لو صح أن يرسم الباحثون لتاريخ الفلسفة الحديثة بداية معينة فالأرجح أن تكون تلك البداية هى فلسفة ديكارت ، التى جاءت حقا فاتحة لعصر جديد له طابعه الخاص .
قد يقال إننا رأينا من الفلاسفة والمفكرين فى عصر " النهضة " الأوربية من قام مطالبا بحقوق الفكر ، نازعا إلى البحث الحر ، مناوئا تقاليد القرون الوسطى ، ناعيا على أهلها ضيق أفقهم العقلى ، وخضوعهم لنيل السلطات المختلفة : ففى فرنسا مثلا قام " راموس " سنة ١٥٤٣ ، ونشر كتابا أنحى فيه باللوم على منطق أرسطو وسلطة " المدرسيين " . ثم إننا قبل عصر ديكارت بزمن قليل رأينا " فرنسيس بيكون " ( ١ ) ينهض ناقدا ما فى العلم القديم الاستباطى من عقم وجدب ، مشيدا بفكرة العلم التجريبى وما فيها من خصوبة ، وما يرجى لها من ثمرة . ولا شك أن تلك القوى المتفرقة التى حشدت فى جهات عديدة قد استطاعت ان تهز قواعد الفلسفة التقليدية قبل مجئ ديكارت .
لكنا نستطيع أن نقول إن الذى عرفه عصر " النهضة " من الأنظار الفلسفية إنما يرجع فى صميمه إلى المذاهب القديمة عند اليونان والرومان ، وما كان فى مذاهب " الرنيسانس " مبشرا بعالم جديد إنما لبث خاضعا لضرب من الخيال الفنى أو الدينى ، دون أن يظفر بالقيام على
مبادئ فلسفية صحيحة راسخة . ثم إن " بيكون " وإن كان قد بذل حقا جهودا قيمة لبيان انواع العلوم الجزئية التى يتعين على المشتغلين بالنهج أن يدرسوها ، وأدرك أن العلم يتوقف على الذهن وقوانينه ، فإنه مع ذلك لم يتحرر كل التحرر من تصورات أهل القرون الوسطى وأوهامهم وظنونهم العقلية . ألسنا نراه أحيانا يسلم لمن قبله بوجود " الكائنات المجردة " وبوجود " الصور " المختلفة (كالساخن والبارد والكثيف والخفيف ) التى يمكن نقلها من جسم إلى جسم ؟ ثم إن "بيكون " لم يعالج المسائل التى تتصل بأسس العلم ، ولا بالشروط الواجب توفرها فيه ، ولا علاقة العلم بالحقيقة ، ولا علاقته بالذهن البشرى ، وما إلى ذلك من المسائل التى عنى بها الفكر الحديث ( ١ ) .
أما ديكارت فقد قصد إلى التجديد فى الفلسفة : التمس الحق الذى لا ريب فيه ، فلم يقنع مما فى الكتب ولا بما عند العلماء ، وأراد أن يرفض حكم السلطات أيا كانت ، وحاول أن يتفلسف بنفسه كأنما لم يسبقه فى ذلك السبيل أحد . وديكارت يشعر بما لمحاولته تلك من خطر ، وهو يعتز أشد الاعتزاز مما أدخل من إصلاح فى الآراء (2) ويلفت نظر قرائه إلى مبلغ الفرق بين مبادئه ومبادئ غيره من السابقين . فتراه مثلا حين يذكره " أرنو " بأن القضية المشهورة ، قضية الكوجيتو " أنا افكر فأنا
إذا موجود " قضية قد سبقه إلى ذكرها القديس " اغسطينوس " , يجيب جواب من يشعر بما تنتطوى عليه قضية " الكوجيتو " من طرافة وجدة فيقول : لئن كانت جميع الحقائق التى أضعها قد عرفها الناس فى سائر الأزمان , لكن لم يوجد بعد - فيما أعلم - من صرح بها كمبادئ للفلسفة ، أعنى كأصول تستنبط منها سائر الأشياء الأخرى التى فى العالم " (١) .
حتى أن ديكارت لا يخلو من أن يكون قد وجد من تعاليم الماضى قضايا حفظها اثناء تعلمه ، ونظريات وعاها خلال مطالعته ، والواقع أن الفيلسوف الفرنسى قد نشأ فى وسط فكرى يمت إليه بأسباب وثيقة وإن تكن أحيانا غير مشهودة . ولا بد أن يكون ذلك الوسط قد اثر على الفيلسوف حتى حين أراد الانفكاك من قيوده . ومن المحقق أيضا أن جزا كبيرا من الفلسفة الديكارتية مشتق من مذاهب القرون الوسطى ، سواء أكان ذلك بالنقل المباشر أم بطريق " رد الفعل " المقصود (2) .
وحق كذلك أن الناس فى عصر ديكارت كانوا يحسون بحاجة ماسة إلى المطالبة بما للعقل من حقوق طبيعية فى البحث عن الحقيقة والإرشاد إليها ؛ يشهد بذلك فقرة من " رسالة فى الفراغ " كتبها " بسكال " بعد " المقال عن المنهج " بنحو عشر سنوات ، جاء فى مطلعها : " إن الاحترام الذى يدين به الناس للقدماء قد بلغ اليوم ، فى الامور التى ينبغى أن يكون له فيها سطوة أقل ، مبلغا جعل الناس ينظرون إلى آراء القدماء وكأنها وحى منزل ، ويجعلون من غوامضها أسرارا ، حتى ليتعذر
على المرء أن يتقدم بشئ جديد دون أن يستهدف للخطر ، وحتى إن نصا من اقوال مؤلف يكفى فى هدم أقوى الحجج والأسباب " .
ولا بد لنا أن نعترف أن ديكارت لم يكن أول من احتج على سلطة القدماء وسلطة أهل القرون الوسطى ، وأن عبارته إنما امتازت بإيضاحها معنى ذلك الصراع الذى خاص غماره من قبل رجال النهضة ( الرنيسانس ) . وديكارت وإن كان ممن ساعدوا على توسيع نطاق العلم الجديد وتنظيم مباحثه ، لم ينشئ ذلك العلم الذى رأينا له أنصارا وأعوانا حتى بين رجال القرون الوسطى . ثم جاء علماء أمثال " ليونارد دى فنشى و " كيلر" و" غليليو " فأخذ العلم الحديث يتبين مبادئه ويتنبه إلى نزعاته ، حين فسر الطبيعة المادية تفسيرا تغلب عليه الصيغة الميكانيكية الرياضية .
لكن هذه الاعتبارات جميعا ، مهما بلغ من وجاهتها ، ليست تقدح فى حقيقة الابتكار الديكارتى فى الفلسفة . وينبغى ألا ننسى أن أكثر المكتشفات الفكرية - كغيرها من المكتشفات - ليست كلية ولا مطلقة ، وإنما هى دائما جزئية ونسبية . وهى فى الأغلب الأعم عبارة عن إتمام عمل كانت الأذهان مستعدة لقبوله ، بعد اختمار فكرته فيها بزمن طويل أو قصير .
على أن ديكارت نفسه لم يخطر له قط أن يعرض العلم كشئ خلق من العدم ؛ بل لقد مارسه القدماء وبعض المحدثين . وديكارت لا يستغرب حين يدله قراؤه على وجود موافقات بين فكره وفكر من سبقوه . وديكارت منذ تصدى للبحث لم يرض أن يطلع على الناس داعيا إلى ثورة . والشك الذى يفترضه المنهج الديكارتى لا يجعل من الذهن " صفحة بيضاء" كما يقولون . بل
الشك عنده إنما يحترم الفطرة والطبيعة . وهو على كل حال مفيد فى عملية الانتخاب والغربلة بين الأفكار المخلوطة والمعانى المشتتة التى أرهقت بها القرون الذهن البشرى . وديكارت يكتب إلى الأب " ميلان " بهذا الصدد : " إذا كان لديك سلة من التفاح بعضه جيد وبعضه فاسد مفسد للباقى ؛ فماذا أنت فاعل إلا أن تفرغ السلة عن آخرها ، وتتناول التفاح واحدة واحدة ، لكى تعيد الجيدة منها إلى السلة وتلقى بالفاسدة فى مكان القاذورات ؟ "
والحق أن هذا بالضبط ما صنعه ديكارت . والفلسفة الديكارتية قد مارست بهذا الصدد شيئا شبهيا بفن الجراحة ؛ فهى مع حرصها على بعض القديم الصالح ، جعلت أقصى أملها أن تجتث العناصر الفاسدة ، وأن تقتلع البذور ذات العطب ؛ وبالجملة أن تهدم كل ما لا يستحق البقاء من العلم التقليدى الموروث (١) .
وربما استطعنا أن نقف على مدى عبقرية ديكارت إذا عرفنا أن فيلسوفنا كان عالما من أقطاب العلم ، ومن أنداد " غاليليو " و نيوتن " و " بسكال " . ولقد نبع فى العلوم الرياضية ، فاشتغل بالهندسة والجبر قبل أن يشتغل بالميتافيزيقا . واشتغل كذلك بالعلوم الطبيعية ، فكانت طبيعياته آلية ( ميكانيكية ) صرفة ، تتناول ظواهر الطبيعة المادية ، وتفسر كل شئ فيها بالمقدار والشكل والحركة . ولئن كانت مباحث ديكارت فى العلوم تبدو أول وهلة مكملة لمباحث من سبقوه من العلماء الرياضيين والطبيعيين ، فان جدة موقفه وطرافة مذهبه ترجع إلى النظرة الفلسفية العميقة التى نظر بها إلى العلم .
اشتغل الفلاسفة فى العصر القديم وفى القرون الوسطى
بمسألة المعانى والكليات . فكانوا يتصورون العلم كنظام من أنظمة التقسيم ، وكوسيلة من وسائل الوقوف فى جريان الظواهر الحسية ، يرمون منه إلى إيجاد موضوع ثابت للفكر والسمو به إلى اللامتغير ، إلى الله . فلما تقدم العلم فى القرن السادس عشر ، وامتد سلطانه تغير وضع المسألة ؛ فأصبح هم الفيلسوف أن يتبين فى الظواهر المعقدة العناصر البسيطة ، وأن يلتمس قوانين التئامها وائتلافها ليتسنى للناس استحداثها ؛ ومن أجل ذلك وضع " بيكون " نظرية الاستقراء ، ودأب مشتغلا بفكرة العلوم الطبيعية .
وساقت الجرأة ديكارت فطمع فى إتمام العلم ، محاولا أن يعطيه ، منذ البداية ، صورة الاستنباط الذى يطمح إليه . فهو يحاول أن يرد الكون كما يبدو لنا إلى شئ مؤلف من عناصر معقولة أو يمكن تعقلها ؛ وهو يرى فى الرياضيات نموذجا للعلم الصحيح ؛ إذ الرياضيات موسوعة كبيرة يتبنى ربط أجزائها بعضها ببعض وبمبدأ واحد . وديكارت يريد للفلسفة إصلاحا ينسج على منوال " تلك السلاسل الطويلة من الحجج التى هى غاية فى البساطة والسهولة ، والتى جرى أصحاب الهندسة على استخدامها للوصول إلى أصعب ما لديهم من براهين . . " (١)
واكتسب ديكارت بممارسة العلوم البحتة دقة فى الذهن ، وثقة مطلقة بالعقل ، وحاجة ملحة إلى الإبانة والوضوح . وما سمى بعد " بالثورة الديكارتية " إنما يتلخص فى تلك القاعدة الأولى ، قاعدة " البداهة " التى وردت فى " المقال عن المنهج " , والتى هى يقينا أهم المبادئ التى يقوم عليها إصلاحه الفلسفى . ويعارض ديكارت روح
" الرنيسانس " المتطلعة قبل كل شئ إلى التفاصيل العجيبة والحقائق الخفية ، والتى كثيرا ما ترزح تحت عبء التنقيب والتحصيل ( أوريدسيون) ويستهويها الابهام والغموض ويجذبها المعقد اللامعقول : " ومن العيوب الشائعة عند الناس أنهم يرون أصعب الأشياء فى الظاهر أجملها ! و كثيرون يحكمون بأنهم لا يعلمون شيئا حين يدركون بجلاء وبساطة علة واقعة من الواقعات . . . إنهم يقينا حمقى يؤثرون الظلام على النور " (١) .
ولعل أظهر مواضع الطرافة فى الفلسفة الديكارتية هو سعيها إلى اكتشاف منهج جديد يولد من الشك اليقين . ثم رفضها كل سلطة تحاول أن تفرض على الفكر فرضا ، واطراحها منطق أرسطو والقرون الوسطى ، ذلك المنطق الذى قد يصلح لبيان حقيقة معلومة من قبل ، ولكنه يعجز عن إرشادنا إلى اكتشاف حقائق جديدة أخرى . والفلسفة الديكارتية تريدنا على أن نفكر وأن نستدل بما فينا من منطق سليم وعقل صريح ؛ وهذا العقل هو " أعدل الأشياء قسمة بين البشر " (٢) ولكننا نستعمله أقل استعمال ، إذ يعوزنا المنهج المؤدى إلى الحق الصراح .
والخلاصة أن ديكارت مجدد مبتكر لعدة أمور : لأن فلسفته وما تفرع عنها تقوم بأسرها على أصول معينة ، وتسير فى بسط المسائل الفلسفية على نمط خاص به دون سواء . ثم هو مجدد لأتخاذه الشك منهجا : فلم يرد أن يسلم بشئ ما لم تتبين له صحته بداهة ومن غير التباس . ولأنه لم يذعن قط لقضايا الماضى وأوهامه ، ولم يقف منها موقفا سلبيا ، بل أخضع لعقله كل ما وصل إليه ، وأسبغ على قضايا الماضى معنى جديدا . وهو مجدد لأنه أراد أن يرفع الفلسفة - بواسطة المنهج - إلى مرتبة العلم ذى القواعد المضبوطة والحدود المرسومة . والتجديد الديكارتى ،
آخر الأمر ، إنما يمثل العقل البشرى منتبها إلى ذاته ، مناهضا سطوة التقاليد وسلطان القدماء والسابقين ، ومشيدا على أنقاض الفلسفة الموروثة فلسفة جديدة ، دون استعانة بشئ إلا بمحض قوته الحرة وأنواره الفطرية . فديكارت هو حقا مؤسس الفلسفة الحديثة ، كما قال
الفيلسوف الألمانى هجل (١) ، وديكارت هو واضع رسوم المذهب العقلى الحديث ، وهو باعث حركة الفكر الأوربية التى سار فى نطاقها تابعوه من أعلام الفلاسفة ، أمثال " مالبرانش " و ليبنتس و " سبينوزا " , حتى " كانت " و " فشته " و " هجل " و " شلنج " .

