الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 331 الرجوع إلى "الثقافة"

دفاع عن الاسلام

Share

تعقد جمعية آسيا الوسطى الملكية فى لندره اجتماعات دورية يقدم فيها الأعضاء أبحاثا فى شئون آسيا والشرق ، وتعقب هذه الأبحاث مناقشات يشترك فيها الأعضاء وتنشر الأبحاث والمناقشات دائما فى المجلة الأسيوية الملكية

ومنذ شهور ألقى السير فيروزخان المندوب السامى للهند فى وزارة الحرب البريطانية الآن خطابا عن الإسلام فى الهند أعقبه مناقشة بين الأعضاء . وقد نشرت الخطبة والمناقشات فى عدد يوليه - أكتوبر من العام الماضى من المجلة الآسيوية ، وكان من بين المناقشات سؤال لعضو لم يشأ أن يذكر اسمه قال فيه على سبيل التساؤل والترجيح : إنه غير متأكد من أن التأخر ليس رذيلة متأصلة فى المسلمين ، لأن هذا التأخر يبدو فى الهند كما يبدو فى فلسطين ؟ ! .

وقد تطوع للرد على هذا السؤال ردا مفحما الاستاذ أحمد سامح الخالدى وكيل معارف فلسطين ومدير الكلية

العربية بالقدس ، ونشرت المجلة المذكورة رده في عددها الأخير . وأمل فراء الثقافة واجدون في هذا الرد الذى ننشر ترجمته فيما يلى متعة تعوض عليهم ما يثيره سؤال هذا السائل من ضيق في النفوس لأسيما ونحن نزعم أننا فى عصر يجب أن تنمحى فيه هذه النزعات الخبيثة :

(( .  قرأت باهتمام البيان الجلى الذى أدلى به دفاعا عن الإسلام فى الهند السير فيروز خان مؤمن والمنشور في عدد يوليه - أكتوبر من مجلتكم ، وإننى أتفق مع الذين يقولون بأن الإسلام لا يختلف اختلافا أساسيا عن الديانة المسيحية . وقد كنت دائما ، ولا أزال ، أنظر إلى هاتين الديانتين بهذه النظرة ، وإنى اعتقد أن الاقتراح الذى ذكره الكولونيل نيو كومب عن ضرورة تعريف الدين الإسلامى إلى عامة الشعوب فى الغرب كديانة لا تختلف اختلافا أساسيا عن مذهب الموحدين unitereanistes ( الذين لا يعتقدون بألوهية المسيح فى أوربا وأمريكا) إنما هو اقتراح موقف وقد يفيد كثيرا فى محو الفكرة التقليدية الشائعة وبين عامة الناس فى الغرب ( وهى من بقايا الحروب الصليبية ) التى تقول بأن الديانتين الكبيرتين متخاصمتين . ولست فى خطابى هذا أريد أن أنازع أولئك الذين يدعون باحتكار المبادئ الخلقية والمثل العليا والمقاييس الأدبية فى الحياة ، فان جوابنا لأولئك . . دعمهم فى ضلالهم يعمهون . على أننى أرغب أن أنهز هذه الفرصة لأسجل احتجاجى على عبارة قالها أحد الأعضاء الذى اختار لأسباب يعرفها هو أكثر منا أن يظل اسمه مكتوما .

أما العبارة فهى . . (( إننى غير متأكد تماما من أن التأخر البادى فى المسلمين فى الهند ليس رذيلة متأصلة في المسلمين لأننا نرى البادرة ذاتها فى فلسطين ))

أما لماذا اختار هذا السائل فلسطين من جميع بلاد الإسلام فليس من الصعب التكهن به ، وأحب أن أؤكد أن قوله هذا لا يعدو أن يكون اتهاما ، واتهاما جريئا لم

يتقدم للأسف حضرة العضو علنا لإثباته ، انهام لا أساس له ، بل هو مخالف للحقيفة والتاريخ . ومن حق الإسلام والمليون عربى فى فلسطين أن يستمع العضو السائل لجوابنا ، فهو الذى دق الباب . أما إذا كان غير مستعد أن يبحث معنا فى أعمدة مجلتكم قوله هذا فسيظل كلامه مجرد اتهام طائش . . .

وأحب بعد ذلك أن أحيل السائل إلى التوراة والمصادر التاريخية العربية ومذكرات الصليبين وأن أسأله بعد ذلك أن يقارن - لنفسه - بين فتح باشوع بن نون لفلسطين (تلفتح العبرى) ودخول عمر بن الخطاب بيت المقدس واحتلال السلبيين المدينة المقدسة .

وإذا كان السائل قد زار فلسطين أو عاش فيها فلا بد أنه رأى أن أنبل وأخم وأجمل البنايات فى البلاد المقدسة هى التى بنيت تحت حكم الإسلام ، ففى بيت المقدس وحدها يستطيع المرء أن يحصى مالا يقل عن مائة وعشرين معهدا ، كالمدارس والبيمارستانات والزوايا والأربطة من التى كانت عامرة تحت الحكم الإسلامى فى القرون الوسطى . وعلى المهندسين المعماريين أن يتعلموا لوقت طويل من هذه الأبنية الخائدة .

أما ما قدمه الإسلام للعلوم والرباضيات والتصوف والفلسفة والطب . الخ فليرجع السائل إلى كتاب تراث الاسلام legacy of islam ، وليرجع إلى المؤلفين الكبار من أمثال جب ونيكولسون وحتى وكرسوبل ولين بول وغيرهم فعندهم الجواب .

ولقد أسعدنى الحظ أن أدرس وأعيش بين ألوف من الطلاب العرب وغيرهم من أبناء الشعوب والديانات التى تقطن الآن الشرق الأدنى ، وذلك طيلة ربع قرن . ويمكننى القول هنا بأنى لم اعثر بعد على تلك النظرية الغريبة التى تقول بأن خارق الذكاء بين الطلاب يختلف بالنسبة للديانات ، كما أنى لم ألاحظ أية رذيلة متأصلة أو

فضيلة متأصلة محصورة فى أصحاب دين خاص أو مذهب أو شعب خاص .

على أن اختبارى الطويل بين الشبان قد دلى بالعكس على الاعتقاد بأن الجنس البشرى متشابه فى خصاله الطبيعية والسيكولوجية ، ونحن المسلمين - مهما قيل فينا - من بنى البشر العاديين.

فالقدس ومؤسساتها العظيمة ، والقاهرة ومساجدها وجامعاتها ، ودمشق بما فيها من مساجد وأسواق ، وبغداد تجامعانها وقصورها ، وعمان تلك العاصمة الحديثة التى تحتوى على ٥٠ ألف نسمة ، إنما بناها المسلمون فى عصور التاريخ المختلفة . كما أن الألف قرية الاسلامية العامرة فى فلسطين يحيط خمسائة ألف دنم  (الدنم ربع فدان) من شجر الزيتون ، ومائة وثلاثين ألف دنم من الحمضيات ، وما يزيد على خمسمائة ألف دنم من أشجار الأعناب والتين واللوز وغيرها من الأشجار المثمرة ، كذلك المدارس التى يبلغ عددها نحو ستمائة فى المدن والقرى والمستشفيات والمساجد والزوايا والأربطة الموزعة فى جميع أنحاء المدن والقرى ، كل أولئك جميعا لا يمكن أن يكون قد أنشئ ونما وترعرع قبل شعب عريق فى التأخر .

أما أن الإسلام فى فلسطين وسوريا والشرق الأدنى قد أصابته ضربة قاصمة من جراء سقوط بغداد فى القرن السابع للهجرة فلم يستطع أن يجارى فى بعض المظاهر تيار المدنية الحديثة ، فأمر لاشك فيه ولا يرجع سببه إلى الدين ، بل هو ناشئ من أسباب قاهرة أهمها سياسى وعسكرى . وقد يلذ للعضو السائل أن يعلم أن المسلمين الآن وقد أتيح لهم أن يتعاونوا مع أصدقائهم التقليديين وهم الإنجليز - قد بدأوا بثبتون وجودهم . وقد يسيره أن يعرف أن المسلمين فى فلسطين لهم حوالى ٨٠ ألف طالب يداومون على المدارس العمومية والخصوصية ، كما أن لهم نحوا من ٤٠٠ طالب يدرسون فى جامعة بيروت ولهم ما يقرب من هذا العدو فى جامعات

القاهرة والاسكندرية . وهناك عدد لا بأس به ممن يستطيعون تحمل نفقات التعليم فى الخارج بداومون على الجامعات الإنجليزية والأمريكية والأوربية ، وإن عشرات وعشرات من الشبان المسلمين ممن رافقهم الحظ قد أتموا تعليمهم فى جامعات أكسفورد وكمبردج ولندن وأكستر وتونتجهام ، وقد عادوا وهم يحملون درجات الشرف وكان سلوكهم ممتازا كما أن أحد طلابى القدماء وهو مسلم من قرية عربية فى فلسطين قد نال جائزة لابوك للرياضيات العالية فى انجلترا سنة ١٩٤٢ .

إننا نحن المسلمين يأمرنا ديننا بأن نحترم غيرنا كما نحترم معتقداتهم . ومن سوء الحظ أننا لا نرى غيرنا من الذين بنتمون إلى ديانات أخرى يبادلوننا هذا الشعور . بل إننا نجد أن رجالا مشهورين من أمثال الرحالة بالجريف يفقد سوابه عند كتابته عن الرسول السكريم فى مقدمته للقرآن التى طبعتها جامعة أكسفورد .

على أن بالجريف ليس من أبناء هذا الجيل . وأمثال بالجريف وحضرة السائل ينسون بأن ديننا يأمرنا بأن نحترم أنبياء النصرانية واليهودية وهذا فى نظرنا هو السبب فى أن الشتائم والتهم التى توجه إلى الإسلام وصاحب الرسالة لا يجاب عليها ، فالمقابلة بالمثل مستحيله حقا . وفى الحق أن اتجاه أمثال بالجريف والعضو أمر لا يمت بشيء إلى مبادئ ، المسيحية ونحن بعد هذا غير متأكدين بأن الميل إلى ناحية واحدة ، والتحيز وضيق التفكير والتعصب الذميم ، ليست من الرذائل المتأصلة فى بعض الذين ينتمون إلى غير ديننا ، لأننا دائما وأبدا نسمع ذات النغم يملأ الأسماع كلما كان موضوع البحث الإسلام أو نبى الاسلام

وكلما أسرع العالم وتعلم بأن الديانات الكبرى لها ما تأخذه من الغير بقدر ما تعطيه لهم ، كان ذلك نافعا له ولسكانه . هل يا ترى نعيش لنرى ذلك العصر ؟؟ . عن الانجليزية       القدس

اشترك في نشرتنا البريدية