لقد شهدت إيران في تاريخها الطويل دولا إيرانية كثيرة : شهدت في الزمن القديم دول عيلام ، ومادى ، والكيانيين ، والأشغانيين ، والساسانيين. وشهدت في عصورها الحديثة دول الصفويين والزنديين والقاجاريين إلا أن الدولة الإيرانية التي يعظمها الإيرانيون أشد التعظيم ويفخرون بها الفخر كله ، ويرونها عنوان المجد الإيراني والقومية الإيرانية بكل معانيها ، هي الدولة الساسانية ، أو دولة الأكاسرة التي قامت سنة ٢٢٦ م ، وغيرت من الزمان أربعمائة عام تزيد قليلا .
والساسانيون ينسبون إلى رجل يسمى ساسان ، كان قيما على بيت نار مدينة اصطخر بإقليم فارس، وقد ولد له ابن يسمى بابك ، نشأ جلداً هماماً ، حريصاً على بعث القومية الإيرانية التي أمانتها أو كادت غارة الإسكندر المقدونى على فارس في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، راغباً في استعادة المجد الذي كان لايران على عهد الدولة الكيانية العظيمة ، والذى قضى عليه الفاتح المقدوني في عشية وضحاها . وما زال بابك يسمى وتوانيه المقادير ، حتى أنشأ لنفسه ملكا كانت قاعدته مدينة (خير) الواقعة شرق شيراز. فلما توفى خلفه ابنه أردشير (٢٢٦ - ٢٤١م) فاقتفى أثر أبيه ، ونزع منزعه فى السياسة ، فصار يوسع رقعة ملكه على حساب مجاوريه من ملوك الطوائف ، حتى فطن لمآدبه كبيرهم أردوان آخر الأشغانيين ، فنهض لحسم الامر
قبل استفحاله ؛ ولكن أردشير ساحله الحرب حتى قضى عليه فى واقعة عظيمة جرت سنة ٢٢٤ ثم دخل بعد عامين المدائن مظفراً منصوراً ، فكان ذلك الفتح ختام عهد الفوضى السياسية التي نشأت عن الفتح المقدوني ، ومبدأ لعهد مجيد حافل بالأحداث العظام ، هو عهد الدولة الساسانية.
والمتصفح لتاريخ الدولة الساسانية من أول قيامها إلى أن تضعضعت أمورها واختك أحوالها في أوائل القرن السابع الميلادي يلحظ فيه ظاهرة مائلة كل المثول ، هي ظاهرة الحروب المتلاحقة ، بل المتصلة ، التي وقعت بينها وبين الدولة الرومانية. وليس من شك في أن تلك الوقائع الجسام ، والخطوب العظام ، إنما هي فصل من فصول تلك المأساة التاريخية الكبرى ، مأساة الصراع بين ما يسمى على سبيل الاصطلاح شرقاً ، وما يسمى غربا.
ولقد كانت كفة الدولة الساسانية ، هي الراجحة على وجه الإجمال في ذلك الصراع العنيف . فلم يوغل الروم قط في الهضبة الإيرانية ولا قاتلوا خصومهم في عقر دارهم وصميم ملكهم، بل كان قصاراهم أن يرددوا الغارة على أرمينية ، وأن تنساح كتائبهم في سهول العراق ، لا يكادون يزيدون على ذلك. في حين أن الفرس على عهد كسرى برويز (٥٩٠ - ٦٢٨م) أمكنهم أن ينتزعوا من الروم آسيا الصغرى والشام وفلسطين ومصر ، وأن يرابطوا في البر
الأسيوى تجاه القسطنطينية نفسها ، وأن يحملوا بعد الصليب الأعظم من بيت المقدس إلى عاصمتهم المدائن. وإلى هذا النصر أشار القرآن الكريم في أول سورة الروم بقوله : آلم ، غلبت الروم فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبتهم سيغلبون » الآية . ولقد يكون أروع حوادث ذلك الصراع الحاد العنيف وقوع الإمبراطور الروماني وليريان أسيراً في يد سابور الأول (٢٤١ - ٢٧٢) وذلك عام ٢٦٠م ، وقضاء ذلك الامبراطور التمس بقية حياته أسيراً ذليلا لقد رج هذا الحادث الجلل العالم الروماني رجا عنيفاً ، كما كان سبب فخر لا حد له الفرس الساسانيين.
ولقد استظهر الساسانيون في حروبهم مع الروم بالعرب فأذنوا لهم أن ينزلوا بادية العراق ، ويستقروا بالحيرة في القرن الرابع الميلادي، وينشئوا به مملكة الحيرة المشهورة التي نفعت الدولة الساسانية نفعاً مزدوجا ، فكانت عونا لها على الروم، كما أنها بسطت نفوذها على شرقي الجزيرة العربية وجنوبيها . ولقد نهج الروم منهج الفرس فأقاموا من عرب بادية الشام مملكة الغساسنة ، وكان موقفها من الروم موقف الحيرة من بن فارس س سواء بسواء
على ان المظهر الحربي للدولة الساسانية لم يكن مقصورا على مجالدتهم الروم وحدهم ، فلقد كانوا عرضة لهجوم القبائل البدوية الهمجية التي تنزل حدودهم الشمالية الشرقية ، ولكنهم استطاعوا ان يدرءوا ذلك بانتصاراتهم العديدة على التتار المعروفين بالهياطلة اولا وعلى قبائل الترك اخيرا ، وان يبسطوا سلطانهم على رقعة واسعة من الإقليم الذي عرف بعد بما وراء النهر .
وإذا صح انه لا يوجد في هذا العالم خير محض ولا شر محض ، فيمكن القول بأن هذه الحروب على كثرة ما أزهفت من نفوس ، وخربت من بلدان ، واكلت من مال ، لم تكن شرا محضا ، بل لقد نتجت خيرا كثيرا للفرس أنفسهم
وللروم والعرب والترك، فأما الفرس فقد كان من سياستهم بإزاء عدوهم الروماني أن يفتحوا أبواب بلادهم المخالفين على الدولة الرومانية من رعاياها. فانتجعت أرض فارس نساطرة النصارى الذين اضطهدتهم الدولة الرومانية، ونزلوها آمنين مطمئنين ونشروا فيها العلوم والآداب السريانية المستمدة من علوم الأغريق وآدابهم ، فكان لذلك أثر كبير في رفع المستوى العلمي والثقافي للدولة الفارسية الساسانية . ولما أمر الامبراطور جستنيان ( ٥٣١ ٥٧٨ م ) باغلاق مدارس الفلسفة بآثينا وإخراج الفلاسفة من ملكه ، لم يكن هؤلاء العلماء من ملجأ سوى فارس ، وقد تقبلهم العاهل الساساني العظيم كسرى أنوشروان (٥٣١ - ٥٧٩م) بقبول حسن وأذن لهم في نشر علومهم في بلاده، فنشروا فيها مذهب الأفلاطونية الحديثة الذي امتزج بالعقلية الإيرانية والخيال الإيراني ، فكان لذلك الامتزاج أثر قوى في ظهور التصوف الفارسي المشهور في آداب الفرس قديماً وحديثاً
ولقد أخذ الروم من الفرس الساسانيين أن ديناً رسمياً واحداً خير للدولة من أديان متعددة ، فاتخذوا النصرانية دياتهم الرسمية وهجروا الوثنية ، فكان ذلك بدء اعتزاز المسيحية وانتشارها فى الأرض .
ثم إن اتصال العرب بالفرس الساسانيين وقف العرب على أساليب الفرس والروم في الحرب، كما أظهرهم على معارف ومعلومات دينية لم يكن لهم بها عهد من قبل، فعلا مستواهم الثقافى ، وتهذبت نواحي حياتهم الخشنة الساذجة إلى حد بعيد . وما يقال عن العرب يقال مثله عن الترك فانهم تأثروا بالمدنية الإيرانية تأثرا كبيراً إلى حد أن غير واحد من فلاسفة الإسلام الذين نبغوا بما وراء النهر لا يدرى أصله على التحقيق : أفارسي هو أم تركي ؟
قد يخيل إلي القارئ ان الساسانيين لكثرة خوضهم
غمار الحرب مع الروم تارة والترك أخرى ، قوم لا هم لهم إلا الحرب والجلاد ، وأن شأنهم في ذلك شأن الأشوريين والأسبرطيين والترك العمانيين والسكن الواقع ليس كذلك ، فان عظمة الساسانيين الحقيقية تتجلى زمن السلم أكثر مما تحل زمن الحرب
لقد كان لهم سياسة داخلية مقررة محكمة تدل على أن ملوكهم كانوا رجالا موفورى الحظ من الخبرة العملية بشئون الناس وعلم نام بطبائعهم فمن أسس هذه السياسة عملهم على التمكين للنظام الملكي في إيران وجعله لا مجرد نظام معرض لعواصف السياسة الفانية وأعاصيرها الهوج، ولكن عقيدة تملك على الشعب الإيراني لبه وقلبه على السواء، فألقوا في نفسه أنهم سلالة الملوك الكيانيين العظام الذين كانوا يحكمون في الأرض بتفويض من إله النور آهورا مزدا ، وأنهم ورثة ملك الكيانين وأنهم إنا يحكمون بهذا التفويض الإلهى ، وأن عليهم وحدهم سمة الملك وطابع الحكم لا ينتقل ذلك عنهم إلى غيرهم أبدا. وقد عززوا هذه الدعوة بأن أحاطوا الملك بسياج من المهابة والأبهة والعظمة ، يتمثل فى تاجه المتألق وسريره العالي وإيوانه المنيف ، وفى احتجابه عن الشعب، وفي تلك المراسم الدقيقة التي كان يؤخذ بها كل من يسعده الحظ بالمثول بين يدى كسرى ملك الملوك
ومن الأسس التي عنى بها الساسانيون لمصلحة الملك والرعية على السواء الدين والدين الفارسي القديم هو الزرادشتية التى ظهرت قبل الدولة الساسانية بأزمان طويلة . والزرادشتية ديانة رمزية تؤله الخير والشر وتأمر بالخير وتنهى عن الشر - والخير والشر عندها أمران ماديان محسوسان إيجابيان ، فهى تأمر بالعمل والانتاج والزراعة والتجارة ، وتحث على الزواج والنسل وتعد ذلك خيراً ، وتنهى عن أضداد ذلك وتراها شراً .
ولقد أدرك الساسانيون القيمة العملية للديانة المذكورة
فعلوا من أول أمرهم على مناصرتها وجعلها الديانة القومية للأمة الإيرانية، فأنشأوا في كل مدينة ، بل في كل قرية ، بيوت النار حيث يعبد الناس النار مبعث النور الذى هو رمز الخير وطاردة الظلمة التي هي رمز الشر. وقد أدتهم تلك العناية بالدين الزرادشتي إلى رفع شأن رجاله المعروفين بالموابذة على سائر رجال الدولة.
فلما ظهر ماتي ودعا إلى مذهبه ، وكان مذهبا عدميا سلبيا يرى الخير في الزهد، وعدم الإنتاج، والامتناع من الزواج والنسل ، فان بهرام الأول (٢٧٣ - ٢٧٦) تجرد لمحاربته فقتل مانى ونكل بأصابه شر تشكيل . وقد قابل رجال الدين الزرادشتي هذا الصنيع من الساسانيين بأن أبدوا سلطانهم السياسي بالهم على الشعب من نفوذ روحى.
ومن المبادىء المقررة في سياسة الساسانيين الداخلية المحافظة التامة على النظام الاجتماعي الايراني القديم القائم على الأسرة والملكية ، فلما ظهر مردك في أوائل القرن الخامس ، ودعا إلى تحلته الشيوعية القادمة لنظامي الأسرة والملكية ، وافتتن بها العامة ، فإن كسرى أنوشروان تجرد لمحاربة نحلته ، فقضى على مزدك وأتباعه ، كما قضى من قبل بهرام الأول على مانى وأصحابه.
وأجمل الفضائل السياسية التي كان يتوخى أكاسرة الدولة الساسانية التحلى بها فضيلة العدل . وهي ملحوظة فيهم من أولهم إلى آخرهم ، فقد ورد في العهد الذي عهده أردشير الأول إلى ابنه قوله : «لا منك بغير جند ، ولا جند بغير مال ، ولا مال بغير زراعة، ولا زراعة بغير عمل ، فالعدل عنده أساس الملك . وكان أنو شروان يلقب بذلك العادل، وعلى هذه الفضيلة العظيمة جروا في نظمهم التي تتصل بالحقوق والواجبات بوجه عام.
وتعود فتقول إن أعمال الناس مزاج من الخير والشر . فاذا كانت سياسة الأكاسرة تنطوي على خير كثير فانها
للأسف كانت تحمل في ثناياها العناصر التي أدت في النهاية إلى انتقاض أمرهم وضياع ملكهم ، فإن حملهم الشعب على اعتقاد أنهم يحكمون بتقويض من الله على تصور هم له كان لا بأس به إبان قوة الأسرة الساسانية، فلما اضمحلت ، وعراها الوهن والحرم من بعد كسرى أنوشروان لم يكن ممكنا أن يقوم رجل قوى فينتزع منهم السلطان، وينقله إلى أسرة أخرى فتية ناهضة . فاذا حدث أن رجلاً قوياً حدثته نفسه بذلك لقي الخذلان من الشعب، على نحو ما حدث لبهرام جويين في أواخر القرن السادس. ثم إن انتصار الدولة للزرادشتية والمبالغة في رفع أقدار رجالها قد أدى فى نهاية الأمر إلى قيام طبقة كهنونية متعصبة مستبدة لا تعرف الرفق بالناس في مسائل الدين ، ولا التسامح نحو أهل الديانات الأخرى الذين كان منهم بإيران خلق كثير
ثم إن التمسك بنظام الأسرة والملكية على النحو الذى كان عليه دون تعديل يطابق الظروف ، أدى إلى قيام طبقة أرستقراطية قليلة العدد واسعة الثروة كثيرة الامتيازات ، کما قسم الشعب طبقات متحاجزة تحاجزا تاما أوغر قلوب الناس بعضهم على بعض. والواقع أن شيوعية مزدك إنما كانت احتجاجا عمليا على ذلك النظام بصورته التي أصبح عليها في القرن السادس الميلادي
وكان اجتماع هذه العوامل في نهاية القرن السادس مما أوقع الدولة في الفوضى والارتباك ، وهى فوضى يكفى للتدليل عليها أن اثنى عشر مملكا جلسوا على سرير الملك فيما بين عامى ٦٢٨ و ٦٣٢م ، أى في نحو أربع سنوات، ومن الاتفاقات العجيبة أنه فى تلك السنوات عينها أخذ العرب يخرجون من جزيرتهم غزاة فاتحين ، فلم يقو صرح الأكاسرة المتداعى على صدماتهم العنيفة في ميادين القادسية وجلولاء ونهاوند . وقضى آخر الأكاسرة وهو يزدجرد بن شهريار بقية أيامه شريداً مطرداً إلى أن اغتيل على يد رجل من
أحقر رعيته عند مدينة مرو عام ٣١ هـ (٦٥١م ) فذهب بمصرعه على هذه الصورة المؤلمة مثلاً واضحاً الجحود العامة وغرور الحياة .
على أن الدولة الساسانية لم تذهب إلا بعد أن أدت واجبها من حيث هي عظيمة . لقد أقامت بإيران معالم حضارة رائعة ، لا تزال آثارها شاهدة روعتها ، كما أنها ثقفت الشعوب المجاورة لها ، وبخاصة العرب والترك وهيأسهم للقيام بدورهم التاريخي العظيم. وهي التي علمت الروم أن وحدة الدين خير فى السياسة من تعدده ، وقد علم الروم ذلك وعملوا به ، فكان من وراء ذلك الخير كل الخير للنصرانية. وأخيراً فإن دولة الأكاسرة الساسانية ينظمها وسياستها وإدارتها وحياتها العامة ، كانت المثل والقدوة للمسلمين في عصرهم العباسي العظيم

