الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

دور المثقف فى المجتمع

Share

سيدى الرئيس،

بودى، فى ختام هذا المؤتمر، أن أتوجه بالخصوص باسم أصدقائنا الحاضرين هنا، وباسم مؤتمر الحرية للثقافة، وباسم لجنة العلوم والحرية الى أصدقائنا ومضيفينا التونسيين. لقد كنا وجهنا شكرنا الى الرئيس والحكومة والى كل من قدموا لنا اعانتهم، فأريد شخصيا أن أضم صوتى الخاص الى هذا الشكر، كما أشكر، زيادة على ذلك، عامة الذين برهنوا على اهتمامهم بالمثل الاعلى الذي نحن بصدد العمل على تحقيقه، هذا الاهتمام الذى لاحظناه عند ما اطلعنا على عدد كبير من الصحف التى تفضلت بأحاديث ضافية عن مناقشاتنا.

واني أعتبر هذه الالتفاتة من الشعب تحية اكبار للمثل الاعلى الثقافي الذى صدعنا به هنا، ودليلا عن الثقة فى نزاهة نوايانا، وشاهدا على العلاقات الانسانية المخلصة التى تربطنا جميعا بعضنا ببعض، من وراء الحدود الرسمية المتمثلة في حواجز تفصلنا فصلا لا يقبله العقل.

لقد قبلنا أن نشارك هنا - طيلة عدة أيام - فى عمل شريف كرستم له جهودكم أنتم أيضا، وها أنتم أولاء على أهبة انشاء جامعة، الا أن هذا العمل يعتبر عملا جزئيا اذا ما نظرنا الى جملة نشاطكم العظيم، أعنى انشاء دولة جديدة واحياء ثقافتكم الوطنية فى كامل روعتها السالفة.

لقد مكنتنا هذه الفرصة من تبادل الآراء، وقد يبدو لكم اليوم أنكم تتلقون من الثقافة الغربية أكثر مما تعطون من ثقافتكم. ولكن ما معنى هذا؟ فلقد تلقت أوروبا دينها من آسيا، وصادف هذا الدين فى أوروبا ازدهارا طويل العهد، في حين أن شوكته قد ضعفت في بلاده الاصلية. ولكن عند ما انحطت الحياة الدينية في أوروبا فى هذا القرن العشرين ، وأحيا تلستوى (Tolstoy) عناصرها بتفكيره الغض، لم يلبث أن انتشر هذا التفكير فى آسيا حيث برزت عبقرية غاندى. ان مذاهب " أهمسا " (L'Ahimsa)  و " ستيقرافه " (Satygraha)  هي المشاركات الطريفة الوحيدة في القرن العشرين لفائدة العلوم السياسية المتحضرة. وهأنا أتذكر الآن مثالا آخر من هذا القبيل: لقد زرت أمريكا الجنوبية مؤخرا وتمكنت فيها من مشاهدة الفن المعمارى الحديث وقد اقتبس من أوروبا والولايات المتحدة، وأوله هناك رجال معظمهم يعيش حتى

الآن فى العهد الحجرى، ولكنهم مع ذلك نفخوا فى هذا الفن روحا جديدة، وقوة وروعة عجيبين. ولقد يرحل الآن الفنانون المعماريون الجدد الى " ساوو بولو " (Sao Paulo) و " قركاس (Caracas) قصد الدراسة  

واني أتكهن أن أمرا مثل هذا سيقع فى البلاد العربية وربما فى تونس على الخصوص. فقد استوحيتم كفاحكم لتحقيق الاستقلال من الثورتين الامريكية والفرنسية. ان الاوروبيين هم الذين لقنوكم مبادىء مناهضتكم للهيمنة الاجنبية، هذا الامر بالذات هو الذى وقع عندما لقن البريطانيون الامريكيين فكرة مناهضة الهيمنة الاستعمارية. وكان هذا الامر ذا نتائج مهمة. ان مؤسسى أمريكا - نذكر منهم جفرسون (Jefferson)  و " مادسون " Madison اللذين كتبا فى " الفيديرالست " the Federalist وصاغا بنود وثيقة الاستقلال - يعتبرون اليوم حجة فى ميدان التفكير السياسى، وان تفكيرهم هذا فات الآراء التى عرضها " لوك " Locke فى كتابه عن صورة الحكم ،Governement Essay on  ان كفاحكم، بل عملكم الذى شعرتم فيه هنا يبدو وكأنه تحد للفلسفة التى ورثتموها عن أوروبا، وانه يبدو لى أن المؤسسات التى انشأتموها هنا لا تتفق كل الاتفاق واطار هذه الفلسفة، وأعتقد أننا سنرى طريقة للتفكير جديدة تبرز فى هذه البلاد وتعبر عن المعنى العميق لاشكال الحياة العامة التى أنتم بصدد تشييدها.

لقد واجهنا فى هذا المؤتمر تجربة ظاهرة من هذا القبيل، تتعلق بالمبادىء الثقافية. انكم سمحتم لنا بالمشاركة فى مجهودكم الرامي الى اعادة النظر في أسس الحياة الجامعية. وهكذا فتحتم لنا - أو لى على الاقل - آفاقا جديدة بالنسبة لمفهوم الوضع الذى يجب أن تقوم عليه جامعة من الجامعات.

انه لمن دواعي السرور والارتياح أن نتمكن من درس مبادىء حياتنا الجامعية.

هذه الحياة العزيزة علينا. كثيرا ما تتهم منظمتنا هذه ( المؤتمر لحرية الثقافة ) بأنها تعمل ضد الشيوعية. انه توجد، مع الاسف، جهات فى العالم - وخصوصا فى البلاد القريبة منا - تجب فيها حتى الآن مقاومة التفكير الشيوعي والمؤامرات الشيوعية. ولكننا اليوم فى حاجة ملحة الى أن نوجه أكثر اهتماما الى التفكير فى رغباتنا والى البحث عن تحديد أسسها - مع الاعتراف بحدودها، وفي حاجة ملحة كذلك. بعد أن نخلص أذهاننا من ذكرى تلك الظروف الكريهة - للعمل قصد تحقيق الخير لانفسنا واستكمال صلاحنا.

كم أتحتم لنا الفرصة لان نقوم بهذا العمل ونحن بين ظهرانيكم، أنكم أفرغتم على هذه المشاكل معنى غضا وأهمية حيوية، لان هذه المشاكل عنصر من ثورتكم العظيمة هذه. لقد فعلتم أكثر من هذا، فعند ما التفت الى أمس السيد ابن ميلاد - وقد فرغت من تقديم تقريرى - فسألني متفكها: " هل أنت

مسلم؟ " أجبته أول الامر اجابة مازح، ولكنى فهمت الآن فجأة مدى هذه الكلمات. لقد تحققت، رغم الشكوك المرة التى أعرب عنها عدد منكم، فى خصوص معنى الاسلام التقليدى. أن لكم فى الاسلام مصدرا للمثل العليا الفلسفية تمتازون به علينا، نحن الاوروبيين، لان المسيحية، رغم مذهب " التوميسم الجديد " لم تفلح بعد فى منحنا أساسا ميتا فيزيقيا مرضيا فى الحياة الثقافية الحديثة والحياة الجامعية على الخصوص. ان لنا فى ألمانيا سنة للمثل الاعلى الفلسفى، ولكنها تشكلت بأشكال غير معقوله حتى كانت، بصورة غير مباشرة، مصدر حركات سياسية هدامة، فصرنا لا نثق بها اليوم، ولقد أنشأت هذه السنة، من خلال الوجودية، فى فرنسا وألمانيا، فلسفة العدم، أعنى نظرة تأملية في الكون الذى أصبح يعتبر خاليا من كل معنى. لذلك يبدو من الصعب أن تولد هذه السنة من جديد فى شكل مذهب حقيقي.

أما المذهب الانتفاعي البريطاني، فهو فلسفة جيدة لاولئك الذين يستعملونها لاخفاء عواطفهم الانسانية التى يكرهون الافصاح عنها . ولكن هذا المنهاج خاصية بريطانية: اذن هى لا تصلح خارج بريطانيا.

لقد أدركت الآن أن الله يمدكم ببركته لان لكم مصدرا فلسفيا أفضل، ويبدو أن ديانتكم زاخرة بالآراء الفلسفية العظيمة، وقادرة على توفير العناصر اللازمة لحفظ قيمة الروعة الثقافية لهذه النظرة العامة التى يجب أن تكون مرشد جامعتكم المنتظرة ودعامتها.

أسألكم العفو ان أنا أطلت عليكم وأبديت رأيي فى مشاكل تمسكم من قريب، وليس لى بها الا المام سطحى وانى أعتمد على هذه الثقة المتبادلة التى نشأت بيننا، وأرجوكم أن لا تكونوا قاسين فى حكمكم على هذيانى.

الثقة المتبادلة! هو ذا العنصر الثمين الذي جنيناه من هذا الاجتماع. اننا سنبذل كل ما فى وسعنا لنثبت هذه الثقة في السنين المقبلة، وعلى هذه الثقة سنعتمد لمواصلة الاضطلاع بمهمتنا التى لم نعد ان شرعنا فى تحقيق داعيها الحتمى: ألا وهو تشييد عهد الاخوة بين أفراد العالم بأسره %

اشترك في نشرتنا البريدية