فى هذه الآونة التى يتحتم فيها على كل واحد من الناس أن يقوم ببعض الأعمال النافعة ، وأن يؤدى تلك الأعمال أد , هو اقرب إلى التحمس . وذلك خوفا من التعرض لحكم يصدر فى غيبته متهما إياه بالتآمر ضد الوقار .
فى هذه الآونة تهب صيحة من الجانب المعارض . جانب أولئك القانعين بالكفاف من الرزق ، الذين يرون أن يقف الواحد منهم موقف الذى يرقب مشاهد الدنيا ويستمتع بها فى وقت معا .
والكسل هو المعروف عند الناس بأنه تلك الصفة التى تقوم على أن لا يعمل المرء أى عمل .
ومن المسلم به أن حضور ناس حلبة السباق الكبير وهم يأبون أن يراهن الواحد منهم ببضعة قروش ، فيه معنى الإهانة للذين راهنوا . وهو كذلك نذير يرفع الغشاوة عن أعين أولئك المخاطرين بأموالهم .
فإذا رأيت فتى فيه أناقة ولياقة يجمع أمره فيراهن على حصان من الأحصنة ببضعة قروش ، ثم يجرى وراء تلك القروش ، فتراه يذرع أرض السباق ثم يحرثها وكأنما نزلت به نارلة ، أو حلت بساحته مصيبة .
إذا رأيت ذلك الفتى وهو على حاله تلك ، هان عليك أن تعرف سر كرهه لأولئك القعديين الذين استغشوا ثيابهم ووقفوا يتغامزون على من قامر فكسب ، وعلى من قامر فخسر . وويل للشجى من الخلى .
وكذلك رجال المال يسوءهم أن يروا أولئك الذين لا يفقهون فى أمور المال شيئا . وكذلك أيضا رجال الأدب يضعون أصابعهم فى آذانهم إن سمعوا غير أديب يتحدث فى الأدب .
ومما لاشك فيه أن الناس فى شبابهم يستمتعون بقدر كبير من الكسل .
وإنك لواجد هنا وهناك من يشبه " لورد ماكولى " وقد نجا بنفسه من شهادات المدارس ، حاملا ذكاءه بين جنبات نفسه .
وكذلك أنت واجد العديد الأكبر من التلاميذ ، وهم ينفقون أموالهم لنيل جوائز الشرف فى العلوم . ثم يبدأون مرحلة الحياة العملية مفلسين .
وإذا رجعت ببصرك إلى الزمن الذى أنفقته فيما مضى فى الدرس والتحصيل فإنى واثق أنك لن تندم على ساعات ضيعتها فى البطالة والكسل . بل إنى لواثق أنك سوف تسقط من حساب ذلك الزمن تلك الساعات التى ينقصها البريق واللألاة ، والتى مضت بين النوم واليقظة أثناء الدرس .
أما أنا فقد حضرت محاضرات كثيرة أيام دراستى . وإنى ما زلت أذكر أن دوران لمبة النحلة إن هو إلا حالة من حالات استقرار القوى المحركة .
وما زلت أذكر أن استئجار الأرض استئجارا دائما ليس مرضا من الأمراض .
وكذلك مازلت أذكر أن ليس جريمة من الجرائم أن يولد المرء ميتا .
وليس هذا أوان التبسط فى الحديث عن ذلك المكان الفسيح الذى كان المدرسة المحببة لدى " ديكنز " و " بلزك " .
وإنى لأ كتفى بالقول إنه إذا لم يقدر لأحد الفتيان أن يحصل على الثقافة والعلم فى الطرق والشوارع ، فذلك دليل على أنه عدم القدرة على التعلم .
ومن الناس من قد يفضل أن يتلقى علومه بطريقة التأمل وإجالة النظر فى الحدائق والزروع . فهو قد يدمن
النظر فى باقة من زهر البنفسج وقد يطيل الاستماع إلى صوت خرير الماء فوق الحجارة . وقد ينصت الإنصات كله إلى غناء طير فوق شجرة .
وقد يوحى له كل هذا ، أو بعض هذا ، خاطرا من الخواطر الجميلة . وقد يرى الأشياء من زاوية نظر جديدة .
وإذا لم يكن هذا كله تعليما ، فقل لى بربك أين هو التعليم إذا ؟ .
ومن المقولات الفرضية أن كل المعارف إنما هى كائنة فى قاع بئر ، أو كامنة فى الطرف الأقصى للمنظار المكبر .
وقد قيل إنه لما امتدت السن بالنقادة الفرنسى " سانت بيف " ، أصبح ينظر إلى الوان الخبرة كلها كأنها كتاب مفرد جامع يقرأ المرء فيه بضع سنين قبل أن يرحل عن الدنيا .
وسواء عند " سانت بيف " أقرأ المرء الفصل العشرين الذى يبحث فى حساب التفاضل ، أو قرأ الفصل التاسع والثلاثين الذي يسمعك عزف جوقة موسيقية فى إحدى الحدائق .
وإنها لحقيقة مقررة أن الشخص الذكى الذى ينظر ويسمع والابتسامة لا تفارق ثغره ، لابد بالغ من التعليم مبلغا يعجز عن بلوغه كثير من أولئك المتزمتين المتوقرين .
وفى الحق أن هناك فوق أ كلمات العلم الرسمى معارف قد جف ماؤها وصوح نبتها . ولكن كل شئ فى مقدور طالب العلم . لا يكلفه إلا النظر والمطالعة ، وهو بذلك بالغ أمله فى الحصول على حقائق الحياة .
وبينما يملأ الآخرون ذاكرتهم بأكوام فوق أكوام من الكلمات التى سوف ينسون نصفها ، قبل ان ينقضى الأسبوع ، فإن الفتى الحر الطليق يمكنه أن يتعلم شيئا من الفنون النافعة ، كأن يتقن العزف على الربابة ، أو أن يتحدث فى ذلاقة ولباقة إلى مختلف الطبقات .
وإن كثيرا من أولئك الذين يعكفون على دراسة الكتب فى دأب ومثابرة ، والذين يحيطون إحاطة تامة بفرع أو بآخر من فروع العلوم أو الفنون يخرجون من تلك الدراسة وعليهم سيما البلادة والجدب ، وذلك فوق ما يصيبهم من مرض فى المعدة يلازمهم طوال سنى حياتهم .
فإذا رأيت واحدا من زملائهم الذين حالفهم الكسل رأيت صورة تخالف تلك الصورة كل المخالفة . فقد كان صاحبنا هذا يعنى بصحته ، ويملأ رئتية بالهواء النقى ، وهو خير دواء لعلاج الجسم وصحة العقل .
والعمل المرهق سواء أكان فى المدرسة أو فى الجامعة أو فى السوق ، وكذلك الإيغال فى رفق فى أمور الدين ، إنما هى أدلة على نقص القوة الحيوية .
أما قدرة المرء على الكسل فذلك دليل إحساسه القوى بذاتيته ووجوده . وهناك صنف من الناس يصح ان يسمى أفراده (الأحياء - الأموات ) وهم لا يعرفون للحياة تفسيرا إلا أنها احتراف مهنة من المهن .
وإذا أنت صحبت هؤلاء القوم فى رحلة إلى الريف ، أو أبحرت وإياهم على ظهر سفينة ، ألفيتهم وقد كاد الشوق يقتلهم حنينا إلى الأوراق والكتب .
وليس من الخير التحدث إلى مثل هؤلاء . فهم غير قادرين على أن يكونوا كسالى ؛ ذلك لأن أنفسهم ليست سخية سخاء كافيا .
وهم إذا لم تدفعهم حاجة الجسم إلى طعام أو شراب فهم يحسبون هذا العالم الذى يتنفس حولهم فضاء وخواء .
وإذا كتب عليهم أن ينتظروا الفطار ساعة من نهار ألفيتهم وقد تولتهم غاشية من الذهول .
وإذا رأيتهم وكأنما قد سمرت أجسامهم حسبت أن الدنيا قد خلت من ساكنيها .
فإذا عدت بهم إلى ما شغلوا به ألفيتهم مثال الجد فى
العمل - ولكن على طريقتهم - ووجدت أعينهم الغافلة الذاهلة آية فى اليقظة . فهم لا تفوتهم كلمة واحدة فى صك من الصكوك أهمل فيها النقط والإعجام .
ألا فليعلم أصحابنا هؤلاء أن القبلة لا تتم إلا بين اثنين وأن المزاح لا يبلغ أوجه إلا بين عشرين .
وليعلموا أنهم مهما بالغوا فى الجد وأسرفوا فى الكد فإن المجد الذى يرجون بلوغه قد لا يجئ أبدا ، وإذا جاءهم فقد يلقاهم حتى عن المجد غافلين .
(مترجمة)
