الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 196 الرجوع إلى "الثقافة"

ديكارت الفيلسوف

Share

سمعت الأستاذ أحمد أمين يخطب في حفلة الجمعية الفلسفية هذا العام قائلا إنه مدين للفلسفة بتكوينه العقلي . ولم يكن ذلك الكلام فيض الخاطر ، وإنما هو حقيقة ثابتة . وآية ذلك أن الأستاذ الجليل ترجم منذ زمن طويل كتاب " مبادئ الفلسفة" عن اللغة الانجليزية ، وقد طبع عدة مرات ، ونفدت طبعته عدة مرات ، وتطبع لجنة التأليف والترجمة والنشر كثيرا من الكتب الفلسفية الخالصة ، حتى تكاد توازي في عددها الكتب الأدبية التي تطبعها اللجنة . وآخر هذه المطبوعات كتاب " المدخل إلي الفلسفة ترجمة الدكتور أبو العلا عفيفي ، والذي سنعود إلي نقد بعض المصطلحات الفلسفية التي جاءت فيه في مناسبة أخري .

ولعل الذين قرءوا كتاب الأدب التوجيهي الذي اشترك في تأليفه الدكتور طه حسين والأستاذ أحمد أمين ، يشعرون بهذا الأثر الفلسفي الواضح في أكثر فصول الكتاب .

لا أريد الإطالة في ضرب الأمثال ، ولكني أقرر أن الفضل في بروز كتابنا وادبائنا يرجع إلي معرفتهم بالفلسفة .

وما أحوجنا في مصر إلي الإلمام بالفلسفة ، بل إلي التعمق فيها ، حتى يأتي اليوم الذي تكون لنا فيه فلسفة مصرية ، كما أن هناك فلسفة انجليزية وأخري فرنسية وثالثة المانية تتميز بها هذه الشعوب ، وتقودها نحو اهداف خاصة ، وتطبعها بطابع معروف .

والفلسفة في أوسع معانيها هي النظر أو التفكير ، وهي البحث عن العلل البعيدة ، والأسباب الصحيحة

والمبادئ العامة . وهي تبحث كذلك في الأهداف الإنسانية التي يقصد إلي الوصول إليها الناس والجماعات والأفراد

كيف نعيش ، ولماذا نعيش ، وما مصدر الحياة ، وما غاية الحياة ، وما علة الوجود ؟ . . تلك امثلة من المشكلات التي تعترض كل إنسان ، والتي يفكر فيها ، والقليل من يهتدي إلي سواء السبيل . ولا سبيل لنا إلى حل هذه المشكلات إلا بالاستعانة بآراء من سبقونا في التفكير العميق في هذه المسائل ، لتكون علي علم بتطور الفكر البشري . والمعرفة وليدة أفكار السابقين .

ومن أعلام الفلاسفة الذين كان لهم أثر عظيم الشأن في الفلسفة الحديثة ، وفي توجيه الفكر الإنساني ، ديكارت ، وبلغ من سطوة فكره ان تبعه تلاميذ اخذوا عنه ، وساروا علي نهجه ، وعرفوا في التاريخ بالديكارتين نسبة إلي زعيمهم ديكارت ، ونذكر من هؤلاء التلاميذ اسبينوزا في هولندا ، ومالبرانش في فرنسا ، وليبتنر في ألمانيا ، فأنت تري إذا أن فلسفة ديكارت ذاعت لا في فرنسا وحدها بل في كثير من الشعوب ، ولا غرو فالعلم لا وطن له .

وكتاب الأستاذ عثمان امين عن ديكارت يسد بطبيعة الحال نقصا شعر به قراء اللغة العربية ، الذين كثيرا ما سمعوا عنه دون ان يعرفوا من هو ذلك الفيلسوف الذي يلقبونه بأبي الفلسفة الحديثة

لهذا تجد في هذا الكتاب نحو خمسين صفحة عن حياته . إنها صفحات طلبة ، لعل المؤلف قصد من الإطالة فيها أن يمزج الأدب بالفلسفة ، وأن يبعد عن القارئ السأم والملل ، قبل ان يدخل به إلي ميدان الفلسفة وشعابها المتعرجة . وليس غريبا ان تجد مثل هذه الإطالة في تاريخ حياة ديكارت ، لأن آراء الفيلسوف صورة لنفسه ، وظل لشخصيته ، كما أن المؤرخين قد اختلفوا في تدوين هذا

التاريخ اختلافا لابد من مناقشته لاستخلاص وجه الحق . وبهذه المناسبة كنا نرغب من المؤلف أن يستخلص رأيه الخاص بعد ان استعرض شتي ما كتبه الشراح عن ديكارت ، ليخرج القارئ بفكرة تركيبية بعد ذلك التحليل الطويل ، الذي يجري علي أسلوب الفرنسيين في الكتابة . ولا تنس أن الأستاذ عثمان أمين قد تعلم في فرنسا ، فهو متأثر بطريقتهم في التأليف . وكما انك لا تخرج برأي صريح عن شخصية ديكارت ، فانك كذلك لا تخرج بفكرة محدودة عن تأويلات فلسفته . اهي فلسفة طبيعية ، أم رياضية ، أم ميتافيزيقية ، أم دينية ! هذه كلها آراء بسطها المؤلف وناقشها ، ثم تركنا في بيداء التفكير ، ولو أنه يميل إلي تأويل فلسفته كما ذكر في الخاتمة التأويل الديني .

وعندي أن ديكارت إلي جانب هذا كله من أصحاب المناهج ، وان اثره الذي خلد شأنه ، والذي من أجله تبعه تلاميذ ، وقامت مدرسة ، هو المنهج الديكارتي الذي يمتاز امتيازا بينا عن المنهج التجربي الذي نادي به بيكون في انجلترا وساد فيها بعد ذلك والثورة التي قامت في الفكر الإنساني كله في العصر الحديث ، منذ القرن السابع عشر حتى الآن ، قامت على الهدم والبناء أما الهدم فعبارة عن طعنات قائلة وجهها الفلاسفة إلى الفلسفة القديمة التي بلغت في النفوس منزلة القداسة . وأما البناء فإنه يقوم على الطريقة أو المنهج ، لأنك لا تستطيع أن تبني جزافا ، بل علي أساس طريقة معينة توصلك إلي المقصود ، وإلا تضل الطريق .

والهدم والبناء في الفكر يتناول ما في عقولنا من آراء بعضها فاسد وبعضها صحيح وقد تقول : وما شأن المعاني الذهنية ، وانا اريد حقائق العالم ومظاهر الكون ؟ وتجيب عن ذلك بأن وجود العالم لا يكون إلا في ذهنك ، وكل منا يتصور العالم علي نحو معين . فأساس المعرفة كلها هو هذه المعاني الذهنية

وقد ضرب ديكارت مثالا مشهورا في الفلسفة عن الطريقة التي ينبغي أن تميز بها الصحيح من الزائف في الآراء  ذلك هو مثال السلة المملوءة بالتفاح ، فيها الفاسد وفيها الصحيح ؛ فالطريقة لعزل الفاسد واستبقاء الصحيح هي ان تفرغ السلة مما فيها جميعا ، ثم تختبر بعد ذلك التفاح واحدة واحدة ولا تقبل إلا ما كان سليما . كذلك عقولنا مملوءة بالآراء الصحيحة والفاسدة ، والطريقة لاستبعاد الزائف منها ، هو تفريغ العقل كله من الآراء ، ثم امتحانها بدقة رأيا رأيا

وبعد ، ما هي الطريقة التي ينبغي ان نتبعها في مصر ، ونحن في مفترق الطرق ، نريد إصلاحا ، ونشد نهضة ، ونفكر في أحوالنا . أهي الطريقة العقلية الرياضية الديكارتية ، أم الطريقة التجريبية ؟

إننا في حاجة قبل ذلك إلي دراسة واسعة للمناهج والعلوم

اشترك في نشرتنا البريدية