الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

دور الجامعات ، فى العالم العربي

Share

تقسم الجامعات التى توجد الآن فى العالم العربى الى ثلاثة أنواع : الجامعات التقليدية التى تعنى أشد العناية بتعليم الدين الاسلامى والفقه ، والجامعات العصرية التى تؤلف جزء من الأنظمة التربوية القومية للبلدان العربية، والجامعات الاجنبية التى تمول من الخارج ويشغل الاساتذة الاجانب بعض كراسى التدريس فيها . وأهم الجامعات من النوع الاول ، تلك التى كانت توجد فى تونس وفاس والقاهرة . وتعتبر جامعات القاهرة وجامعة دمشق وجامعة بغداد أمثلة عن النوع الثاني ، وأما النوع الثالث فيوجد ما يمثله فى بيروت

ولذلك كان الطالب العربى يتسنى له الاختيار بين معهد و آخر . وأما مستقبل هذه الجامعات واضافة جامعات أخرى الى الموجودة منها فهو أمر يجب أن يدرس على ضوء حاجات العالم العربي

ان العرب كغيرهم من شعوب العالم الاخرى يحتاجون الى الحقيقة والضوء .

ولذلك فان السعى وراء الحقيقة والضوء فى أى بلد وجدتا أو على أى شكل كانتا ، هذا الهدف المفرد الوحيد الذى يوجد بين جميع الجامعات العربية . ولكن ضمن نطاق هذا السعى يوجد متسع لتنوع الوسائل والتشديد على موضوع دون آخر . ولذلك فان تقسيم الاعمال بين مختلف أنواع الجامعات العربية يجب أن يكون قائما وأن يظل موجودا في المستقبل . والمهم هو أن يقوم كل معهد بدور يلائم طبيعته وأن يساهم الى أقصى حد فعال في تحقيق الهدف المشترك.

والشرط الضرورى للسعى وراء الحقيقة هو توفر الحرية . ولضمان هذا الشرط لا يكفى أن نوطد أركان بعض مؤسسات سياسية معينة تتمشى مع المثل الاعلى الغربي للحكومة النيابية الديموقراطية لان المجتمعات التي تقوم بها هذه المؤسسات السياسية يجب أن تكون نفسها حرة متحررة . ويجب أن يكون هناك في المجتمع العربي عنصر الحرية الفكرية واحترام الشخصية الانسانية

والسرور والمتعة اللذين يشعر بهما الانسان عند التفكير الحر والبحث الحر وهى أمور ان وجدت فان روح الانسان تزدهر وتحقق أمانيه الفكرية .

وللجامعات العربية غرض مشترك ألا وهو أن تقوم بدور المراكز الناشطة الفعالة للحرية فى المجتمعات التى تخدمها . وفى هذا الميدان فان لكل نوع من الجامعات دورا خاصا به يتميز عن غيره . وقد أصبحت الجامعات التقليدية في العالم العربى لا تنظر اليها نظرة احترام لانها أصبحت مراكز لتعليم الافكار المحافظة الرجعية المتعلقة بالشكليات أكثر من الجوهر . ولكن هذه النظرة يجب أن لا تحجب عن أعيننا ذلك الدور العظيم الذى كانت وما تزال تقوم به ليس في ميدان المحافظة على تقاليد اللغة العربية فحسب بل وفي ميدان المحافظة على الفكر العربى ضمن نطاق المنطق الارسططالى بفضل دراسة اللغة العربية والدين الاسلامى والتشريع الاسلامى . وقلما نال هذا الدور حقه من التقدير اللائق به ، وحتى من العرب أنفسهم الذين طالما سمحوا لانفسهم بارتكاب خطأ الاعتقاد بأن الفكر العربى الاسلامى يختلف من ناحية أساسية عن الفكر الاوروبى الغربى .

ولذلك يجب أن تظل الجامعات التقليدية تقوم بدورها كحماة للغة العربية ومراكز للتفكير الدينى . ولكن ، اذا لم تكن اللغة العربية نفسها قائمة على خدمة معقولة ، حية حرة واسعة الخيال ، فانها ستظل جامدة ، كما أن تطور الافكار والسعى وراء الحقيقة سيقعان فى مكان آخر ولربما خارج نطاق اللغة العربية تماما . وهذا يعنى أنه يجب أن يعاد النظر فى مناهج الجامعات التقليدية وطرق التعليم فيها . ومع أنه ليس من الضرورى أو ليس من المرغوب فيه ، التخلى عن فكرة التعليم المبنى حول الدين ، فان الافكار الدينية نفسها يجب أن يعاد النظر فيها بصورة مستمرة . وليس فى دين الاسلام ما يمنع اعادة النظر هذه أو التفكير بالمعتقدات الدينية من جديد وليس صحيحا أن الاسلام دائم جامد لا يتحرك . وما حدث فعلا هو أن تطور الفكر الاسلامي والمبادىء الاسلامية قد وقع خارج نطاق الجامعات التقليدية . وهكذا أصبحت هذه الجامعات معزولة عن المجتمعات التى توجد بين ظهرانيها . ولذلك يجب أن تعاد هذه الجامعات الى حظيرة الاتصال مع وقائع الوضع المحيط بها وأن تخرق حاجز التقاليد الذي جعل منها معاقل للرجعية الفكرية والسياسية .

وأما دور الجامعات الوطنية الحكومية فهى أن تجعل ممكنا وجود أنظمة قومية للتعليم ، فليس من الممكن أن تقوم أنظمة المدارس الابتدائية والمدارس الثانوية بدورها كاملا دون أن يكون هناك الى جانبها مراكز للتعليم

العالى ضمن نفس الاطار الاجتماعى والسياسي . وهكذا فان ظهور البلدان العربية كدول مستقلة تجعل من الضروريات المحتومة انشاء جامعات وطنية حكومية . والمهمة الرئيسية لهذه المعاهد هي توفير وسائل توسيع المرافق التربوية وهو أمر يرافق الاستقلال الوطني . وهذا يعنى من ناحية رئيسية انشاء اطارات كبيرة للمعلمين لسد متطلبات العدد المتزايد لطلاب المدارس في البلدان العربية

ولانجاز هذه المهمة ، يجب أن تكون هناك برامج لتدريب الاساتذة ضمن نطاق الجامعات الوطنية الحكومية والجامعات الاجنبية خدمة لمصلحة النظم التربوية القومية وهى برامج ضرورية ولكنها غير كافية بحد ذاتها . ان الحاجة القصوى تدعو لوجود مستوى مرضى للتعليم العالى . فمستوى كفاءة المعلم لا يمكن أن يكون أعلى من المستويات الموضوعة للتعليم العالى . ولتتمكن الجامعات الوطنية الحكومية من القيام بدورها كاملا فيجب أن لا تكون مجرد آلات لتوليد المعلمين بل يجب أن تكون أيضا مراكز للابحاث والافكار الحية والحيوية . كما أن وضع النظم القومية للتعليم لا يعنى مجرد اقامة بنيان من أسفله ، بل يجب بناء الاطارات العليا في نفس الوقت . ويجب أن ندرك على أى حال أنه ستمضى بضع سنين تظل فيها مرافق الجامعات الوطنية الحكومية غير كافية على الارجح لسد متطلبات النظام القومي التربوى . ومثال ذلك أنه فى كامل شمال افريقيا الذى يبلغ عدد سكانه ما يقرب من ثلاثين مليون نسمة لا توجد جامعة حكومية كاملة هذا مع العلم بأن مراكش قد خطت الخطوات الاولى نحو هذا السبيل ، كما أن تونس ستخطو مثل هذه الخطوات قريبا.

وحقيقة أخرى يجب أن ندركها وهى أنه لسنوات عديدة ستظل الجامعات الوطنية الحكومية خاضعة لضغط من الحكومات التى تدعمها ماديا يتطلب منها التضحية بالمستويات لمصلحة الاعداد . ومع أنه يمكن بل يجب مقاومة هذا الضغط الى حد معين . فيجب أن لا يغيب عن بالنا أن الضغط موجود ، ليس من جانب الحكومات فحسب بل ومن الاوضاع التى تحاول هذه الحكومات معالجتها

ولذلك يجب أن تضحي الجامعات بعض التضحية بالمستويات لمصلحة الاعداد .

والمهم أن نعلم ما هى التضحيات الضرورية وأين يجب أن تقع يجب أن لا تضحى الجامعات أبدا فى تمسكها بالحقيقة وحرية التفكير أو في تحررها من أن تكون أداة سياسية أو موضع تدخل بروقراطی

وحقيقة أخرى يجب أن ندركها أيضا وهى أن الجامعات العربية ستظل عددا من السنين القادمة ترسل عددا كبيرا من الطلاب للخارج الى المعاهد الاجنبية للتحصل على تعليم عال وهذه الحقيقة هي ظاهرة من مظاهر الحياة التربوية للدول العربية المستقلة استقلالا فعليا وهذه الحقيقة لا تجعل من غير الضروري انشاء الجامعات الوطنية الحكومية بل انها تتمم عمل هذه الجامعات

وتقدم وسيلة لتوسيع نطاق المرافق التربوية الى ما وراء الموارد المحدودة  المتوفرة.

وأما دور الجامعات الاجنبية فى العالم العربي - ولا يوجد منها الا اثنتان كلتاهما ببيروت - فهو دور مزدوج . فهى أولا تكمل أنظمة التعليم الحكومية وتوفر مرافق لا تتوفر فى الجامعات الحكومية ، وثانيا توفر مكان اجتماع داخل العالم العربي للتعليم والثقافة الانقلوسكسونية والافريقية من ناحية وللتربية وللثقافة العربية من ناحية أخرى . ومع أنه ليس من المرجح أن لا تؤسس جامعات أجنبية فى العالم العربي فان فى وسع الجامعتين الموجودتين القيام بدور حيوى ، وذلك بأن تكون أداة تشجيع وتحدى للجامعات الوطنية الحكومية التي تتعرض دائما الى خطر هبوط مستوياتها والعيش في فراغ فکری

ان هدف المساعى التربوية العربية هو تمكين البلدان العربية من وضع نظام تربوى كامل يطبق باستعمال اللغة العربية . وهذا لا يعني مجرد ترجمة الكتب المدرسية الى اللغة العربية ووضع مصطلحات علمية باللغة العربية لتتماشى هذه مع العلوم الحديثة بل هى تعنى أيضا احياء اللغة العربية مع مرور الزمن كلغة وكوسيلة يمكن بواسطتها اجراء بحوث علمية مبتدعة أصيلة وتفكير مبدع .

وتعني تبعا لهذا آحياء العقل العربى . وهذا الاحياء لا يمكن ان يقع دون الاتصال مع المصادر غير العربية للحياة الفكرية . واذا تجمد الفكر العربى وتطلع الى الماضى دون الحاضر والمستقبل واستقر من نفسه دون غيره واتسم بطابع المغالاة فى التعصب القومى بأن يصبح أكثر عمقا مما هو عليه الآن .

وهناك حاجة الى نوع رابع من الجامعات ، اذا أردنا للعقل العربي أن يزدهر ازدهارا كاملا ويؤتى ثمارا يانعة ، فهناك متسع لجامعة واحدة على أقل تقدير تكون " حرة " الى اقصى حد من حدود معنى هذه الكلمة . ويجب أن تشاد هذه الجامعات من تبرع الافراد الخيريين ، بحيث لا تكون مدينة من ناحية أدبية أو مالية لأحد .كما أنها يجب أن تكون حرة من قيود التقاليد والحاجات العملية.

ويجب أن تكون حرة بحيث يتمكن أعضاؤها من تتبع دراسة الحقيقة سواء أكانت هذه تنفع من ناحية عملية أم لا . ان مثل هذه الجامعة توفر جوا من الحرية يمكن العقل العربى من أن يصوغ نفسه من جديد حسب نموذج خاص به يكون عربيا حقا ولكنه فى نفس الوقت عالميا . وفى هذه الجامعة الحرة ستبعث الانسانية العربية التى يكون صميمها فكرة الانسان العربي ، عربي في الاشكال التى يعبر بها عن نفسه وعالمى فى اكتشاف وتفسير الحقيقة التى يشرحها ببلاغة ووضوح %

اشترك في نشرتنا البريدية