي وأن أهتدى إلى الإلهام والقدرة على رؤية الباب الصحيح
والهدف الحقيقي لحياتي هو الاهتداء إلي الله في باطن عقلي وقلبى وأن أعين إخوتي في البشرية . ولسوف أكون أقرب شبها بحبه ونوره وحياته ما أقمت على صلتي بالله (الأب ) فاللهم أوزعني أن أشكر دائما تلك المجالي التي لا تحصى لحبك وتناسفك وجمالك وهدايتك التي لا تخطني أبدا . وأحمد إلى الى كل تجربة تعينني على إخضاع إرادتي لإرادة الله ، وتزيدني إليه قربا . فلن يتحقق ما رسم لحياتي حتى يتلاشى وجودي إدراكا لوجوده الأعظم .
(الثقافة) ما أحب إلينا أن نرمي جمهرة من قادة العالم يدعون إلى السلام ، فالسلام بقيننا، وما أكره الحرب على كل مسلم وديننا اسمه الإسلام ، مشتق من السلام ، والقرآن يخاطب محمدا صلى الله عليه وسلم : "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " بل إذا قامت الحرب ، دعي المحاربون أن يحصروها في أضيق حد ممكن . وألا يتعرضوا لزرع زرع ، ولا راهب يتعبد ، ولا طفل في المهد ، ولا نحو ذلك .
أما الحرب اليوم . فلا ترحم كبيرا ولا صغيرا ، ولا زرعا ولا ضرعا ، ولا تذر من شيء أنت عليه إلا جعلته كالرميم . ولم يجرب العالم بعد القنبلة الذرية واستعمالها على نطاق واسع ، ليدرك تمام الإدراك ويلاتها ، ومن قديم والخيرون من قادة العالم يدعون إلى السلم وإبطال الحرب ، ولكن تذهب دعوتهم أدراج الرياح . فلعل الخلف يدرك ما لا يدرك السلف ، ولعل اشتداد الحروب واشتداد ويلاتها بعد العدة لإبهائها ، فالمثل العربي يقول : اشتدي أزمة تنفرجى وقد رحبنا كل الترحيب بهذه النشرة المرسلة مع الخطاب ؛ فالقاريء الذي يفرؤها ، يقرؤها كأنها صادرة من شخص عمر قلبه الإسلام ، وليس فيها ما يشعر بنصرانيتها ، إلا التعبير بالأب بدل الله ، فلو وضع مكانها الله لاستساغها المسلم كل الاستساغة . وليس في المسلمين والنصاري جميعا من يود الحرب إلا فرقا أربعا : (١) تجار لا ضمير لهم ، لا يودون من العالم إلا الربح الشخصي ، يخزنون السلع الرخيصة ويودون الحرب لبيعوها غالية ؛ وأمامهم مثلهم الأعلى وهو أغنياء الحرب ، الذين اغتنوا من لحوم الناس بعد فقر ونعموا بعد بؤس . (٢) صانعو الأسلحة والمواد المتفجرة الذين يودون الحرب لتصريف بضائعهم بأغلي الأثمان وهم يخسرون تمام الخسران إذا ساد السلم (٣) قادة الحرب الذين قد اشتراهم صانعو الأسلحة ، كل بما يشتري به فمنهم من يشتري بامرأة ، ومنهم من يشتري بقمار ، ومنهم من يشتري يحجج فاسدة ، والكل سواء . (٤) فرقة الشيطان ، التي تريد الشر بالعالم ولا يسرها أن يسوده السلام ، وأن يعيش امنا مطمئا ، فهي كما قال القرآن : " كمثل الشيطن إذ قال للانسان اكفر ، فلما كفر قال إني برئ منك ، إني أخاف الله رب العالمين . فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فها ، وذلك جزاء الظالين أما سواد الناس فلا يودون الحرب بحال من الأحوال . وكيف يود الحرب أسرة تعرض عائلها أو أبناءها لموت ؟ إنهم بلا شك يفضلون السلم بأي ثمن . وكيف يستسيغ الحرب قادة إذا رجعوا إلي أنفسهم رأوا أن كلا من الغالب والمغلوب خاسر ، وأن خسارة نفس واحدة في الحرب لا يساويها أي مكسب ؛ ولكنهم ركبوا عقولهم ، واستكبروا استكبارا . ولكن لعل فيما كان في الحربين الماضيتين ، وحرب كوريا عبرة لمن لم يعتبر ، والسلام.

