لست أدري متى وكيف نسللت هذه القطعة من ذوات المليمين إلي نقودي ، ولكن الذي أدريه في يقين هو أنها عمرت هنالك شهرا كاملا ، تنتقل مع حيث انتقل وتسير حيث اسير ، تحاول جاهدة ان تجد سبيلها إلي الانفاق ، وأنا أغالب طبيعة البشر فأعاونها في ذلك ، فما أجد لها السبيل ؛ ولعلك تدرى شيئا من هذا الصراع الدائم القائم بين المال وصاحبه ، هذا يشد المال إلي جيوبه شدا لا يريد له أن يشهد النور ، والمال يبتغي لنفسه أن يتنفس الهواء الحر الطليق ، فيجري دافقا سيالا بين أصابع المتعاملين تارة تحسه أيد ناعمة لكنها تستخف به وتزدرية وطورا تظفر به أيد خشنة لكنها تتقبله قبولا حسنا وتكرم له المثوي ؛ وإن ذلك لمن عجب الحياة الذي لا ينقضي ، فإن طاب لك المأوي ألقيت به الشوك والحسك مما يستذل النفوس ويؤجج الصدور ، وإن التمست لنفسك العزة وجدت مأواك خشنا غليظا . . ومهما يكن من أمر ، فقد ألحقت هذه القطعة النقد لنفسها الفكاك ، وغالبت نفسي وعاونتها على الانفاق ، ولكن كان لها القدر بالمرصاد
فهأنذا عند دار السينما أضرب بنكبي مع الضاربين ، لعلى أجد السبيل إلي شباك التذا كر ، وقد ضربت حوله زحمة الناس نطاقا يخنق الانفاس ، وأين من هؤلاء القوم من يواتيه حظه السعيد فيبلغ عتبة الشباك ؟ إن عيون المنزاحين لتكاد تفتك به من حسدها له على توفيقه فتكا وحان الحين وكنت انا المرموق بهاتيك العيون الفواتك ، ووقفت أمام الشباك املا عارضته بمرفقي ، ولكنى اسرعت الحركة والكلام لتطمئن نفوس المنتظرين الناظرين فلا يحقدوا ، وضربت يدى في جيبي واخرجتها
فقذفت بما أخرجت لبائعة التذاكر ، فإذا بها ذات المليمين تتحرك على رخامة الشباك في رمونة الايقاع . .
وجلست في مقهي مع طائفة من الأصدقاء ، لا تزال يبنهم حواجز الكلفة قائمة ، يحاول كل منا أن يستر من نفسه الفقر والجهل والضعة ، ليظهر الثراء والعلم ورفعة المكانة بين الناس ، وجاء الخادم بتقاضانا ثمن ما شربنا ، فسابقت الأيدي مخلصة إلي الجيوب - ياليتها تدرك أصحاب المسغية بعشر معشار هذا الوفاء لأصحاب اليسار : - فهذا موقف من الواقف النادرة التي ينعم فيها من يثبت للآخرين غناه ، وأخرجت كل يد ما فيها على المنضدة في سرعة متلهفة ؛ فقذف واحد بريال قوي العضلات صداح الرنين ، ونشر آخر جنيها من الورق بين أصبعية ، وقذفت على المنضدة بما حملت يدي مع القاذفين ، فاذا ينصف ربال ياخذ مكانة لا بأس بها بين القذائف ، ولكن دارت إلي جانبه ذات المليمين فحطت من قدره وقيمته . وشاء الحظ العائر أن تتعثر هذه القطعة المنكودة في دورانها حتى هوت إلي الأرض في رنين ضئيل ، فانحني أحد الأصدقاء إليها وردها إلي ، فأخذتها والجبين يتندي من الخجل ، فليس يشرف المرء في مثل هذه المواقف أن يضم جيبه شيئا من ذوات الملاليم ١ !
وكنت أجالس فئة من رفاقي ، وأرادت المصادفة أن يدور بيننا حديث أخذ يشتد فيه الجدال ويشتد حتى اضطرم واشتعل ، فجاء زميل يجمع منا قدرا من المال تحسن به على خادم طاحت يد المنون بزوجه ، وعجزت دراهمه أن تقلقل الجثة من سريرها إلي القبر ، فجاءنا يطلب الاحسان والموت يقسو علي الفقير كما تقسو عليه الحياة ، فلا هو إن عاش حي بين الأحياء ، ولا هو إن مات واجد سبيلا ميسورة إلي مراقد الوتي ؛ ودار الزميل الكريم يلقف من الأصابع ما امتدت به ومددت أصعبي ذاهلا مشتغلا بما أنا فيه من الجدل ،
وقد كدت انتصر ، وإذا بالزميل يبتسم لي قائلا : لا بأس فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وضحك الحاضرون جميعا ، ونظرت فإذا بذات المليمين بين اصبعيه ، فجذبتها في حركة عصبية سريعة ، وفمي يتعتم الفاظ الأسف ، واخرجت ضعف ما احسن به الاخرون لاعوض هذه السقطة ، فمن امثال هذه السقطات ترتسم شخصية الرجل في أذهان الناس ؛
حقا أن العرف دساس ، ومن تجري في عروقه دماء النذالة والضمة هيهات أن يخفى من الناس طويته ، فالنفس لابد يوما مفضوحة بسلوكها ، ولو حاولت أن تسدل على مكنونها ألف ستار وستار . . فهذه القطعة ذات المليمين - فيما يظهر - قد استغلت شبهها بذات القرشين استغلالا دنيئا خسيسا ، وأشهد الله اني من إجرامها بريء ) فقد عن لي يوما أن أسلك نفسي في زمرة الوجهاء - ولست منهم في عبر ولا نفير - فركبت الترام في الدرجة الأولى ، وجاء الكمساري يجبي من الراكبين الأجور ، وكنت منه في أقصى المقصورة ، فمددت له يدي بذات قرشين ، وأراد أحد الراكبين أن يعينني على ما قصرت عنه ذراعي ، فأخذ مني قطعة النقد ليعطيها للعامل ، ورأيته ينظر إلي القطعة في يده ثم إلي ، ولكن أدبه قد شاء له ألا يتدخل في أمر لا يعنيه ، وتناولها إلي بائع التذاكر ، فنظر إليها الرجل وقال : ما هذا ؟ فقلت : خذ قرشا وهات قرشا ، فقال : عشنا ورأينا ذات المليمين تلد من جوفها القروش ) فأدخلت يدي إلي نقودي في رعشة الخجل ، وأصلحت الخطأ ، وقدمت للرجل المعذرة بالابتسام والكلام . . وأردت أن أثبت للجالسين برائتي - ووجاهتي - فأحسنت بذات المليمين إلي فقير قفز إلي سلم العربة يطلب الاحسان وانتهي بذلك تاريخ مؤلم طويل
لكن الله الذي يضمر الخير في الشر ، قد أراد
لهذه القطعة الخبيثة إلا يذهب عني بلاؤها بغير درس مفيد ، بصرني بناحية من طبائع الناس لذيذة ومضحكة معا .
فقد جلست بين جماعة ذات مساء ، وكان في الحاضرين أديب شاب ، لم يتجاوز العشرين ؛ هو الذي حشر نفسه في زمرة الأدباء حشرا بغير دعوة منهم ولا قبول . ولست أعلم من ماضيه الأدبى إلا مقالة نشرتها له مجلة اسبوعية ، ولو اكتفى بهذا الحد من الآحلام لكان جميلا ، لأن الآحلام الحلوة التي تنفع صاحبها ولا تؤذي الآخرين ليس بها بأس ولا ضرر ؛ ولكن الغرور أخذ من هذا السخيف مأخذا شديدا ، فإذا به لا يكتفى أن يكون أدبيا من الأدباء ، ولكنه - لو أنصف الزمان وعرف للناس أقدارهم - في الطليعة منهم ، وشيوخ الادب يقفون له بالمرصاد لا يخلون بينه وبين النشر ، لأنهم ينفسون عليه ما وهبه الله من عبقرية ونبوغ فقلت لنفسي : اليس هذا بين الناس قطعة من ذوات المليمين تستغل شبهها بذات القرشين ، فتدس نفسها بين الريالات وانصافها دسا دنيئا قد يخدع الغافلين ؟ ١
وحدثني صديق أراد لنفسه الصدارة فالتحق بجمعية اعضاؤها طائفة ممتازة من علية القوم ، خالطهم ، ولكنهم لما يخالطوه ، وهش لهم وابتسم ، ولكنهم تولوا عنه وعبسوا ، فجاءني شاكيا باكيا من لؤم الطباع الذي يؤلم ويشقي ؛ فقلت له وقد تلقيت العبرة من ذات المليمين : اعلم ان في النقود ريالات ومليمات ، فان وجدت واحدة من ذوات المليمين نفسها بين الريالات فظنت نفسها " عضوا في هذه " الجماعة " فأصابها ما أساء إليها وأشقاها ، فليس الذنب ذنب الريالات المتكبرة ، لكنه ذنب ذات المليمين ، لأنها ارادت ان تكلف الأشياء ضد طباعها ، إذ أرادت - خطأ - أن تكون ريالا .

