الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 461 الرجوع إلى "الثقافة"

دفاع عن الكسالى

Share

فى هذه الآونة التى يتحتم فيها على كل واحد من الناس أن يقوم ببعض الأعمال النافعة ، وأن يؤدى تلك الأعمال أد , هو اقرب إلى التحمس . وذلك خوفا من التعرض لحكم يصدر فى غيبته متهما إياه بالتآمر ضد الوقار .

فى هذه الآونة تهب صيحة من الجانب المعارض . جانب أولئك القانعين بالكفاف من الرزق ، الذين يرون أن يقف الواحد منهم موقف الذى يرقب مشاهد الدنيا ويستمتع بها فى وقت معا .

والكسل هو المعروف عند الناس بأنه تلك الصفة التى تقوم على أن لا يعمل المرء أى عمل .

ومن المسلم به أن حضور ناس حلبة السباق الكبير وهم يأبون أن يراهن الواحد منهم ببضعة قروش ، فيه معنى الإهانة للذين راهنوا . وهو كذلك نذير يرفع الغشاوة عن أعين أولئك المخاطرين بأموالهم .

فإذا رأيت فتى فيه أناقة ولياقة يجمع أمره فيراهن على حصان من الأحصنة ببضعة قروش ، ثم يجرى وراء تلك القروش ، فتراه يذرع أرض السباق ثم يحرثها وكأنما نزلت به نارلة ، أو حلت بساحته مصيبة .

إذا رأيت ذلك الفتى وهو على حاله تلك ، هان عليك أن تعرف سر كرهه لأولئك القعديين الذين استغشوا ثيابهم ووقفوا يتغامزون على من قامر فكسب ، وعلى من قامر فخسر . وويل للشجى من الخلى .

وكذلك رجال المال يسوءهم أن يروا أولئك الذين لا يفقهون فى أمور المال شيئا . وكذلك أيضا رجال الأدب يضعون أصابعهم فى آذانهم إن سمعوا غير أديب يتحدث فى الأدب .

ومما لاشك فيه أن الناس فى شبابهم يستمتعون بقدر كبير من الكسل .

وإنك لواجد هنا وهناك من يشبه " لورد ماكولى " وقد نجا بنفسه من شهادات المدارس ، حاملا ذكاءه بين جنبات نفسه .

وكذلك أنت واجد العديد الأكبر من التلاميذ ، وهم ينفقون أموالهم لنيل جوائز الشرف فى العلوم . ثم يبدأون مرحلة الحياة العملية مفلسين .

وإذا رجعت ببصرك إلى الزمن الذى أنفقته فيما مضى فى الدرس والتحصيل فإنى واثق أنك لن تندم على ساعات ضيعتها فى البطالة والكسل . بل إنى لواثق أنك سوف تسقط من حساب ذلك الزمن تلك الساعات التى ينقصها البريق واللألاة ، والتى مضت بين النوم واليقظة أثناء الدرس .

أما أنا فقد حضرت محاضرات كثيرة أيام دراستى . وإنى ما زلت أذكر أن دوران لمبة النحلة إن هو إلا حالة من حالات استقرار القوى المحركة .

وما زلت أذكر أن استئجار الأرض استئجارا دائما ليس مرضا من الأمراض .

وكذلك مازلت أذكر أن ليس جريمة من الجرائم أن يولد المرء ميتا .

وليس هذا أوان التبسط فى الحديث عن ذلك المكان الفسيح الذى كان المدرسة المحببة لدى " ديكنز " و " بلزك " .

وإنى لأ كتفى بالقول إنه إذا لم يقدر لأحد الفتيان أن يحصل على الثقافة والعلم فى الطرق والشوارع ، فذلك دليل على أنه عدم القدرة على التعلم .

ومن الناس من قد يفضل أن يتلقى علومه بطريقة التأمل وإجالة النظر فى الحدائق والزروع . فهو قد يدمن

النظر فى باقة من زهر البنفسج وقد يطيل الاستماع إلى صوت خرير الماء فوق الحجارة . وقد ينصت الإنصات كله إلى غناء طير فوق شجرة .

وقد يوحى له كل هذا ، أو بعض هذا ، خاطرا من الخواطر الجميلة . وقد يرى الأشياء من زاوية نظر جديدة .

وإذا لم يكن هذا كله تعليما ، فقل لى بربك أين هو التعليم إذا ؟ .

ومن المقولات الفرضية أن كل المعارف إنما هى كائنة فى قاع بئر ، أو كامنة فى الطرف الأقصى للمنظار المكبر .

وقد قيل إنه لما امتدت السن بالنقادة الفرنسى " سانت بيف " ، أصبح ينظر إلى الوان الخبرة كلها كأنها كتاب مفرد جامع يقرأ المرء فيه بضع سنين قبل أن يرحل عن الدنيا .

وسواء عند " سانت بيف " أقرأ المرء الفصل العشرين الذى يبحث فى حساب التفاضل ، أو قرأ الفصل التاسع والثلاثين الذي يسمعك عزف جوقة موسيقية فى إحدى الحدائق .

وإنها لحقيقة مقررة أن الشخص الذكى الذى ينظر ويسمع والابتسامة لا تفارق ثغره ، لابد بالغ من التعليم مبلغا يعجز عن بلوغه كثير من أولئك المتزمتين المتوقرين .

وفى الحق أن هناك فوق أ كلمات العلم الرسمى معارف قد جف ماؤها وصوح نبتها . ولكن كل شئ فى مقدور طالب العلم . لا يكلفه إلا النظر والمطالعة ، وهو بذلك بالغ أمله فى الحصول على حقائق الحياة .

وبينما يملأ الآخرون ذاكرتهم بأكوام فوق أكوام من الكلمات التى سوف ينسون نصفها ، قبل ان ينقضى الأسبوع ، فإن الفتى الحر الطليق يمكنه أن يتعلم شيئا من الفنون النافعة ، كأن يتقن العزف على الربابة ، أو أن يتحدث فى ذلاقة ولباقة إلى مختلف الطبقات .

وإن كثيرا من أولئك الذين يعكفون على دراسة الكتب فى دأب ومثابرة ، والذين يحيطون إحاطة تامة بفرع أو بآخر من فروع العلوم أو الفنون يخرجون من تلك الدراسة وعليهم سيما البلادة والجدب ، وذلك فوق ما يصيبهم من مرض فى المعدة يلازمهم طوال سنى حياتهم .

فإذا رأيت واحدا من زملائهم الذين حالفهم الكسل رأيت صورة تخالف تلك الصورة كل المخالفة . فقد كان صاحبنا هذا يعنى بصحته ، ويملأ رئتية بالهواء النقى ، وهو خير دواء لعلاج الجسم وصحة العقل .

والعمل المرهق سواء أكان فى المدرسة أو فى الجامعة أو فى السوق ، وكذلك الإيغال فى رفق فى أمور الدين ، إنما هى أدلة على نقص القوة الحيوية .

أما قدرة المرء على الكسل فذلك دليل إحساسه القوى بذاتيته ووجوده . وهناك صنف من الناس يصح ان يسمى أفراده (الأحياء - الأموات ) وهم لا يعرفون للحياة تفسيرا إلا أنها احتراف مهنة من المهن .

وإذا أنت صحبت هؤلاء القوم فى رحلة إلى الريف ، أو أبحرت وإياهم على ظهر سفينة ، ألفيتهم وقد كاد الشوق يقتلهم حنينا إلى الأوراق والكتب .

وليس من الخير التحدث إلى مثل هؤلاء . فهم غير قادرين على أن يكونوا كسالى ؛ ذلك لأن أنفسهم ليست سخية سخاء كافيا .

وهم إذا لم تدفعهم حاجة الجسم إلى طعام أو شراب فهم يحسبون هذا العالم الذى يتنفس حولهم فضاء وخواء .

وإذا كتب عليهم أن ينتظروا الفطار ساعة من نهار ألفيتهم وقد تولتهم غاشية من الذهول .

وإذا رأيتهم وكأنما قد سمرت أجسامهم حسبت أن الدنيا قد خلت من ساكنيها .

فإذا عدت بهم إلى ما شغلوا به ألفيتهم مثال الجد فى

العمل - ولكن على طريقتهم - ووجدت أعينهم الغافلة الذاهلة آية فى اليقظة . فهم لا تفوتهم كلمة واحدة فى صك من الصكوك أهمل فيها النقط والإعجام .

ألا فليعلم أصحابنا هؤلاء أن القبلة لا تتم إلا بين اثنين وأن المزاح لا يبلغ أوجه إلا بين عشرين .

وليعلموا أنهم مهما بالغوا فى الجد وأسرفوا فى الكد فإن المجد الذى يرجون بلوغه قد لا يجئ أبدا ، وإذا جاءهم فقد يلقاهم حتى عن المجد غافلين .

(مترجمة)

اشترك في نشرتنا البريدية