من طبيعتنا الانقياض عن هذا الطراز من الأدب أدب الزهد ، وأظن أن السبب في انقطاع ولعنا بمثل هذا الباب إنما هو جفاف فصوله ، إنا نحب الألوان والصور والأنغام لأن اعيننا وآذاننا نجد لذتها فيها ، والزهد جاف بطبيعته ، معري من هذه المظاهر ، ولكن فلنحتمل قليلا هذا الجفاف وهذه التعرية ، ولنعش في دنيا الزهاد والنساك طرفة عين ، إني لا أبالغ إذا قلت إنا نجد في هذه الدنيا الحياة بحذافيرها ، فنشهد حلاوة صبرها ومراره جزعها ، وتتمتع بلذة هدوئها وألم اضطرابها ، وتمتحن عفة الألسن والقلوب فيها ، ولنري ما نراه في حياتنا في كثير من الأحيان من ظهور الإنسان في أمور لا يشتمل عليها في باطنه ، أو من قوله بلسانه ما ليس في قلبه ، ونظائر هذه الأخلاق والطبائع ، ولئن فاتنا في فصول الزهد لألوان والصور والانغام التي تنبسيط إليها أعيننا وآذاننا فلا تفوتنا بعض أخلاق تأنس بها قلوبنا وانفسنا
فلنسرع إلى هذا العالم العجيب ، عالم الزهاد ، ولنذق لذة كلامهم وحلاوة مواعظهم ، لا أتعرض في مقالي هذا للزهد نفسه ، فإني لا أري الزهد إلا على نحو ما راءه أبن المبارك الذي قال : افضل الزهد أخفاء ، هذه حقيقة الزهد ، أما الظهور في مظاهر لا يحتوي عليها الإنسان في باطنه إنما هو محض الرياء
غايتي السياحة في دنيا الزهاد ، ماذا سنجد في آفاقها ؟ مرة نجد في سيرة النساك هدوء الحياة بأجمعها ، أية حياة اهدأ من البعد عن الحسد ، قال ابن سيرين : ما حسدت أحدا على شيء قط !
ولا يقدر هدؤ بال ابن سيرين حق قدره إلا الذي يعرف اخلاق الحساد ومرارة العيشة التي يعيشونها في سواد ليلهم وبياض نهارهم ، ولقد كشف الجاحظ
الغطاء عن هذه العيشة لما افاض في الكلام علي تغير لون الحاسد ، وعلى شخوص عينيه وإخفاء سلامة ، وعلى تراكم، الغموم على قلبه واستكمان الحزن في جوفه وكثرة مضضه ووسواس ضميره وتنقص عمره وكدر نفسه ونكد عيشه وغير هذا كله من دقائق الحسد التي عالجها الجاحظ والتي لا يستطيع أن يعالجها إلا أشباهه من علماء النفس .
إذا عرفنا هذا كله أفلا نقدر هدؤ حياة ابن سيرين حق قدره إذ أنه لم يحسد أحدا علي شيء قط !
ومرة نجد في سيرة هؤلاء الزهاد والنساك حلاوة العبر ومرارة اليأس ، قال مؤرق العجلي : لقد سألت الله حاجة منذ أربعين سنة ، ماقضاها ولا يئست منها !
كل واحد منا يعلم فضل الصبر في هذه الحياة ، فأكثر الذين يخفقون في أمورهم لم يوطنوا أنفسهم على الصبر ، إنهم يقطعون أملهم في نجاح حاجاتهم من أول صدمة ، أما الذين تنجح شؤونهم في الحياة فمعظمهم قد رزقوا جميل الصبر ، يخفقون فلا يقتنعون ، ثم يخفقون فلا يدخل اليأس على قلوبهم ، فلا يزال أملهم قويا حتي يظفروا بحاجاتهم في الدنيا
وحينا نري في دنيا الزهاد حالات نفسية لا يفطن إليها إلا القليل ، إنا نعلم ان الإنسان مفطور على حب ما منع عنه ، قال يونس بن عبيد لو أمرنا بالجزع لصبرنا
وحينا نري فيها ادب ضبط اللسان والبعد عن الغيبة ، فقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتلة عثمان وخاذليه وناصريه فقال : تلك دماء كف الله يدي عنها ، فأنا أحب ألا أغمس لساني فيها !
ولا يعرف فضل عمر بن عبد العزيز في هذا المعنى إلا الذي يخالط الناس ويعاشرهم ويعرف كيف تنبسط السن الناس في الناس
وتارة تنعم النفس في هذا النوع من الأدب : ادب الزهد ، بضياء الإسلام ونور الإيمان ، فمن قول الحسن يا ابن آدم ! كيف تكون مسلما ولم يسلم منك جارك ،
وكيف تكون مؤمنا ولم يأمنك الناس.
فما أكثر الذين لم يسلم منهم جيرانهم وأصدقاؤهم وأقاربهم ، وما أكثر الذين لم يأمن الناس شر غوائقهم وتارة يسطع في هذا العالم : عالم الزهد ضياء الأخلاق الرفيعة ، قال الحسن يا ابن آدم ! إذا رأيت الناس في الخير ، فنافسهم فيه ، وإذا رأيتهم في الشر فلا تغبطهم فيه
ولا شك في أن الأمة التي لا يتنافس رجالها إلا في الخير إنما هي أمة نكاد تفصل بأول أفق الملائكة
وفي بعض الأوقات يظهر هؤلاء النساك والزهاد في أمور لا يشتملون عليها في بواطنهم ، فقد مر طارق صاحب شرطة خالد بن عبد الله القسري وهو في موكوبه بابن شبرمة ، فقال ابن شبرمة : اللهم لي دبني ولهم ديناهم فاستعمل ابن شبرمة على القضاء بعد ذلك فقال ابنه : اتذكر قولك يوم مر طارق في موكبه ! فقال : يا بني ؟ انهم يجدون مثل ابيك ، ولا يجد أبوك مثلهم ، يا بني . إن أباك أكل من حلوائهم وحط في أهوائهم
وفي الناس ألوف مثل ابن شبرمة ، في الناس كثيرون من ينكرون شيئا لم يحصلوا عليه ، فإذا حصلوا عليه لم ينكروه ، فإن شبرمة صورة رجال كثيرين في هذا الزمن وفي أي زمن كان ، يسرون غير ما يعلنون ، ويضمرون غير ما يظهرون ، ولكن فضل ابن شبرمة أنه لم يغالط ولم يكابر بعد أكل الحلواء !
وإني لأحب قبل أن أختم هذا المقال أو أقايس بين نظرة الزهاء وبين نظرة الانجليز إلي قيمة الدار المعنوية فالذين درسوا الانجليزية يعرفون شأن كلمة . هوم " في هذه اللغة ومعناها : الدار ، فهي مقدسة فى الأدب الانجليزي والذين خالطوا الانجليز في بلادهم يعرفون هذه اللفظة ، قال ابو الدرداء : نعم صومعة المؤمن منزل يكف فيه نفسه وبصره وفرجه
قد يجوز أن تكون نظرة أبي الدرداء إلى المنزل غير
نظرة الانجليز إلي هوم " ولكن كيف كان الأمر فان فإن النظرتين تجمعتان على تقديس المنزل ، وإذا كان الانجليزي ينعم في منزله بالاستقلال كله ، ثم بالنظر إلي أهله وزوجه وولده ، وإلى فرشه وحديقته ، إذا كان يتمتع بهذه الحياة الهنيئة التي لا يجدها إلا في منزله ، فإن أبا الدرداء ينظر إلي المنزل نظرته إلي شيء مقدس يروض فيه نفسه وبصره ، والسعادة في هذه الرياضة لا تقل عن السعادة التي يجدها الانجليزي في منزله
ولو شئت أن استقصي في ذكر ما يقف عليه الإنسان في دنيا الزهاد من رفعة الأخلاق وهناءة الحياة لفعلت ولكني أردت أن أمسح ذكر هذه الأمور مسحا دون شيء من الإطناب ، ونحن نري أن كل فكرة من الفكر الى وردت في كتب الزهد تصلح لأن تكون موضوع رواية أو قصة عند الافرنجة ، غير أن أكثر أدبنا تركيبي وأدبهم تحليلي ، فهم يهجمون على الفكرة فيبسطونها أو يضيقونها . ثم يحلونها أو يركبونها ، وأكثر رواياتهم قائمة علي هذا الشكل من البسط والتوسيع والتحليل ، ولكن أدباءنا في القديم كانوا يحبون الفكرة مجموعة ، ملمومة ، مجردة ، عارية ، وخاصة في الزهد ، فان الفن فيه جاف وقد وضح أسباب هذا الجفاف امام من أئمة الشعراء في هذا الباب وفي غيره وأعني به أبا العتاهية ، فهو يري أن الصواب في الزهد أن تكون ألفاظة مما لا تخفي علي جمهور الناس ، لأنه ليس من مذاهب رواه الشعر ولا طلاب الغريب ، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد وأصحاب الحديث والفقهاء وأصحاب الرياء والعامة ، وأعجب الأشياء إليهم ما فهموه ، فهذا السبب الذي من أجله ترى دنيا الزهاد مجردة من الأشكال والصور والأنعام ، ولكن فيها في عظمة الحياة وبساطتها ما يعوضنا من هذا كله ) -
) دمشق(
