الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 124الرجوع إلى "الثقافة"

ديكارت والتجديد الفلسفى

Share

لو صح أن يرسم الباحثون لتاريخ الفلسفة الحديثة بداية معينة فالأرجح أن تكون تلك البداية هى فلسفة ديكارت ، التى جاءت حقا فاتحة لعصر جديد له طابعه الخاص .

قد يقال إننا رأينا من الفلاسفة والمفكرين فى عصر " النهضة " الأوربية من قام مطالبا بحقوق الفكر ، نازعا إلى البحث الحر ، مناوئا تقاليد القرون الوسطى ، ناعيا على أهلها ضيق أفقهم العقلى ، وخضوعهم لنيل السلطات المختلفة : ففى فرنسا مثلا قام " راموس " سنة ١٥٤٣ ، ونشر كتابا أنحى فيه باللوم على منطق أرسطو وسلطة " المدرسيين " . ثم إننا قبل عصر ديكارت بزمن قليل رأينا " فرنسيس بيكون " ( ١ ) ينهض ناقدا ما فى العلم القديم الاستباطى من عقم وجدب ، مشيدا بفكرة العلم التجريبى وما فيها من خصوبة ، وما يرجى لها من ثمرة .  ولا شك أن تلك القوى المتفرقة التى حشدت فى جهات عديدة قد استطاعت ان تهز قواعد الفلسفة التقليدية قبل مجئ ديكارت .

لكنا نستطيع أن نقول إن الذى عرفه عصر " النهضة " من الأنظار الفلسفية إنما يرجع فى صميمه إلى المذاهب القديمة عند اليونان والرومان ، وما كان فى مذاهب " الرنيسانس " مبشرا بعالم جديد إنما لبث خاضعا لضرب من الخيال الفنى أو الدينى ، دون أن يظفر بالقيام على

مبادئ فلسفية صحيحة راسخة . ثم إن " بيكون " وإن كان قد بذل حقا جهودا قيمة لبيان انواع العلوم الجزئية التى يتعين على المشتغلين بالنهج أن يدرسوها ، وأدرك أن العلم يتوقف على الذهن وقوانينه ، فإنه مع ذلك لم يتحرر كل التحرر من تصورات أهل القرون الوسطى وأوهامهم وظنونهم العقلية . ألسنا نراه أحيانا يسلم لمن قبله بوجود " الكائنات المجردة " وبوجود " الصور " المختلفة (كالساخن والبارد والكثيف والخفيف ) التى يمكن نقلها من جسم إلى جسم ؟ ثم إن "بيكون " لم يعالج المسائل التى تتصل بأسس العلم ، ولا بالشروط الواجب توفرها فيه ، ولا علاقة العلم بالحقيقة ، ولا علاقته بالذهن البشرى ، وما إلى ذلك من المسائل التى عنى بها الفكر الحديث ( ١ ) .

أما ديكارت فقد قصد إلى التجديد فى الفلسفة : التمس الحق الذى لا ريب فيه ، فلم يقنع مما فى الكتب ولا بما عند العلماء ، وأراد أن يرفض حكم السلطات أيا كانت ، وحاول أن يتفلسف بنفسه كأنما لم يسبقه فى ذلك السبيل أحد . وديكارت يشعر بما لمحاولته تلك من خطر ، وهو يعتز أشد الاعتزاز مما أدخل من إصلاح فى الآراء (2) ويلفت نظر قرائه إلى مبلغ الفرق بين مبادئه ومبادئ غيره من السابقين . فتراه مثلا حين يذكره " أرنو " بأن القضية المشهورة ، قضية الكوجيتو " أنا افكر فأنا

إذا موجود " قضية قد سبقه إلى ذكرها القديس " اغسطينوس " , يجيب جواب من يشعر بما تنتطوى عليه قضية " الكوجيتو " من طرافة وجدة فيقول : لئن كانت جميع الحقائق التى أضعها قد عرفها الناس فى سائر الأزمان , لكن لم يوجد بعد - فيما أعلم - من صرح بها كمبادئ للفلسفة ، أعنى كأصول تستنبط منها سائر الأشياء الأخرى التى فى العالم " (١) .

حتى أن ديكارت لا يخلو من أن يكون قد وجد من تعاليم الماضى قضايا حفظها اثناء تعلمه ، ونظريات وعاها خلال مطالعته ، والواقع أن الفيلسوف الفرنسى قد نشأ فى وسط فكرى يمت إليه بأسباب وثيقة وإن تكن أحيانا غير مشهودة . ولا بد أن يكون ذلك الوسط قد اثر على الفيلسوف حتى حين أراد الانفكاك من قيوده . ومن المحقق أيضا أن جزا كبيرا من الفلسفة الديكارتية مشتق من مذاهب القرون الوسطى ، سواء أكان ذلك بالنقل المباشر أم بطريق " رد الفعل " المقصود (2) .

وحق كذلك أن الناس فى عصر ديكارت كانوا يحسون بحاجة ماسة إلى المطالبة بما للعقل  من حقوق طبيعية فى البحث عن الحقيقة والإرشاد إليها ؛ يشهد بذلك فقرة من " رسالة فى الفراغ " كتبها " بسكال " بعد " المقال عن المنهج " بنحو عشر سنوات ، جاء فى مطلعها : " إن الاحترام الذى يدين به الناس للقدماء قد بلغ اليوم ، فى الامور التى ينبغى أن يكون له فيها سطوة أقل ، مبلغا جعل الناس ينظرون إلى آراء القدماء وكأنها وحى منزل ، ويجعلون من غوامضها أسرارا ، حتى ليتعذر

على المرء أن يتقدم بشئ جديد دون أن يستهدف للخطر ، وحتى إن نصا من اقوال مؤلف يكفى فى هدم أقوى الحجج والأسباب " .

ولا بد لنا أن نعترف أن ديكارت لم يكن أول من احتج على سلطة القدماء وسلطة أهل القرون الوسطى ، وأن عبارته إنما امتازت بإيضاحها معنى ذلك الصراع الذى خاص غماره من قبل رجال النهضة ( الرنيسانس ) . وديكارت وإن كان ممن ساعدوا على توسيع نطاق العلم الجديد وتنظيم مباحثه ، لم ينشئ ذلك العلم الذى رأينا له أنصارا وأعوانا حتى بين رجال القرون الوسطى . ثم جاء علماء أمثال " ليونارد دى فنشى  و " كيلر"  و" غليليو " فأخذ العلم الحديث يتبين مبادئه ويتنبه إلى نزعاته ، حين فسر الطبيعة المادية تفسيرا تغلب عليه الصيغة الميكانيكية الرياضية .

لكن هذه الاعتبارات جميعا ، مهما بلغ من وجاهتها ، ليست تقدح فى حقيقة الابتكار الديكارتى فى الفلسفة . وينبغى ألا ننسى أن أكثر المكتشفات الفكرية - كغيرها من المكتشفات - ليست كلية ولا مطلقة ، وإنما هى دائما جزئية ونسبية . وهى فى الأغلب الأعم عبارة عن إتمام عمل كانت الأذهان مستعدة لقبوله ، بعد اختمار فكرته فيها بزمن طويل أو قصير .

على أن ديكارت نفسه لم يخطر له قط أن يعرض العلم كشئ خلق من العدم ؛ بل لقد مارسه القدماء وبعض المحدثين . وديكارت لا يستغرب حين يدله قراؤه على وجود موافقات بين فكره وفكر من سبقوه . وديكارت منذ تصدى للبحث لم يرض أن يطلع على الناس داعيا إلى ثورة . والشك الذى يفترضه المنهج الديكارتى لا يجعل من الذهن " صفحة بيضاء"  كما يقولون . بل

الشك عنده إنما يحترم الفطرة والطبيعة . وهو على كل حال مفيد فى عملية الانتخاب والغربلة بين الأفكار المخلوطة والمعانى المشتتة التى أرهقت بها القرون الذهن البشرى . وديكارت يكتب إلى الأب " ميلان " بهذا الصدد : " إذا كان لديك سلة من التفاح بعضه جيد وبعضه فاسد مفسد للباقى ؛ فماذا أنت فاعل إلا أن تفرغ السلة عن آخرها ، وتتناول التفاح واحدة واحدة ، لكى تعيد الجيدة منها إلى السلة وتلقى بالفاسدة فى مكان القاذورات ؟ "

والحق أن هذا بالضبط ما صنعه ديكارت . والفلسفة الديكارتية قد مارست بهذا الصدد شيئا شبهيا بفن الجراحة ؛ فهى مع حرصها على بعض القديم الصالح ، جعلت أقصى أملها أن تجتث العناصر الفاسدة ، وأن تقتلع البذور ذات العطب ؛ وبالجملة أن تهدم كل ما لا يستحق البقاء من العلم التقليدى الموروث (١) .

وربما استطعنا أن نقف على مدى عبقرية ديكارت إذا عرفنا أن فيلسوفنا كان عالما من أقطاب العلم ، ومن أنداد " غاليليو " و نيوتن " و " بسكال " . ولقد نبع فى العلوم الرياضية ، فاشتغل بالهندسة والجبر قبل أن يشتغل بالميتافيزيقا . واشتغل كذلك بالعلوم الطبيعية ، فكانت طبيعياته آلية ( ميكانيكية ) صرفة ، تتناول ظواهر الطبيعة المادية ، وتفسر كل شئ فيها بالمقدار والشكل والحركة . ولئن كانت مباحث ديكارت فى العلوم تبدو أول وهلة مكملة لمباحث من سبقوه من العلماء الرياضيين والطبيعيين ، فان جدة موقفه وطرافة مذهبه ترجع إلى النظرة الفلسفية العميقة التى نظر بها إلى العلم .

اشتغل الفلاسفة فى العصر القديم وفى القرون الوسطى

بمسألة المعانى والكليات . فكانوا يتصورون العلم كنظام من أنظمة التقسيم ، وكوسيلة من وسائل الوقوف فى جريان الظواهر الحسية ، يرمون منه إلى إيجاد موضوع ثابت للفكر والسمو به إلى اللامتغير ، إلى الله . فلما تقدم العلم فى القرن السادس عشر ، وامتد سلطانه تغير وضع المسألة ؛ فأصبح هم الفيلسوف أن يتبين فى الظواهر المعقدة العناصر البسيطة ، وأن يلتمس قوانين التئامها وائتلافها ليتسنى للناس استحداثها ؛ ومن أجل ذلك وضع " بيكون " نظرية الاستقراء ، ودأب مشتغلا بفكرة العلوم الطبيعية .

وساقت الجرأة ديكارت فطمع فى إتمام العلم ، محاولا أن يعطيه ، منذ البداية ، صورة الاستنباط الذى يطمح إليه . فهو يحاول أن يرد الكون كما يبدو لنا إلى شئ مؤلف من عناصر معقولة أو يمكن تعقلها ؛ وهو يرى فى الرياضيات نموذجا للعلم الصحيح ؛ إذ الرياضيات موسوعة كبيرة يتبنى ربط أجزائها بعضها ببعض وبمبدأ واحد . وديكارت يريد للفلسفة إصلاحا ينسج على منوال " تلك السلاسل الطويلة من الحجج التى هى غاية فى البساطة والسهولة ، والتى جرى أصحاب الهندسة على استخدامها للوصول إلى أصعب ما لديهم من براهين . . " (١)

واكتسب ديكارت بممارسة العلوم البحتة دقة فى الذهن ، وثقة مطلقة بالعقل ، وحاجة ملحة إلى الإبانة والوضوح . وما سمى بعد " بالثورة الديكارتية " إنما يتلخص فى تلك القاعدة الأولى ، قاعدة " البداهة " التى وردت فى " المقال عن المنهج " , والتى هى يقينا أهم المبادئ التى يقوم عليها إصلاحه الفلسفى . ويعارض ديكارت روح

" الرنيسانس " المتطلعة قبل كل شئ إلى التفاصيل العجيبة والحقائق الخفية ، والتى كثيرا ما ترزح تحت عبء التنقيب والتحصيل ( أوريدسيون) ويستهويها الابهام والغموض ويجذبها المعقد اللامعقول : " ومن العيوب الشائعة عند الناس أنهم يرون أصعب الأشياء فى الظاهر أجملها ! و كثيرون يحكمون بأنهم لا يعلمون شيئا حين يدركون بجلاء وبساطة علة واقعة من الواقعات . . . إنهم يقينا حمقى يؤثرون الظلام على النور " (١) .

ولعل أظهر مواضع الطرافة فى الفلسفة الديكارتية هو سعيها إلى اكتشاف منهج جديد يولد من الشك اليقين . ثم رفضها كل سلطة تحاول أن تفرض على الفكر فرضا ، واطراحها منطق أرسطو والقرون الوسطى ، ذلك المنطق الذى قد يصلح لبيان حقيقة معلومة من قبل ، ولكنه يعجز عن إرشادنا إلى اكتشاف حقائق جديدة أخرى . والفلسفة الديكارتية تريدنا على أن نفكر وأن نستدل بما فينا من منطق سليم وعقل صريح ؛ وهذا العقل هو " أعدل الأشياء قسمة بين البشر " (٢) ولكننا نستعمله أقل استعمال ، إذ يعوزنا المنهج المؤدى إلى الحق الصراح .

والخلاصة أن ديكارت مجدد مبتكر لعدة أمور : لأن فلسفته وما تفرع عنها تقوم بأسرها على أصول معينة ، وتسير فى بسط المسائل الفلسفية على نمط خاص به دون سواء . ثم هو مجدد لأتخاذه الشك منهجا : فلم يرد أن يسلم بشئ ما لم تتبين له صحته بداهة ومن غير التباس . ولأنه لم يذعن قط لقضايا الماضى وأوهامه ، ولم يقف منها موقفا سلبيا ، بل أخضع لعقله كل ما وصل إليه ، وأسبغ على قضايا الماضى معنى جديدا . وهو مجدد لأنه أراد أن يرفع الفلسفة - بواسطة المنهج - إلى مرتبة العلم ذى القواعد المضبوطة والحدود المرسومة . والتجديد الديكارتى ،

آخر الأمر ، إنما يمثل العقل البشرى منتبها إلى ذاته ، مناهضا سطوة التقاليد وسلطان القدماء والسابقين ، ومشيدا على أنقاض الفلسفة الموروثة فلسفة جديدة ، دون استعانة بشئ إلا بمحض قوته الحرة وأنواره الفطرية . فديكارت هو حقا مؤسس الفلسفة الحديثة ، كما قال

الفيلسوف الألمانى هجل (١) ، وديكارت هو واضع رسوم المذهب العقلى الحديث ، وهو باعث حركة الفكر الأوربية التى سار فى نطاقها تابعوه من أعلام الفلاسفة ، أمثال " مالبرانش " و ليبنتس و " سبينوزا " , حتى " كانت " و " فشته " و " هجل " و " شلنج " .

اشترك في نشرتنا البريدية