نشرت ( الثقافة ) في العام الماضي رسالة للأستاذ وديع فلسطين ضمنها إحدى مرائي مطران التي لم تظهر في ديوانه وقد حسبها آخر ما نظمه مطران . أما ما أعلمه - رواية عن الأديبة الشهيرة الأميرة نجلا أبي اللمع معلوف - فهو أنه اتفق وجود السيدة أرنميس ( عقيلة السيد نجيب حداد القنصل الفخري للبنان في كاراكس عاصمة فنزويلا ) مع أختها ( بنت المرحوم الدكتور باسيلا ) في الفندق أو المصح الذي كان يقيم فيه مطران بأواخر أيامه في حلوان ، فتلطف عليها بقصيدة جميلة كتبها بخطه لعلها آخر ما نظمه شاعر العربية الكبير ، وهذه قصيدة - على ما حدثتني الأميرة نجلا - مودعة الآن لدى السيد نجيب ، وبوسع اللجنة المنوط بها إخراج ( ديوان الخليل ) أن تحصل عليها وتضمها إلى المجموعة سينتظمها الجزء الخامس من ديوانه
وقد حرمنى اغترابي السحيق شرف المساهمة في جمع آثار مطران المبعثرة وبينها شعره الوطني الناري الذي كنا نسمعه من فمه ولا أجد له الآن اثرا في ديوانه ، وهذا مثل ما أصاب شعر حافظ ابراهيم الذي قلما دون شعره غير المطبوع .
ولا غرو إذا اهتم المصريون خاصة لأثار هذين الشاعرين الجهيرين ، فقد كان حافظ لسان مصر الناطق الذي لا يعرف المساومة في مبادئه ولا ينظم لمجرد التسلية ولا للتهليل والتصفيق
وكان مطران من أبر من أظلتهم سماء مصر بها ، عاش فيها زهاء نصف قرن مساندا حركتها الوطنية في جميع مراحلها ، وكان ناظم أول نشيد وطني لها ، والزعيم الأول للمدرسة الابتداعية في الشعر العربي الحديث التى تفرعت عنها مدارس أخري في مصر وخارجها فيما بعد على ما دونه النقاد البصيرون والؤرخون المستقلون ، ومن أهم المراجع في ذلك البحث الضافي الذي أخرجته ( دار المقتطف ) للمستعرب التركي الدكتور اسماعيل أدهم ، وهو جدير بأن يعاد طبعه مع الإضافات اللائمة ، ولعل في مقدمة الا كفاء للإشراف على مثل هذا العمل الأستاذ وديع فلسطين الذي عرف بنزاهة نقده ونعم بصحبة مطران في سنيه الأخيرة . أو الأستاذ مصطفي عبد اللطيف السحرتي صاحب كتاب ( الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث ) وهو مرجع هام
محترم غني عن التعريف ، وكذلك شمائل مؤلفه الفاضل . وفي بعدي آلاف الأميال عن مصر لا يمكن أن أشير إيجابيا إلا إلى بضع قصائد تناولتها من أستاذى مطران . بعضها فقد مني ولم اهتد إليه ، كرده على قصيدتي النونية المنشورة بمجلة ( الهلال ) - عدد يوليه سنة ١٩١٤ - وكنت حينئذ مقيما بإنجلترا ، وقد جاء في مطلعها :
عرفت شعرك شعر الخلد من صغري
فكنت أحفظه حفظى لقرآن
والآن بت وقد أبعدت عن نظرى
ظمآن أشكو تباريحي لظمان
ومنها ما فقد أصله مني ونشر في صحيفة لم أهتد إليها مثل قصيدته ( عالم وعالم ) التي استهلها بقوله :
يا بن أخي بشرتني مرة بملتقي السبت ولم تحضر
ما دمت في خير وفي صحة فانس الذي تنساه أو فاذكر
ومنها :
تحكي ( سهيلا ) قطرة من دم وتكفؤ الذرة ( للمشتري )
كلاهما في نوعه عالم أدقه يدهش كالأكبر!
وهذه الآبيات مذكورة مع ردي على القصيدة في ديوانى الأول ( أنداء الفجر ) وفيه أيضا قصيدة من مطران ردا على أخري مني بعنوان " لوعة الخريف " وهي ترجع إلى سنة ١٩١٠ ، كما به تحية منه لذلك الديوان ، وهما منقولتان عن خطه في الطبعة الثانية من الديوان الصادرة سنة ١٩٣٤ ، وبين ما تلقيته من مطران عدا هذه القصائد تحية وتزكية أثر عودتي إلى مصر من انجلترا وترشيح الوفد المصري إباي للبرلمان الأول ، وليس عندي النص الكامل من هذه القصيدة ، وربما وجد لدى الأستاذ الأديب حسن الجداوي المحامي الذي اقتبس منها في تقديمه لبعض دواويني .
هذا ما يحضرني ذكره لبعض ما يخصني في الفائت من شعر مطران ، أو لما أعرفه عن أشعاره المنسية ، ومنها ما لا يمكن نشره - حتى لو اهتدي إليه - في الظروف السياسية الحاضرة .
(نيويورك)

