أشرت فى مقال (١) سابق إلى ما اصطلح عليه جهرة العلماء المعاصرين من اعتبار الذكاء " مقدرة ذهنية عامة تولد مع الشخص وتنمو معه إلى سن معينة ، ويظهر أثرها واضحا فى الخطوات العقلية الراقية من حكم وتمليل واستنباط واختراع ، وتنشط على الخصوص عند مواجهة الحديد من الشئون ، وعند مالجة المعضلات "
وقد لخصت فى ذلك المقال بعض الجهود الحديثة فى قياس ذكاء العبقربين ، وتمنيت على المهتمين بمثل هذه الدراسات فى مصر أن يقردوا عظماء مرحلة من مراحل تاريخنا القريب أو البعيد ببحث من هذا الطراز .
والواقع أن أدبنا العربى لم يخل من محاولات شبيهة بهذه ، قصد فيها أصحابها إما إلى إثبات صفة الذكاء لأشخاص بعينهم " كأبى تمام " بين الشعراء ، و " زياد " بين القواد والخطباء ؟ وإما إلى القول بأن العرب عامة كانوا على درجة كبيرة من الذكاء ، وقوة الفهم ، مدللين على
هذا القول بذكر أمثلة وحوادث تتنافلها كتب الأدب . ومن بين هؤلاء الأخيرين " السيد محمود شكرى الألوسى " صاحب كتاب " بلوغ الأرب فى معرفة أحوال العرب " فقد عقد فى الجزء الأول من كتابه فصلا تحت عنوان " بيان فضل جلس العرب وما امتازوا به " (١) بدأء باعادة تقرير النظرية الفلسفية القديمة من أن كمال كل نوع إنما هو بحصول صفاته الخاصة ، وصدور آثاره المقصودة منه . وتناول الانسان وفضله ، فقرر أن ذلك الفضل إما يكون بالعلم النافع أو بالعمل الصالح ؛ والعلم له مبدأ وتمام ، فيبدؤه قوة العقل الذى هو الحفظ والفهم ، وتمامه قوة المنطق الذى هو البيان والعبارة ، والعرب هم أفهم من غيرهم وأحفظ وأقدر على البيان ، وإذا فهم أفضل من غيرهم من الأجناس .
إلى هنا ينتهى " الألوسى " من إجمال دعواء ، ثم يأخذ فى ذكر أدلانها واحدا بعد الآخر .
١-" ( أما كمالهم فى الفهم ) فلأنهم كانوا لا يبارون قوة ذكاء وإصابة حدس وحدة ألعية وصدق فراسة ، يخيرون عن الغائب بقوة ذكائهم كان قد شاهدوه ، ويصف لهم الحدس الصائب حال الورد قبل أن يردوء..... وقد كان منهم فى الأزمنة المتأخرة من هو دون السابقين بمراقب كثيرة ، ومع ذلك يتفطنون للرمرة والدقيقة ، ويتنبهون من اللحظة الخفية والاشارة اللطيفة " كما يحكى أن " سليمان بن عبد الملك " أتى بأسارى وكان " الفرزدق " حاضرا ، فأمره سليمان بضرب واحد منهم فاستعفاء فلم يعفه ، وقد أشير إلى سيف غير صالح للضرب ليستعمله ، فقال الفرزدق : بل أضرب بسيف أبى رغوان سيف مجاشع ، يعنى نفسه ، وما كان بعد ذلك من نبو سيف الفرزدق وضحك سليمان ، وما قال الفرزدق فى هذا من الشعر ، وما تنبأه من هجاء جرير " إياه إذا هو علم الخبر ، ثم ما تنبأه جرير من رد الفرزدق عليه ، وصدق النبوءة فى كلتا الحالين .
٢ - وبعد أن يروى الألوسى مثلا آخر بقول : " ولا تسأل عن قطانهم المنهية على الرمزة اللطيفة ، وحدة نظرهم المدركة المحجة الضعيفة ، وفى هذا روابات مشهورة منها أن شريكا التميرى لفى رجلا من تميم فقال له التميمى : " يعجبنى من الجوارح البازى " فقال شريك : " وخاصة ما يصيد القطا " . أراد التميمى بالبازى الإشارة إلى بيت جرير أنا البازى الطل على نمير أتيح من السماء له انصبايا وعنى شريك بذكر القطا قول الطرماح : تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ولو سلكت سبل المكارم ضلت ومثل هذه روابات أخرى عن فزارى وعرى ، وعن معاوية والأحتف ، وعن عبد الله بن يزيد الهالى ورجل من بنى محارب .
٣- ويحاول الآلوسى أن يثبت صفة الذكاء والفطنة النساء العرب أيضا ، فينسب إلى الخنساء ذلك النقد الفنى المعروف لبت حسان بن ثابت ( أو بيتيه ) : لنا الجفنات القر بلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
٤- ليس هذا فحسب ، ولكن برى الألوسى أن العرب قد وصلوا فى القطنة والذكاء وحسن الفهم إلى ما كاد يصل إلى حد الإعجاز ، وبنقل فى إثبات هذا رواية طويلة لأبى الفرج الأصبهانى من أن امرأ القيس آلى آلية ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانية وأربعة وثقتين ... الخ ، وهى رواية طويلة حافلة بألغاز وتفسيرات واستنتاجات طريقة .
٥- ومن أدلة الألوسى على ذكاء العرب ما ينقله عن البرد من أن العرب كانت تستدل باللحفلة واللفظة ؛ فمن ذلك ماروى أن " جميلا " قال لكثير : لو صرت إلى " بثينة " فأخذت لى عنها موعدا ؛ فرمز لها ورضرت له من غير أن يفهم عمها وكان حاضرا .
٦ - ومما يدل عند الألوسى على غزارة فهم العرب ودقيق نظرهم ما اختصوا به " من فرع العصا ، " وهو أشد أنواع الرموز استخراجا وأصعبها استنباطا ، لخلوه من النطق ، وللاقتصار فيه على مجرد الفعل فإنه إشارة بالفعل دون القول " .
٧ - يقول الألوسى فى ختام هذا الفصل ، ولما كانت العرب فى قوة الفهم وحدة الذهن إلى غاية الغابات كان معجزهم القرآن ، فإن العجز فى كل قوم بحسب أفهامهم ، وعلى قدر عقولهم وأذهانهم . وكان فى " بنى إسرائيل " ، بلادة وغباوة لأنهم لم ينقل عنهم ما بدون من كلام مستحسن أو يستفاد من معنى مبتكر ، وقالوا لنسبهم حين مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم : " اجعل لنا إليها كما
لهم آلهة " فحصوا من الإعجاز بما يصلون إليه بداية حواسهم . والعرب أصح الناس أفهاما ، وأحدهم أذهانا ، قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها ، ومن المعانى أغربها ، ومن الآداب أحسنها ، فحصوا من معجز القرآن بما تجول فيه أفهامهم ، وتصل إليه أذهابهم ، فيدركوعه بالفطنة دون البديهة ، وبالروية دون البادرة ، لتكون كل أمة مخصوصة ما يشاكل طبعها وبوافق فهمها "
إن الطريقة التى اتبعها الآلوسى فى تقرير دعواه ، وفى إثباتها ، عليها الطابع العلمى ؛ فقد بدأ فحدد الناحية التى سيتناول منها موضوعه ، وهى الكمال والفضل ، فارتضى فيهما ما ارتضاء الإغريق من قبل من أن كمال أى شئ ، إنما هو بحصول صفاته الخاصة به، وصدور آثاره المقصودة منه ، وحدد على ضوء هذا ما يعتبره فضلا فى الإنسان من قوة فهم ومنطق وبيان . والعرب فى رأيه قد أخذوا من هذا بأوفر نصيب ، فهم على هذا القياس أفضل الأجناس .
وهذا الجزء الفلسفى لا يعنينا كثيرا فى مقامنا هذا ، وإنما الذى يعنينا أدلته الاستقرائية على كمال الفهم وحدة الذكاء عند العرب .
١- وأول ما نلاحظه على هذه الأولة أنها ) إلا الأخير منها ) أدلة جزئية فردية ، إن صحت ، وإن دلت على ذكاء حقيقى ، فإنما تدل على ذكاء ، أفراد بعينهم ، لا يمكن أن يقال عنهم إنهم يمثلون المجموع ، فإن لمثل هذا التمثيل ضوابط إحصائية معروفة ، وعلى هذا فأقل ما يقال عنها أنها استقراء ناقص .
ب - وهذه الأمثلة على فرض صحتها التاريخية لا تدل إلا على بعض نواح خاصة من الذكاء كصدق التوقع ، وصحة التأويل وإدراك الإشارات ؛ وليس هذا كل الذكاء
فهناك من أهم نواحيه الاختراع . ولا بد قبل الحكم على العرب من هذه الوجهة أن نتبع آثارهم العقلية والعملية ، وأن نرى مبلغ ما فيها من طرافة وابتكار ، وأن نفيس هذا بما اصصلح العلماء الآن على اعتباره مقياسا لقوة الإنشاء والاختراع
جـ - ومن هذه الأمثلة ما قد يؤول على أنه نتيجة المران والتدريب ، فى حين يحاول العلماء الحديثون أن ينأوا بمقاييسهم عن هذه الناحية ، ويقصروا أنفسهم جهد استطاعتهم على قياس نواح يشترك فيها العدد الكبير من الناس ، دون أن يكون للمران كبير الأثر فيها . وإذا فلن نستطيع أن نعتمد على قرع العصا دليلا على الذكاء إذا عرفنا أن قبيلة أو قبائل من العرب كانوا يمرتون عليه ويتوارثونه كما يتوارث الفن من الفنون - اللهم إلا الناحية الابتكارية منه ، فهى لا شك مظهر من مظاهر الذكاء . ويخيل إلى أن الاستدلال بقرع العصا هنا قريب فى طبيعته من الاعتماد على المقاييس غير اللفظية التى لجأ إليها العلماء اليوم ليتحاشوا الاختيارات اللغوية ، وتلك لا تسوى بين المختبرين إذا اختلفت لغاتهم ، أو اختلفت قدرتهم على الكلام بلغة واحدة .
كذلك لن نستطيع أن نعتبر مقدرة الخنساء والسيدة سكينة فى نقدهما الفنى للشعر دليلا على ذكائهما العام ، بله ذكاء نساء العرب جميعا - إذا نظرنا إلى هذا النقد من وجهة أنه درية ومران وممارسة .
على أن النقد المنسوب للخنساء هنا ، إنما ترويه معظم كتب الأدب كالموشح والأعانى والخزانة للنابغة الذبيانى ، وهو به أشبه .
ء- ومن هذه الأمثلة ما يثبت دعوى الذكاء من ناحية وبنفسها من ناحية أخرى : فإذا كانت " بثبتة " قد قطنت للإشارة المقنعة فى شعر رسول جميل ، فإن هذه
الإشارة قد دقت على دماغ عمها فلم يفطن لها . وهكذا الشأن فى ملاحن " ابن دريد " وغيره من الرواة ، مثل حكاية أسير بكر بن وائل حيث سألهم رسولا إلى قومه, فقالوا لا ترسل إلا بحضرتنا ، إشفاقا أن ينذر قومه ، فقد كانت بكر هموا بغزوهم ؛ فجئ بعبد أسود ، فخدنه ذلك الأسير حديثا دفت إشاراته على بكر وفطنت له تميم .
ه- وكأنما فطن الألوسى إلى أن إثبات الأفضلية الذهنية للعرب على غيرهم من الأجناس لا يجىء إلا بعد دراسة الأجناس الأخرى وآدابها وعلومها دراسة اجتماعية سيكولوجية ، وموازنتها بالعرب من هذه النواحى ، فأشار إلي بنى إسرائيل وغبائهم ، وقلة ماأثر عنهم من كلام مستحسن ، أو معنى مبتكر ، وجهالهم إذ قالوا لنبيهم اجعل لنا إليها كما لهم آلهة . وهذه موازنة مشروعة ، ولكنها تستلزم بحثا أعمق وأوسع ، ولو سلمنا أن اليهود لم تؤثر عنهم نتائج عقلية خالدة ، فهناك من الأمم القديمة كالإغريق من نقل عنها الكثير ، ودونت كتبها وفلسفتها وعلومها وآدابها . ولاشك أن مجىء القرآن معجزة للعرب دليل على ما أوتيه أولئك من لسن وجدل وبيان ؛ وهذه القدرة اللغوية موهبة خاصة ترتبط كثيرا بالقدرة العقلية وقوة الفهم . ولكن الإشارة إلى غباء بنى إسرائيل فيها نظر . فالشائع الآن فى أنحاء العالم أن اليهود قوم ذوو حذق ومهارة ، وقد حاول اثنان من تلامذة الأستاذ ( BURT )فى جامعة لندن أن يثبتا - باختبارات قاما بها - أن اليهود من أذكى الأمم ، وأيد نتائجهما فى هذا بعض الباحثين فى أمريكا ، وتساءل " برت " فى شأن هذه النتائج قائلا : " أنقول فى تعليل هذا إن قرونا من الاضطهاد قد اقتضت ألا يقى من هذا الشعب ( اليهودى ) إلا أذكاء وأنجبه ؟! "
ولقد قام العلماء الحديثون بإجراء عدد كبير من اختبارات الذكاء على مجموعات من كل الاجناس الأوربية
تقريبا ، قصدوا فيها إلى قياس القوى الفطرية أو الوراثية لكل جنس . ولكن هؤلاء العلماء اصطتموا بصعوبات : منها اختلاف اللغات ، مما جعل الموازنة عرة ( إلا فى الأحوال التى استعملت فيها اختبارات عملية لا لفظية ) ، ومنها اختلاف الطرق التى ينهجها الباحثون ؛ ولهذا ينظر الكثيرون بعين الشك إلى نتائج بعض هذه الاختبارات التى تشعر بتفضيل بعض أجناس على أخرى فى الذكاء ، وفى هذا يقول " برت " : " إن هذه الفروق مهما تميزت وتحددت بين الأجناس المختلفة ، فانها ليست قط على درجة من العظم .... وإن الفروق الواسعة فى الذكاء بين الأفراد الذين ينميهم شعب واحد ، لأوسع وأبعد مدى من الفروق بين شعب وآخر ، وإن الفروق البينة بين الأقوام لتتجلى فى الطبع والمزاج ، أكثر من تجلبها فى الذكاء " (١ ).
إذا فالبحوث الحديثة - رغم ما وصلت إليه من إتقان - تطرق موضوع الموازنة بين الأجناس فى الذكاء على حذر ، وتتردد فى تفضيل جنس على آخر ترددا كبيرا . ومثل هذا ينبنى أن يكون شأننا فى الكلام على مزايا العرب وصفاتهم ومنزلتهم العقلية بين الشعوب .
ولا شك أن الألوسى " وأضرابه قد طرفوا موضوع الخصائص العقلية عند العرب من ناحية موفقة ، إذ حاولوا استقراء الأمثلة والمظاهر التى تم عن ذكاء فى الجنس العربى ؛ فليقم من باحثينا اليوم من بوسع مدى ذلك الاستقراء ، ويعالج أمثلته من الوجهتين التاريخية والاحصائية ، ثم من الوجهة النفسانية ، على ضوء ما وصل إليه علم النفس الحديث من كشف عن حقيقة الذكاء ، وقياس لآثاره ومظاهره
