الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 322الرجوع إلى "الثقافة"

ذات الغشاء الأبيض، الدفتريا

Share

لابد أن يكون مرض الدفتريا قد عاصر البشرية منذ أجيالها الأولى . ولو أن الوصف الفصل الأول للمرض يرجع إلي القرن الثاني الميلادي ، حين وصف ) ارتياس ( داء يتميز  بوجود قرحات على اللوزتين يغطيها غشاء أبيض أو باهت أو مائل إلي السواد في بعض الأحيان ، ويتسبب عنه الموت بالاختناق إذا امتد إلي الحنجرة ، ووصف ايضا تغير الصوت ورجوع الأغدية السائلة من الأنف عند ابتلاعها . وتمر الأعوام بعد ذلك سراعا فيظهر المرض علي شكل وبائي في أسبانيا في عام ١٥٨٣ ميلادية فتلتفت إليه الانظار . ويجد في أوراق تاريخ الطب المتناثرة وصفا دقيقا لهذا الداء الذي اطلقوا عليه إذ ذاك (الخناق) لانه يسد جنجرة الطفل ، فيختنق ، فيموت ، والغريب أن )  قيلا ريل ( الأسبانى يصف الغشاء كأدق ما يمكن أن نجده في كتب الطب الحديثة ، فيقول لأول مرة علاوة على ما سبق :

إنه ملتصق التصاقا تاما باللوزتين بحيث أن أي محاولة لإزالته تنتهي بالفشل . وأثناء الوباء الذي حدث بايطاليا عام ١٦٢٠ لاحظ ) كورينسبوس ( لأول مرة ان المرض معد ، وكان ذلك لانه طلب من زميل له ان يشم رائحة في أحد المرضى ليري إذا كان كريها ، فمات الزميل المسكين  في اليوم الرابع مختنقا ! ويقول في مذكراته : " منذ ذلك اليوم أدركت أن هذا المرض ينتقل من شخص إلي آخر بوساطة الرذاذ ؟ .

وفي عام ١٨٠٧ مات ابن شقيقة الإمبراطور نابليون بونابرت نتيجة ) مرض الخناق ( ، وكان عمره أربع سنوات ، فلما سمع الامبراطور بموته حتى تأثر تأثرا شديدا وقرر منح جائزة ١٢٠٠٠فرنك لصاحب احسن بحث في هذا المرض عسى أن يصل إلى وسيلة يحمي بها اطفال الجيل من فتك

هذا الداء . ولكن المحاولة كانت غير موفقة ، بل لقد زادت الموقف تعقيدا

ويرجع إلي بريتونو الفرنسي الذي عاش بين عامي ١٨٦٢،١٧٧٨ كل الفضل في إطلاق اسم ) الدفتريا ( على هذا المرض الفتاك ، وقد وضع مؤلفا قيما في ٤٠ ٥" صفحة ونشره في عام ١٨٢١ ضمنه تفصيلات دقيقة عن أعراض المرض ، وفرق بينه وبين بقية إصابات الزور والحنجرة الحادة . وقد اشتق اسم الدفتريا من لفظة لاتينية معناها " غشاء " وكأن الغشاء قد بدأ ينقشع تدريجيا عن الظلمات التي أحاطت بهذا المرض من قبل ، فما بزغ عام ١٨٨٣ إلا وكان العلامة ) كليز ( قد كشف جرثومة المرض ، وفي العام التالي دعم ) قومذر ( ما اثبته زميله من قبله فحق لهما أن يقتسما ثمرة القصر في مرحلة هامة من مراحل الكشف والاستقصاء ، وسميت الجرثومة باسمهما معا ، وتعرف حتي الآن ) بباشلس كابير لوظر ( . وفي عام ١٨٩٠ زاد النور ضياء باكتشاف قون بهري المصل المضاد للدفتريا ، ولكن أبحاثه كانت معظمها على الحيوانات التجريبية ، حتى إذا أتي عام ١٨٩٤ طبق روكس ومارتن هذه النتائج على الأطفال الآدميين ونجحا نجاحا باهرا ، وفي عام ١٩٢٣ دق ناقوس النصر النهائي مؤذنا بانتهاء المعركة وانتصار المخ البشري ؛ وذلك أن ) رامون ( اكتشف الطعم الواقي وسماه ) الإبانوكسين ( وبوساطته أمكن وقاية الأطفال ضد الإصابة بالمرض . والدفتريا من الأمراض التي يباهي علي الجراثيم ) البكتر بولوجيا ( أن انتصاره عليها كان كاملا أي مائة في المائة .

وأكثر ما تحدث الدفتريا بين السنة الثانية والخامسة من عمر الطفل ، ولو انها قد تصيب الأطفال في مختلف الاعمار . والغالب أن الطفل يرث بعض المناعة عن طريق امه ، ولذلك نقل الاصابات في الستة الأشهر الأولى من العمر حتى إذا بلغنا نهاية السنة الاولى كانت قابلية الطفل للعدوي بالمرض حوالى التسعين في المائة . ولذا يجب ان يحقن الطفل

والطعم الواقي قبل ان يتم السنة الاولى من عمره . والغريب في مرض الدفتريا ان الاصابة به لاتكسب الطفل مناعة لمدة اطول من الشهرين يصير بعدها عرضة للعدوى مثني وثلاث ورباع كلما تجددت الظروف

وتأتي عدوي الدفتريا بطريق الرذاذ أثناء السعال أو الضحك أو العطس أو التقبيل . وقد يكون مصدرها المريض نفسه أو حامل الجرثومة ) وهو الذي توجد الجرثومة في إفرازات فمه وانفه دون ان تظهر عليه علامات المرض ( ، وهذا الأخير هو المسؤول الأول من الآوبئة التي تظهر بين حين وآخر في المدارس والمعامل وغيرها . ويلعب اللبن والحيوانات المستأنسة كالقطط والكلاب دورا هاما في نقل الدفتريا من بيئة إلي بيئة أو من شخص إلي آخر .

ومرض الدفتريا خداع مراوغ ؛ فقد لا يصحبه سوي ارتفاع بسيط في الحرارة وقد يبدو الطفل وكأنه سليم ليس شىء سوي وعكة خفيفة وفقدان في الشهية واصفرا بسيط في الوجه وميل عن اللعب مع اخوانه ورفقائه فإذا فحصه الطبيب وجد العلامات الموضعية في الحلق أو الأنف أو الحنجرة . ولعل أكثر أنواع الدفتريا خداعا هي دفتريا الانف ، لأنها غير مصحوبة بأي أعراض سوي رشح مزمن يظهر الدم في افرازه بين أن واخر فعلينا بأن تأخذ عينة من الأنف للفحص البكتريولوجي في حالات الزكام المصحوبة بدم من احدي فتحتي الأنف كلتيهما ، لانه فضلا عن خطرها على الطفل نفسه ، فإن دفتريا الأنف - بالنسبة لكونها مزمنة وأمينة في مظهرها - مسؤولة عن عدد كبير من حاملي جرثومة المرض ، وهم الذين ينتشر المرض بوساطتهم بين أفراد المجتمع

وهناك اعتقاد خاطئ شائع ، وهو ان مرض الدفتريا لايصحبه سوي ارتفاع بسيط في الحرارة . والواقع ان هناك حالات يرتفع فيها حرارة الطفل إلى ٤٠ درجة ، فيجب الا نتخذ من ارتفاع الحرارة دليلا على ان الأصابة الموجودة ليست بالدفتريا .

والحكمة في التشخيص الدقيق ، وبالتالي العلاج السريع المبكر ، هي ان سموم الدفتريا تؤثر على القلب والدورة الدموية والجهاز العصب . وكلما حقن المصل المضاد للدفتريا مبكرا وبكميات كافية ، كان الأمل كبيرأ في إنقاذ حياة الطفل . ومن مميزات سموم الدفتريا أنها تخرج امتزاجا وثيقا بخلايا الجسم ، وبدرجة لا تمكن المصل المضاد من انتزاعها ، وهنا تظهر اهمية النشخيص المبكر لأنه يساعد على اعطاء المصل في الوقت المناسب ، فتتحد جرئياته بالسموم وهي سابحة في الدورة الدموية قبل أن يستقر بها المطاف في القلب والأعصاب والكبد وبقية أجزاء الجسم ، لأنها متي ثبتت أقدامها في خلية ما فمن المستحيل  انتزاعها

ولهذا السبب ايضا يخشى دائما من إصابة القلب بالهبوط أثناء المرض وفي دور النقاهة ؛ لذا يجب ان يلازم الطفل الفراش مدة لا تقل عن ثلاثة اسابيع في الحالات البسيطة ، وستة أسابيع في الحالات الشديدة التي يتأثر منها القلب ، ولا يسمح له فيها ببذل أي مجهود كالجلوس في السرير أو حتى التقلب فيه دون مساعدة والدته او ممرضته ، لان مجهودا بسيطا كهذا قد يودي بحياته فجأة . وبعد انقضاء فترة الراحة يسمح له بالتحرك تدريجيا ، ولكنه لا يترك الغرفة قبل مرور ثلاثة أسابيع أخري

أما مدة عزل الطفل عن المدرسة فتتفاوت بين أربعة وستة أسابيع ، ولكن يجب الا يختلط الطفل بغيره او يذهب إلي المدرسة قبل ان يثبت الفحص البكتربولوجي ثلاث مرات متوالية عدم وجود جرثومة الدفتريا في افرازات الأنف والحلق

ودور النقاهة لا يخلو هو الآخر من خطورة ، إذ قد يصاب القلب في أثنائه بهبوط فجائي أو تدريجي إذا قام الطفل بأي مجهود ، وهذا هو السر في جعل مدة الراحة في السرير طويلة بالرغم من تحسن الحالة العامة ونزول الحرارة . وقد تظهر أعراض شلل بالأعصاب فإذا تأثرت أعصاب

الحلق مثلا ، أرجع الطفل من أنفه السوائل التى يتناولها من فمه ، ويبتلع الأغذية بصعوبة ، ويخفت صوته ) أي يصير اخنف ( ، وإذا تأثرت اعصاب العينين شكا الطفل من زغللة وعدم قدرة على القراءة . أما اعصاب الرجلين فإن تأثرها ينشا عنه ضعف في قوة الساقين وعدم قدرة على المشي ، وتظهر هذه الأعراض عادة بين الأسبوعين الثاني والرابع بعد الشفاء من الدور الحاد ، وتنتهي دائما بسلام ما دام الشلل لا يصيب عضلات التنفس فالحجاب الحاجز وغيره .

أما المخالطون - أي الذين يعيشون مع الطفل المريض أو يختلطون " - فيجب حقنهم بالمصل الواقي بمقدار ) ١٠٠٠ وحدة ( ليكتسبوا مناعة سريعة ولكن قصيرة الآجل ) فهي لا تدوم أكثر من أربعة أسابيع ( ، ويحقنون في الوقت نفسه بالطعم الواقي ) أنا توكسين

وهو وإن كان يكسبهم مناعة طويلة إلا ان اثرها لا يظهر قبل خمسة اوستة اسابيع ، لذا يتحتم حقن المصل في الوقت نفسه ليقى المخالطين أثناء دور المرض الحاد .

وقد اصبح حقن الأطفال بالطعم الواقي ضد الدفتريا ) إجباريا في مصر ، ويجب ان يتم هذا قبل نهاية السنة الأولى من العمر ، ويعتبر التقصير مخالفة يعاقب عليها القانون .

ويعطي الطفل لهذا الغرض ثلاث حقن بين الواحدة والأخري أسبوعان ، ويبدأ بنصف سنتيمتر مكعب ثم سنتيمتر وأخيرا سنتيمتر ونصف

ولعلي أكون قد أفصحت في هذه اللمحة السريعة عن مرض من اخطر امراض الاطفال في تنبيه الوالدين عما يجب عليهما اتباعه لوقاية طفلهما من شرور هذا الداء الوبيل

اشترك في نشرتنا البريدية