عرف الأستاذ صاحب ( الرسالة ، ما يعنيه بالبلاغة تعريفاً بليغاً حين قال في كتابه الجديد الذي جمع مقالاته في الدفاع عن البلاغة : ( إنها هي البلاغة التى لا تفصل بين العقل والذوق ، . ولا بين الفكرة والكلمة ، ولا بين الموضوع والشكل ، إذ الكلام كائن حي ، روحه المعنى وجسمه اللفظ ، فإذا فصلت بينهما أصبح الروح نفساً لا يتمثل والجسم جماداً لا يحس »
وليس بهذا التعريف من ضير في معناه لأنه بليغ ، وليس به من تقصير فى الإفادة لأنه جميل ، وليس به من نقص ، لأنه زاد على القرض منه أنه أدى هذا الغرض في نسق سائغ وبيان رائق . فما ذنب البلاغة إذن عند من ينكرونها ، لأنه كما يزعمون يدينون بمنفعة الكلام ، ولا يدينون بالزخرف المضاف إليه ؟
إن جماعة « النفعيين » فى مذاهب البلاغة العصرية يدعون أن العصر عصر سرعة ، وأن الزمن الذي تمتطي فيه السيارة غير الزمن الذى تتطى فيه الإبل والخيل ، فمن أجل هذا ينبغي أن يكون له كلام غير كلام الأقدمين ، وبلاغة لا تجرى على أسلوب البلاغة قبل ألف عام
وهذا قول صحيح في كل شيء إلا في النتيجة التي يسحبونه إليها سحباً وهو كاره شديد التجرم والالتواء . فإن عصر السيارة الذي يعرفون به لم يعلمنا شيئاً إن لم تتعلم منه أن الفائدة لا تغنى الجمال ، لأنه لا يصنع السيارة للسرعة وكفى ، ولا يصنعها للراحة دون غيرها ، ولا يصنعها للمتانة ثم لا يبالي بما عداها ، بل يصنعها أول ما يصنعها الجمال المنظر وأناقة الصورة والافتنان في النموذج ولطف الحركة والأداة . وما من معمل في الأرض زاحم غيره في سوق السيارات إلا جعل الزينة مقدمة على الغرض المفيد كما يسمونه ، وهو غرض السرعة في الانتقال أو الراحة التي يستمتع بها المنتقلون . ولا تنزل المصانع إلى التزام المنفعة دون غيرها إلا في أحط السيارات وأقربها إلى الابتذال ، وهي السيارات التي يعدونها لنقل الحجارة والتراب ، أو نقل البضاعة على أحسن احتمال ، وإنها مع ذلك لتنتقل إلى الحودي الأنيق فيزينها ببعض الأصباغ والتعليقات ، ويدل يذلك على ذوق في الحياة أرفع من ذوق البلاغة العصرية والبلغاء المصريين
فالسيارة ، أو عصر السيارة ، يعلمنا أن الفائدة ليست هي كل ما نتوخاه من الكلام ، وأنه إذا وجب على الإنسان وهو ينتقل من مكان إلى مكان في عصر السرعة أن زيد شيئاً على فائدة المركبة المقصودة ، فأحرى به أن يصنع ذلك وهو يمثل ذوقه وفكره وشعوره وجملة قدرته على التعبير ، لأنه قد ينتقل في سيارة شائهة المنظر ، وهو مضطر إلى ركوبها كما قيل إن المضطر يركب
ويخطى من يعتقد أن العامة من الأعراب كانت تفهم أقوال - البلغاء ولا تتكلف دراسة لفهمها والنفاذ إلى معانيها ؛ فإن الذين فهموا تلك الأقوال البليغة كانوا أناساً يتعلمون ويحفظون الأمثال ويروون السير والأخبار ، ويعرفون الأنواء والنجوم ، ولا فرق بينهم وبين متعلمى العصور الحديثة ، إلا أن هؤلاء يتلقون دروسهم مكتوبة ، وكان أولئك يتلقونها منطوقة لا تثبت في كتاب . أما الذين لم يتعلموا على هذا النمط ، فقد كان يفوتهم فهم الشعر المسهل فضلا عن الشعر البليغ ، ومن أمثلة ذلك تلك الأعرابية التي لامت زوجها على مدح الناس والترفع عن مدحها والتشبيب بها فقال :
تمت عبيدة إلا محاسنها
فالحسن منها بحيث الشمس والقمر
قل للذي عليها من عائب حنق
أقصر فرأس الذي قد عبت والحجر
ففرحت بهذا الهجاء وحسبته من أجمل المدح والتشبيب ، وهكذا يفهم مثلها من تسمعه أبياتاً من الرجل السهل ، وهو عي الفهم ردي" المزاج ، فإن العامية لا تنفعه في فهم ما ينظم بها من زجل ، ولو كان قريباً إلى الأذهان
ولقد أصاب الأستاذ الزيات كل الإصابة حين أبطل قول للتحدثين عن البلاغة المصرية إنهم يدعون إلى مذهب جديد ؟ فقال : ( وعما يزعم زاعم أن هذه العامية الأدبية ترجع إلى مذهب من مذاهب الكتابة دعت إليه حال وبعث عليه تطور . فإذا جاز أن يكون هذا الراعم ، فالغالب في الظن أنه لا يعلم إذا كان يجد، أو لا يجد إذا كان يعلم . ذلك لأن المذهب الكتابي والشعرى ، إما أن يكون مرحلة تطور لمذهب يتقدم به مبتدعوه ، وإما أن يكون رد فعل المذهب يغاو فيه متبعوه ... )
وليس في دعوة البلقاء المصريين إلى اللغة العامية أو إلى ما يسمونه بالأسلوب التلغرافي فكرة تسمى مذهباً أو تطوراً لذهب ، بل ربما كان التطور الذي حدث في العصور الأخيرة من أسباب سقوط الدعوة والعدول عنها إن كانت قاعة قبل ذلك ، لأن العامة يتعلمون في العصور الأخيرة بعد أن كان التعليم في العصور الغابرة وقفاً على السراة وذوى الأموال ، فلاحاجة إلى الإسفاف باللغة من أجل العامة كما يزعمون ، لأنهم في طريق المعرفة إن لم تتم لهم المعرفة جميعاً في هذه الآونة ، وأيا كان الزمن الذي ينقضى قبل شيوع للعارف الأدبية بين سواد الناس ، فما تعلم من أحد من أولئك القائمين القاعدين باسم أولئك السواد يعنى حاقياً اليوم ، لأن فقراء العامة يمشون حفاة ، ويتقضى زمن قبل أن يتوافر لهم جميعاً ليس الحذاء !
فالتطور الذي أشار إليه الأستاذ الزيات يرتد على البلغاء المصريين ، ولن يزال مرتداً عليهم فيما يلى من السنين ، وكلما ازداد نصيب العامة من العلم والدراسة قلت اللغة العامية وقل البلغاء المصريون وازدادت البلاغة التي دافع منها صديقنا صاحب الرسالة فأحسن الدفاع
لقد كان دفاعاً جميلا ، فلم يضره الجمال ولم يصبه من ناحية الإفادة والإقناع . وقد دافع أناس عن بلاغتهم العصرية ، فإذا هو دفاع غير جميل وغير مفيد ، وإذا بهم يتكلمون باسم العصر وهم لا يفهمونه ولا يفهمون عصراً من العصور التي سبقته ، لأن العصر الحاضر لم تعجله السرعة عن طلب الجمال ، بل هو يسرع ويغاو في سرعة ليدرك الجميل ولو تيسر له المفيد

