الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 679 الرجوع إلى "الثقافة"

" دفاع عن الجاحظ "

Share

قرأت في مقال للأستاذ محمد عبد الغني حسن بالعدد (٦٧٦) أقوالا خطيرة ينسبها المؤرخ الجغرافي الكبير أبو الحسن المسعودي ، إلى علامة العربية ومالك ناصيتها ورب فصاحتها وبيانها ، أبي عثمان الجاحظ ، هالني أمرها فأكبرتها بحق وانكرتها .

فالمسعودي - ومن ورائه كاتب المقال يردد دعواه - يتهم الجاحظ بأنه يزعم أن نهر السند يستمد ماءه من النيل بدليل وجود التماسيح فيه .

ونحن مع تقديرنا لأبى الحسن ، لا يحق لنا من وجهة النظر العلمية إلصاق هذه الدعوى بالجاحظ ما دام قد وردت في كتاب " الأمصار " وهو كتاب أصابه ما أصاب التراث

الإسلامي من الضياع والفقدان . وأكبر الظن أن ليس في كتب أبي عثمان التي تمت أيدينا ما يؤيد هذا الزعم من قريب أو بعيد ، ثم ينقد المسعودي أبا عثمان مرة اخري ، وهنا يقول الأستاذ محمد عبد الغني حسن دون حق :

" ويقف ( المسعودي ) للجاحظ مرة أخرى وفي موضع آخر كأنما هو راصد له فيناقشه فيما زعمه وأورده في كتاب " الحيوان " من أن الكركدن يحمل في بطن امه سبع سنين ، وانه يخرج رأسه من بطن أمه فيرعي . .!  ثم يدخل رأسه في بطنها .

ثم يؤيد كاتب المقال مزاعمه هذه بقول للمسعودي . " فبعثي هذا الوصف علي مسألة من سلك تلك الديار من أهل سيراف وعمان ، ومن رأيت بأرض الهند من التجار ، وكل يتعجب من قوله - يعني من قول الجاحظ - إذا أخبرته بما عندي من هذا وسألته عنه و يخبرونني أن حمله وفصاله كالبقر والجواميس ، ولست أدري كيف وقعت هذه الحكاية للجاحظ ؟ أمن كتاب نقلها ، أو مخبر اخبره بها ؟ "

والحق أنه إذا جاز للجاحظ أن يخطئ فيزعم أن نهر السند يستمد ماءه ، من النيل ، وذلك لقلة معارفه الجغرافية ، فأكبر الظن أنه لا يسف هذا الإسفاف الذي يزري بعقليته في موضوع نصب نفسه دراسته ، إذ وضع في " الحيوان " موسوعته الكبرى ذات القيمة الكبيرة في العلم والأدب والتاريخ ، والتي تمتاز بطابع النقد والرجوع إلي المشاهدة والعيان والاحتكام إلي العقل فيما عزت فيه التجربة والمشاهدة .

وترديد كاتب المقال لدعوي المسعودي علي الوجه الذي ذكره . يشكك القارئ في عقلية الجاحظ ويطعن في موسوعته " الحيوان " . ولقد كان لزاما على الكاتب الفاضل - وهو يكتب عن منهج " المعاينة " في التاريخ الإسلامي - أن يلتزم هو أيضا هذا المنهج ولو في مقالته هذه على الأقل ، فكان عليه من وجهة النظر العلمية الا يقبل من المؤرخ الكبير أبي الحسن المسعودي - مع احترامنا له اتهاما لأبي عثمان في موضوع نهري السند والنيل . ما دام ذلك ليس في كتبه التي تحت أيدينا ، وما

دام هو لم يقرأه له . وكان عليه ثانيا أن يرجع إلى ما كتبه الجاحظ في " الحيوان " حول " الكركدن " ليقارن بنفسه بين دعوي للمسعودي وكتابة الجاحظ ، ليكون مقاله على المنهج العلمي القويم ؛ ومع أن الكاتب لم يشأ - مع الأسف - أن يقرأ ما كتبه الجاحظ في هذا الصدد ، فإنه قد أغفل عبارة هامة للمسعودي حينها نقل عنه دعواه ، فالمؤرخ الكبير يقول :

" وهذا القول أورده ( الحاحظ ) في كتاب الحيوان على طريق الحكاية والتعجب ، فيعشي هذا الوصف الخ ". فالمسعوي يحدثنا أن الجاحظ روي الخبر على طريق الحكاية والتعجب ، لا علي طريق الرأي والعقيدة ، وأكبر الظن أنه كان يربأ بأبي عثمان وبكتابه عن أمثال هذه الأساطير حتي ولو كانت على سبيل الحكاية .

والعلامة كمال الدين الدميري يعرف لأبي عثمان قدره وحقه فيقول في كتابه " حياة الحيوان " بعد أن أورد لنا أسطورة " الكركدن " هذه : " وقد أنكر الجاحظ هذا " نعم انكره الجاحظ فهو يقول :

" ولكن العجب كل العجب ما ذكروا من إخراج ولد الكركدن رأسه واعتلافه ، ثم إدخالة رأسه بعد الشبع والبطنة . ولا بد _ أكرمك الله _لما أكل من تجو ، فإن كان في ذلك الولد يا كل ولا يروث فهذا عجب ، وإن كان يروث في جوفها فهنا أعجب . .

" ولا أقر أن الولد يخرج رأسه من . . . . أمه حتى يأكل شبعة ، ثم يدخل رأسه من . . . أمه ولست اراه محالا ولا ممتنعاً في القدرة ولا ممتنعاً في الطبيعة ، وأري جوازه موهوماً غير مستحيل ، إلا أن قلبي ليس يقبله . ثم يقول أبو عثمان وقوله الحق :

" والله هو القادر دون خلقه ، ولست أبت بإنكاره وإن كان قلبي شديد الميل إلى رده ، وهذا مما لا يعلمه الناس بالقياس ، ولا يعرفونه إلا بالعيان الظاهر والخبر المتظاهر " رحم الله أبا الحسن وأبا عثمان بقدر ما أفادت الإنسانية من تراثهما العظيم ، ثراث العربية الزاخر بالذخائر .

اشترك في نشرتنا البريدية