أحقا يا غانم حم القضاء وقام فيك الرثاء ؟ أحقا ط- بدوحك العاتى منجل الفناء ؟ وافجيعتاه ؟ قم إذن يا صاح فاهتف بالمحاجر أن تسح الدمع هتونا سخينا , ويالحناجر أن تسكب ذوب النفوس أنينا حزينا.
عجبا ! استطاع الدهر فى لمحة من الزمن , أن يطوى الشمس فى ظلمة الرمس ، استطاع الموت بلفظة فى لحظة أن يدك طودا كان شامخا بالأمس ؟ افى اليوم الذى نرجو للأمة فيه غانمآ و غانما , نهوي مخلب الموت , بين اشاجعه رعب القدر , وننظر فإذا غانممنا الواحد قد افتقدناه فى مثل اللمح بالبصر ؟ حنانيك
يا رباه ! أصبت بالمنية غانمآم أصبت عشيرة فى رجائها ؟ أرميت بالبلية رجلا ام رميت الرجولة فى سويدائها ؟فما كان فقيدنا فى عداد القوم واحدا كسائر الآحاد , بل كان ينبوعا للرجولة وافقا ، وقلبا للوطنية خافقا يمتلئ همة حتى ليسكب المهمة فى بنيه , ويشتعل حماسة حتى ليبث الحماسة فى مواطنيه , لا يدخر وفى سبيل ذلك ما وسعه من جهد اللسان والقلم . فهأنذا أطوى
الليالي القهقري أعواما ثلاثة , فاذا بالمطبعة العربية تذيع فى, الناس كتابا لا يخطف العين مظهره ، ولا يضج به فى الناس منشئه ومسطره: جان دارك تأليف غانم محمد .
أقبلت على الكتاب حينئذ , ولم أكن أدرى عن صاحبه إلا أشتاتا منثورة , فحسبته بادئ الأمر كتابا من الكتب وأخرجه للناس كاتب من الكتاب , فما هي إلا صفحات عشر اتلوها حتى همست لنفسي قائلا :كلا ! تالله إن الرجل لكاتب بارع واديب قدير , اختلجت فى نفسه الفكرة عنيفة جبارة
تنشد التصوير والتعبير , فاستجاب لدعوة القلم وكأنه فولتير يثور فيسطر فيثير . نعم لم تكن إلاصفحات عشرا اتلوها حتى أيقنت أن الكاتب منتش مخمور ، قبس من صحائف التاريخ
هدى ونورا ليلقيه فى جوانحنا لهبا مسعورا فما كتابه هذا عن جان دارك إلا منصرف تدفقت فيه اواذى نفسه المضطربة المصطخبة فى بيان رائع خلاب . كانها وحى النبوة يستحيل إلى بلاغ فى كتاب .
"استمع إليه كيف يستهل كتابه : لم أكتب من عرفت أناملى قبض القلم وتحريكه ، ولم تنطق كشفتاى مذ انفرجتا للنطق , ولم يخفق قلى , ولم يحش وجدانى وتنشرح جوانحى , منذ أن خرجت إلى الدنيا , لأمر من الأمور هو أسمى وارفع واشرف من الغرض الذي ارمى إليه بموضوع اليوم .
ثم انفذ إلى الختام وانصت إليه ماذا يقول قبيل ان يضع القلم : "وإني أختم هذا الكتاب مترسمما أثر جان فى دعوتها وحياتها وصفاتها ، وكلى أمل خالص أن تبعث قراءة قصتها فى قلوب
لقارئين نور الإيمان الصادق ونشوة الوطنية الحقة إن ما حققته جان في مقدورنا ان تحققه , إذا ما ارتفعت بنا , كما ارتفعت بها فى من قبل , أجنحة الوطنية والدين ... أيتها الفتاة المنقطعة النظير ! انفخي فينا من روحك , وبثي فينا من حماستك , لكى نحيا حياتنا ونموت فى سبيل الله والوطن !!"
وإذا انت مضيت بين تلك الفاتحة و هذه الخاتمة , لم تقر أسطرا كالاسطر ، بل أحسست فى الكلم حرارة وقوة وحياة , فهو ثائر حينأ شاعر حينا ،فإذا جالت جان دارك فى أجنادها زار القلم وفي يده زئيرا , وإذا جلجلت جان دارك فى اصفادها صر القلم من الأنين صريرا . وهكذا صور تتلوها صور , أبدعها صناع فسواها ، وألهها من شعوره فأذكاها , حتى لتقرأ الكتاب
وكانما تخوض فى اتون مستعر , وكأنك تنصت إلى صوت من السماء يهتف بك تلك جان دارك فى فرنساها ، وهأنت ذا فى مصرك , فماذا انت صانع ليذ كو شعورك الخاني , وينهض بلدك الكانى ؟! و هذا الداء فى ذلك الحين ما كان أبلغه من نداء حيث كادت تذهل أنفس عن الطموح إلى السماء ، فانحرفت إلى الأرض راضية من الغنيمة بالحب والماء !
لم أكد أفرغ من قراءة الكتاب عندئذ , حتى حملت قليل على وهنه وعثاره , ودعوت للكتاب ( فى الرسالة ) لانى امنت الدعوة له صيحة وطنية واجبة ، وكلما ازدادت للكتاب قراءة ازددت يقينا بما قلته إذ ذاك من ان غانما , أخرج بكتابه للناس
درة من اتمن ماتحوى لجة التاريخ من درر , ونشر صفحة من اسطع ماطوى الدهر من صفحات , ومن انه بهذا الكتاب قد أداع فى الناس مثلا أعلى للتضحية والفداء , ونموذجا ساميا
للوطنية المشتعلة الصادقة ممثلة فى جان دارك ,. وما ازال عند كلمتى التى ختمت بها مقالى من أن غانما , قد وفق فى التصوير توفيقا بلغ حد الكمال ، وأن ليس هذا الكتاب واحدا من الكتب يتلى لم يطوى وكا نه لم يكن . إنما هو فيض من الشعور القوى النبيل سيغمرك ويحتويك حين قراءته ,. وسيطيعك بطابع هيهات أن يزول أثره مابقيت على الدهر إنسانا "
ذلكم هو غانم الذى التقيت به فى كتابه منذ أعوام ثلاثة لقاء قارىء بكاتب , تم التقيت به منذ اشهر ثلاثة لقاء روح بروح , تم افترقنا فراق الأبد , بعد ان خلف لنا حرارة نفسه وحلاوة جرسه فى كتابه الخالد فرحمة الله ورضوانه على الفقيد الكريم
