العصر الحمداني من أزهى عصور الأدب العربي عاش في ظله جمهرة من الشعراء خلد شعرهم على الزمان، وحفظت لهم العربية تراثهم في بطون الكتب يتداولها جيل بعد جيل مخطوطة بعد مخطوطة حتى كانت الطباعة فلم يلقوا منها ما لقي أقرانهم، ولم يظهروا على نورها كما ظهر أندادهم؛ فظلموا ظلماً لا يقره الأدب الرفيع وفيهم: النامي والناشئ والصنوبري وكشاجم وأبو فراس والسري الرفاء، وكلهم فحول أقوياء لو تفرقوا على العصور العربية لكان لكل منهم واحدها.
ولكن هذا الظلم قد انتهى - والحمد لله - فيما نعتقد، وانقضى اجله فيما نرى، بعد أن تصدى لهذا العصر الحمداني من عاصمة بني حمدان في القرن العشرين الأديب الباحث المحقق الدكتور سامي الدهان، يسعى في جمع تراث العصر الحمداني كله ليظهره على الناس كاملاً يزهو في القرن الرابع عشر الهجري كما كان في القرن الرابع. فهو يعمل في اختصاص دقيق كما يعمل علماء الغرب لشعرائهم سواء بسواء.
وهو إذ يخرج لنا اليوم (ديوان أبي فراس الحمداني) نرى في طيات عمله تهيئة كاملة، وإعداداً شاملاً لشعراء العصر كله، نرجو أن نرى أثره قريباً فيما ينشر من نصوصه ويظهر من متونه. ونلمس هذه المعرفة الشاملة للعصر الحمداني مما أثبت لنا حضرة الناشر في حواشي (الديوان) وتعليقاته، من وقوف على مخطوطات العصر، وشغف بمراحله، واضطلاع بكل ما فيه من شعر ونثر، وتأريخ وسير.
ونرجو أن يزهو الشعراء الحمدانيون جميعاً بعد قليل بدواوينهم كاملة كما يزهو اليوم (أبو فراس) بديوانه الجديد
الذي حققه ونشره الدكتور الدهان بعد جهد نافع طويل وجد مثمر كبير، فقد مضى الشاعر وخلف بعده ما شدا به في جولاته، وما كان منه مع تلك الحياة لقريبة ما بين طرفيها، من شعر جمعه ديوانه على تقصير في الاستيعاب، وتخلف في تحرير الكلمات، وجنف عن إقامة الأوزان، وبعد عن التيسير بالضبط والشرح.
وغبر الديوان يخرج من طبعة إلى طبعة حاملا مع الأوزار الأولى أوزاراً أخرى، والناس قانعون من شعر الشاعر بما صح لهم في مبناه ومعناه، أو بما لان لتوجيههم فاستقام، متخففين مما استعصى على الفهم، وند عن الإقامة، فعاش من الديوان قلة. هذا غير شعر غاب عن النشر كثير خفي بإخفائه جانب من حياة صاحبه، وأخفى الاستغلاق جانباً آخر. وما لدراسة يتنازعها هذان نجاء من الزلل أو قرب من السداد.
ذكرت ذلك كله وأنا أنظر في ديوان أبي فراس الجديد الذي أخرجه حضرة الباحث المحقق، فقد وجدتني بين أجزاء ثلاثة كبار تربى صفحاتها على الثمانمائة، في ثوب جد أنيق. وكنت أجدني بالمس القريب بين صفحات تبلغ المائة أو تزيد عنها، في رثاثة وبذاذة. وجدتني أطالع جهداً جديداً على النشر في الشرق طالما رقبناه ورجوناه، فهذا استقصاء في المقابلة بنسخ من الديوان جاوزت الأربعين خف إليها الدكتور يحصيها ويجمعها، وكانت هنا وهناك في مكتبات الشرق والغرب، أفادت الكثير بما زادت وحررت. وهذا شرح لابن خالويه على الديوان بين تمهيد لقصائده وتفصيل لحوادثه وإبانة عن غوامضه لا عهد للناس به من قبل.
وغير هذا وهذا مما جاء من إشارات إلى أماكن شعر أبي فراس من كتب الأدب والتأريخ، وفيها نفع واستئناس. ثم ما كان من إشارات إلى أماكن الحديث عن أبي فراس في هذه المراجع. صنع الدكتور الدهان بديوان (أبي فراس) هذا وغيره فوفاه ضبطاً وشرحاً وزوده بفهارس عشرة، بعضها للشعر المروي في كتب الأدب والتاريخ، وبعضها لما تفردت به هذه الطبعة ولم يحمله ديوان لأبي فراس قبل، وبعضها للمعاني والأبواب، ثم القوافي والأعلام والقبائل والأماكن والكتب والموضوعات.
ذاك عدا دوحة انتظمت بأصولها وفروعها الأسرة الحمدانية وما ضمنته المراجع. وعدا جدول تكاد العين تضل في سعته جمع المقابلات
بين القصائد والنسخ الخطية في بسط واستيفاء.
هذا ديوان أبي فراس الجديد يدلل على ما بذل فيه من جهد وما حمل في سبيله من عناء. وقد حبس الدكتور الناشر على هذا العمل نفسه سنين عشراً بين إعداد وطبع. وما عشر سنين بكثير على مثل هذا العمل الجليل. وما أحوجنا ونحن بسبيل إحياء نصوصنا القديمة أن تكون لنا التفاتة إلى مثل هذا الاستقصاء لا نبالي امتد بها الأجل أم قصر.
وبين أيدينا مؤلفات عنى بها مستشرقون كتب لها الخلود وليس عليها إلا أن تعاد طبعاً؛ وليس بدونها أن يفضلها أبو فراس الحمداني. فما في الظن أنه تبقى لأبي فراس شيء في عالم الغيب لم يهتك عنه الدكتور الدهان ستراً، ولا مكتوبة من ديوانه لا تزال سراً. فما أحقه من عمل بالثناء، وأجدره من نهج بالجزاء، وأولاها من طريقة بالاقتداء. . .

