يلقاني رنينها في طريقى إلي الجامعة مستعجلا أو ممهلا ، فأحث الخطي أو اسير الهويني ؛ واحيانا اسمعه وأنا في الزورق عابرا النيل فأخاله يموج في الهواء والماء ، ويخيل إلي أن النهر يتجلد من هزاته . وبدوي جرسها ، وانا في الجامعة ، صاخبا رائعا ، يقطع على الحديث او يقف الاسترسال في الفكر معلنا أن الدرس قد حان .
وبينا أفيض في الدرس ناسيا الوقت أسمع دقاتها مخبرة بما مضي من الوقت وما بقي . وأحيانا أسأل نفسى أبقى من الوقت ما يتسع لمسألة اخرى ازود بها الطلاب ، فتجيبني دقاتها كأنها سمعت سؤالي ! وهأنذا أسمعها الآن وأنا أخذ هذه الأسطر تعد ست دقات مؤذنة بأفول الشمس ، وقد صرفني عن الأفق الإكباب على الكتابة .
ويعبر دويها النيل أحيانا خلال الظلام ، ومن وراء أشجار حديقة الأرمان ) ٢ ( يهز سكون الليل ، وهدوء النفس ، فأرتاع له حينا وآنس به حينا . اجده تارة جلبة في الليل المهود ، وضوضاء في السكون الساجي ، ورهبة في الظلام المطبق ؛ وتارة اجده انسا في الوحشة ، وحديثا في الصمت ، ورنينا في الوجوم ، وصاحبا في الوحدة ، ونجيا في الخلوة
وأحيانا أسمعه خافتا في جوف الليل يخترق حجب الظلام ، وهمود المنام ، وسكون المضجع ، قائلا إن الفلك دائر وإن سكنت ، والزمان يقظان وإن نمت ، والساعات ذا كرة إن غلفت ، والأعمار مسرعة وإن هجعت ، والدقاقة مصلصلة رضيت أم سخطت ؛ فيستيقظ في نفسي الزمان كلمه ماضيه وحاضره وآتيه ، وما اروع الزمان حين
تزدحم ذكرياته ، وتترادف عظاته - إنها تدق الآن ربعا فتنبهني إليها وإلى الزمان الذي ذهلت عنه وانا ا كتب فيه .
وإن هذا الرنين في الظلام المترامي ليذكرني بقول حافظ الشيرازي :
ما لنا علم بما نقصده إنما نسمع صوت الجرس
وكأنه صوت الوجدان يجلجل في ضمائر الأحرار حين تظلم الشبهات وتدجو الأهواء .
ياله من مناد لا يصمت ، وواعظ لا يقتر ، ونذير لا ينام ، وأذين لا يغفل ) ٣ ( ياله صوتا رهيبا ، ورنينا محبوبا ، وداعيا ومجيبا
أيتها الدقاقة الهائلة في برجها الرفيع ! أنت قلب الزمان الخافق ، وعرقه النابض ؟ أم أنت تمثال الزمان المائل ، ونداؤه الهائل ؟ اانت مرور الدهر قد تجسم ، ام انت نشيده بالرنين يقسم ؟ أوجهك هذا الفلك ، وهذه الإثنا عشر بروجه ؟ الست تسعين الزمان كله ، وتسايرين الفلك كل حين ؟ ! وليت شعري اعقربان هذان ، ام هما الحدثان يسيران ، والملوان يتقلبان ، والفتيان يلعبان أو يجدان ) ٣ ( .
إن في هذا السير الوجود والفناء ، والبدء والانتهاء ، والزوال والبقاء ؛ وإن فيه للحياة والموت ، والدرك والفوت ؛ وإن فيه للشباب والهرم ، والصحة والسقم . ليس من هذا المسير بد ، ولا لهذا المرور حد . الوقوف محال ، والتوقى خيال :
مشب الذي يبكي الشباب مشيبه فكيف توقيه وبانيه هادمه ؟
أيتها الدقاقة ! إن صوتك الذي يدركنا كالزمان
لا يدعنا نغفل عنك حينا ؛ فهأنت تعدين ثلاثة أرباع ولما أبلغ من التفكير ما أريد . إنك لتقولين : إن الزمان لا يجاري ، والساعات لا تباري ، وإنه لأسرع مما قال أبو العلاء :
أرانا على الساعات فرسان غارة وهن بنا يجرين جري السلاهب
وإن الزمان اسرع من ان يوصف ، واعظم من ان يعرف ! إن الفكر كليل ، في هذه السبيل ، وان القلم خزيان ، في هذا الرهان ! فألق القلم ، واسمع هذا النغم
